الثورة السورية بين الواقع والطموح!

خاص “المدارنت”
ما إن قامت الثورة السورية، في الثامن من كانون الأول للعام أربعة وعشرين بعد الألفين، وحررت الشعب السوري من نظام طاغية استبد به قرابة ستة عقود، حتى وجدت نفسها محاطة بأمواج متلاحقة من التحديات الخارجية والداخلية، عزلة سورية عن العالم، وحصار اقتصادي مفروض عليها لا سيما تطبيق قانون قيصر.. وقصف إسرائيلي متكرر دمّر البنية العسكرية للجيش السوري وتحديات داخلية اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، بما أحدثه نظام الأسد من دمار هائل في المدن والمنشآت الاقتصادية والمرافق الحيوية والبنى التحتية. وتهجيره ملايين السوريين إلى دول العالم. واتساع دائرة حقول الإلغام في المناطق السورية المختلفة، وبروز المجموعات المسلحة التي غصت بها سورية، واتساع ظاهرة انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة الذي وسّع دائرة الانفلات الأمني وما أنتجه من نهب وسطو وسرقات واغتصاب، وتزايد أنشطة عصابات الكبتاغون.. كما واجهت الإدارة الجديدة تحدياً آخر تمثل في صعود أنشطة المعارضة الداخلية بتلاوينها المختلفة التي صبت وابل انتقاداتها ومآخذها عليها، يمكن تصنيفها بحسب وجهات نظرها في الإدارة الجديدة إلى نوعين:
1/ “المعارضة المتطرفة”
ترى أنّ الإدارة الجديدة انطلقت من خلفية إسلامية متشددة هي امتداد لهيئة تحرير الشام والفصائل الجهادية المنضوية تحت لوائها، وهي جماعات إرهابية متطرفة، يقودها إرهابي متطرف، اعتمدت في إدارتها لوناً واحداً في الحكم ودستوراً مؤقتاً ينص على أن الإسلام دين الدولة، وأنّ الفقه الإسلامي مرجع التشريع.. وأنّها خلطت الدين بالسياسة.. وهي تقلل من شأن إنجازاتها على الصعيدين الداخلي والخارجي، فلا تقف عندها، أو تلتفت إليها وإنما تضخم تجاوزاتها، وتتصيد صغار أخطائها.
وترى أنّ الحكومة الجديدة لم تقدّم للشعب السوري ماوعدته به، فلا هي حسّنت أحواله المعيشية، ولا حلت أزماته المتفاقمة، ولا نهضت بإعادة إعمار البلد، أو أهلت بناه التحتية، أو حققت شيئاً من العدالة الاجتماعية، وهي تريد من الإدارة الجديدة أن تحقق أهداف المرحلة الانتقالية المحدّدة بكبسة زر أو بلمسة سحرية، وأن تبني ببضعة شهور لا بسنوات خمس أو يزيد بلدا مدمرا أزمن عليه الفقر والظلم والقتل والتشرد، وإذن فهي بنظرها إدارة فاشلة ستجر البلد إذا بقيت في الحكم إلى مزيد من الكوارث.. وعلى هذا شنّت هذه المعارضة حملات إعلامية ضد الثورة، تشوّه صورتها أمام ملايين الشعب السوري التي التفت حولها واحتضنتها، والإدارة الجديدة تستقبل إنكارالمعارضة وانتقاداتها، ولسان حالها يردد ماقاله الشاعرالقديم:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً
مني وما سمعوا من صالح دفنوا
لم تعترف هذه المعارضة بشرعية حكومة الإدارة الجديدة، ولا بشرعية رئيسها المؤقت الذي ما تزال تلاحقه باسمه القديم “أبو محمد الجولاني”، تقصد به “الإرهابي”، وما تزال تجدد له تهمة الغرب بالإرهابي، في حين أنّ مجلس الأمن والغرب نزعا عنه هذه الصفة، وأمريكا ألغت الجائزة التي خصصتها لمن يدلى بمعلومات تؤدي إلى إلقاء القبض عليه، وترى هذه المعارضة أنّ إدارة المرحلة الجديدة سينتهي بها المطاف إلى إقامة دولة إسلامية لا مدنية في سورية، لذا فهي تنظر إلى ما حدث في سورية على أنه ليس بثورة، وإنما هو انقلاب عسكري، حرّضت الناس على الإطاحة به، وتتصدر مشهد هذه المعارضة القوى الانفصالية التقسيمية، أعداء وحدة سورية التي تسعى إلى التحكم بمستقبل أكثرية الشعب السوري الذي يطالب بوحدة سورية المركزية، لتفرض عليه أهدافها، فلا ترتضي بغير الفيدرالية بديلاً، وقد هرول تحالف الأقليات في سورية إلى عقد مؤتمر في تل أبيب، يوم الاثنين 27 تشرين الأول/ 2025 م. بتوجيه وإشراف ودعم من “إسرائيل”، تسانده في إقامة دويلات لها إنفصالية عرقية ومذهبية في سورية، بقناع برّاق هو النظام الفيدرالي..
2/ “المعارضة المعتدلة”
تتمثل بالشخصيات الوطنية والأحزاب الوحدوية والسورية، وبقية التيارات والفئات المعتدلة، ومؤسّسات المجتمع المدني. وهذه المعارضة توافق المعارضة المتطرفة في عدد من مآخذها على الإدارة الجديدة، لكنها تخالفها في بعضها الأخر، توافقها أنّ الإدارة الجديدة غلب عليها اللون الإسلامي، وعدم اتباعها التشاركية في الحكم التي تشمل ممثلين عن أطياف الشعب من مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب الوطنية, وترى أنّ القيادة عينت في مفاصل الدولة بعض المسؤولين لم يكونوا أهلاً لها، تذمر المواطنون من ضعف أدائهم، وطالبوا باستقالتهم.
بيد أنّها تعلل الظروف الموضوعية لهذا السبب، فترى أنّها تولت قيادة سوري ، وهي في غالبيتها تمثل فصائل الثورة العسكرية لتعبر بها من المرحلة الانتقالية المضطربة إلى مرحلة الاستقرار.. وترى أنّ منهجها في معالجة المشكلات المختلفة التي ورثتها من نظام الاستبداد المباد، مهما قيل فيه يظل منهجاً مؤقتاً ليس بثابت، ستطرأ عليه تغييرات متدرّجة في المرحلة الانتقالية حتى دخول سورية مرحلة الاستقرار، وترى أنّ غلبة اللون الواحد على أهم مفاصل السلطة ستتضاءل تدريجياً، رغم تعيينها قلة لا تكفي من بقية أطياف الشعب السوري فيها، وهي تدرك صعوبة تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تواجه الإدارة الجديدة، وترى ضرورة إعطاء الإدارة الفرصة الكافية لإنجاز مهامها البالغة التعقيد في الوقت نفسه ترصد المعارضة أداءها في مسارها الانتقالي.. فهي تؤيد خطواتها الإيجابية، وتنتقد إجراءاتها السلبية نقداً بناءّ هادفاً، من غير أن تتسرع بإطلاق أحكام تعسفية سابقة لأوانها على كامل مرحلة مازلت الإدارة تخوض بداياتها فتحكم عليها بالفشل.. موقف هذه المعارضة من إدارة المرحلة الجديدة كموقف مؤيدي الثورة، ينبع من حرصها على وحدة البلد وسلامة أراضيه، وتماسك جبهته الداخلية لإدراكها أنّ معاداتها الثورة السورية، ووقوفها إلى جانب أعدائها الانفصاليين سيضعف قدرة الإدارة الجديدة على الصمود في مواجهة التحديات، وسيخلخل بنيان الجبهة الداخلية، ويمنح أعداءها قوة تعزّز قدرتها على إسقاط الثورة التي حرّرت الشعب السوري من نظام الأسد، فإذا تحقق لأعدائها مسعاهم عادت سورية إلى نقطة الصفر حيث الفوضى والفلتان الأمني، فيحصل التقسيم، وتتشظى الدولة الواحدة إلى مجموعة دول عرقية وطائفية ومذهبية ترهن مصيرها بيد “إسرائيل”. لذلك فإنّ نقدها لها يصدر من باب الحرص عليها.. وبعبارة أخرى من باب الحرص على وحدة سوريا واستقرارها..
إنجازات الإدارة الجديدة
لعل أهم ما أنجزته الثورة إسقاطها نظام الأسد، وتطهيرها البلد من المشروع الإيراني والمليشيات التابعة له بأسمائها المتعددة من لبنانية وعراقية، ومن الهيمنة الروسية، وتعمل إدارة المرحلة الانتقالية منذ بداية التحرير بخطى حثيثة لتحقيق أهداف الثورة السورية في بناء دولة سورية الجديدة. وبذلت جهوداً مكثفة في مكافحة الفساد والمخدرات وعصابات الإجرام، وعملت على إقرار السلم الاجتماعي ما استطاعت إليه سبيلا، وحسّنت أجور العاملين في الدولة.. وقامت بإصلاحات اقتصادية وسياسية في الداخل، واستطاعت أن تكسر طوق العزلة الذي فرضه النظام المباد على سورية، فنسجت علاقات ديبلوماسية واقتصادية جديدة مع دول الجواروبقية دول العالم، واستقطبت استثمارات أجنبية مع عدد من الشركات الدولية، تضمنت مشاريع تسهم في إعادة تأهيل البنى التحتية والإعمار والنقل وإيجاد فرص للعمل، وهي تسعى الى تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين في السوق السورية.
وقد حققت في الشهور القليلة الماضية من الإنجازات المكثفة الهامة على مختلف الأصعدة، ما لم تحققه دول مستقرة في سنوات. وبذا استطاعت الإدارة أن تقدم للعالم صورة جديدة عن سورية مختلفة عن صورتها السابقة التي عرفها العالم فيها بأنها تتصدى للإرهاب، وأنها تحوّلت من التشدد إلى اللين ومن التطرف إلى الاعتدال, وغدت تنظر إلى المشهد السياسي في سورية من أفق واسع يستوعب الجميع، وهذا ما أدّى إلى تغييرنظرة الغرب السابقة إليها بنظرة جديدة تأخذ بعين الاعتبار واقعها الراهن والتغيير الذي طرأ على نهجها، فأبو محمد الجولاني الذي وصفوه بالإرهابي، والذي رصدت أمريكا عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى إلقاء القبض عليه، أزالت عنه صفة الإرهاب، وألغت المكافأة، فصار جولاني الأمس أحمد الشرع، اليوم، رئيساً لسورية، وسيقوم الغرب قريباً بإزالة هذه الصفة أيضاً عن هيئة تحرير الشام وبعض فصائل الثورة السورية المعتدلة، وانفتحت أبواب العالم بوجه الإدارة الجديدة، فدُعي الرئيس أحمد الشرع، لإلقاء كلمة سورية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في 24 أيلول 2025 م.
كما زار واشنطن بدعوة من أمريكا، هي الأولى لرئيس سوري منذ استقلال البلاد عام 1946 م. والتقى الرئيس الأمريكي دولاند ترامب، وقد أثمر هذا التحوّل الجديد في نهج قيادة المرحلة الانتقالية عن أعظم إنجاز اقتصادي لسورية، هو إلغاء العقوبات الدولية عليها، وأصبحت سورية على مرمى حجر من إلغاء قانون قيصر..
وتعمل هذه القيادة حالياً على بسط سيادة سورية على كامل أراضيها.. وفتحت الإدارة الجديدة باب حرية الرأي والرأي الآخر إلى حدّ ما للشعب السوري، الذي كان موصداً في عهد النظام المخلوع، فصار المواطنون يعبرون عن آرائهم بحرية, يتظاهرون، ويحتجون على صدور بعض قرارات السلطة في غلاء أسعار الكهرباء والمحروقات وقرارات الجامعات التي تجهد طلابها، ويطالبون باستقالة من لا يرونه كفوءًا في مكانه من المسؤولين.
ووجدت المعارضة بكل ألوانها الباب مفتوحاً أمامها للدخول إلى وسائل إعلام الإدارة الجديدة، وقنواتها الفضائية والسماح لها بانتقاد السلطة الحاكمة، حتى الرئيس نفسه، مع أنّ هذه المعارضة لا تسمح لخصومها ومعارضيها بانتقادها داخل منابرها الإعلامية، ولا نظام الطاغية كان يسمح لها بانتقاده في مؤسساته الإعلامية، وعلى سبيل المثال، انتقدت المعارضة نصاً في منابر السلطة ورد في الإعلان الدستوري المؤقت، يشير إلى أنّ الإسلام دين رئيس الدولة، وأنّ الفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع.
ولو استعرضنا موضوع هذا الانتقاد في الدساتير السورية منذ تأسيس الدولة السورية إلى قيام ثورة الثامن من كانون الأول لعام أربعة وعشرين وتسعمئة وألف، لوجدنا أنّ اثنين منها فحسب نصّا على دين الملك (فيصل الأول) ودين رئيس الجمهورية، ولم ينصّا أنّ الفقه الإسلامي مصدر التشريع، وهما دستور 1920 م. ودستور 1930 م.
بينما الدساتير اللاحقة/ ومنها الدستوران في عهد الأسدين، الأب والابن، كذلك الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025 م. الذي أصدرته الثورة السورية للمرحلة الانتقالية نصت كلها على أنّ الإسلام دين رئيس الجمهورية، منتمياً إلى المذهب السني، كما نصت على أنّ الإسلام المصدر الرئيس للتشريع..
والسؤال: لماذا كثر احتجاج المعارضة السورية على هذا النصّ في الإعلان الدستوري المؤقت، ولم تحتج عليه نفسه في دستوري الأب والابن والدساتير الأخرى التي سبقته؟
ثم لماذا لم ترفع المعارضة صوتها على مخالفة نظام الأسد مادة في الدستور عن مذهب رئيس الجمهورية، ولا في تفصيل النظام المخلوع الدستور على مقاس عمر الوريث بشار المخالف لما نص عليه الدستور؟
من جهة ثانية، يواجه الإدارة الانتقالية تحدٍ آخر إضافة إلى ما سبق من التحديات يكمن في بنيتها الذاتية، فالفصائل العسكرية المنضوية خلف قيادة “هيئة تحريرالشام”، التي انبثق عنها جيش واحد، وجهاز أمني واحد، تضم فصائل كثيرة تقترب من العشرين، وهي فصائل سورية وإسلامية غير سورية متباينة الرؤى والأهداف والمواقف، منها المعتدلة ومنها المتطرفة المنفلتة عن القانون، ومستويات انضباط بعضها متفاوتة، بعضها اخترق في ممارساته اليومية المبادىء التي بشرت بها الثورة، فمارس على أرض الواقع ما يخالف الأهداف المعلنة، وانتهك على نطاق واسع حقوق الإنسان خارج إطار القضاء، وسار هؤلاء المنفلتون عن الضبط على نهج ما سار عليه النظام المخلوع. فأساؤوا إلى صورة الإدارة الجديدة أمام شعبها، ووجدت القيادة حرجا في مواجهتها ووضع حدّ لها لسببين:
الأول، أن هؤلاء المتطرفين بمختلف تلاوينهم اشتركوا في الثورة، وقدموا تضحيات من أجل انتصارها.
والثاني، أنهم شاركوا في انتخاب قائد العمليات العسكرية السيد أحمد الشرع رئيسا لسورية، لكنّ المطلوب من رئيس الإدارة رغم ذلك أن يتخطى هذا الحرج حرصاً على أمن البلد وتطبيقاً للعدالة الانتقالية، وأن يصدر أوامر صارمة لقوات الأمن والجيش تؤكد على كرامة المواطن التي نادى بها الشعب السوري، وقامت من أجلها الثورة، وتمنع جميع أنواع الانتهاكات وبعدم توقيف المواطن أو زجّه في السجن أو المعتقل أو قتله قبل محاكمته.. إذ ليس من المعقول أن تطبق حكومة المرحلة الانتقالية، قوانين العدل والمساواة على الناس، وتترك فئات من فصائلها المسلحة غير المنضبطة تتمرّد عليه من دون أن ترى من يردعها، أو يقيم عليها القانون الذي أقامته على غيرها..

المطلوب عاجلا
تواجه الإدارة الانتقالية عواصف غاضبة من الأخطار والتحديات الكبرى لا تهدأ، تهدد نجاح العملية الانتقالية في سورية، وتنذر بإسقاط الثورة وسط ظروف أمنية هشة، وإزاء ذلك لم يعد لها من خيار في مواجهتها؛ والتغلب عليها إلّا بالاعتماد على جبهة داخلية صلبة متماسكة، تقف خلفها وتسندها لإنجاح العملية الانتقالية، يتوقف تصليب الجبهة على تحقيق ما يأتي:
1/ انفتاح القيادة على أطياف الشعب السوري كافة بكل ألوانها وتياراتها وأحزابها ومعتقداتها وشخصياتها المؤثرة في محيطها، وإشعارها بالمساواة فيما بينها، وتمثيلها على نطاق واسع في سلطات الدولة من دون تغليب لون على لون أو فئة على أخرى، وإعطاء المرأة ـ نصف المجتمع ـ تمثيلاً أوسع في هذه السلطات, يتناسب مع قدرتها على العطاء والإبداع..
2/ تعديل الدستور الانتقالي المؤقت، بالتوافق إلى دستور جديد يواكب متطلبات التطورات الاجتماعية الراهنة في البلد، ويمنح الحقوق المشروعة لأطياف الشعب السوري كافة، ويلبي مطالبها المشروعة بما يتفق مع الدستور، ويحافظ على وحدة سورية وسلامة أراضيها..
3/ توحيد فصائل الثورة وانسجامها فكراً وممارسة وموقفاً، يتجسّد جلياً في العمل الميداني، وتطهيرها من الفئات غير المنضبطة والمنفلتة عن القانون التي تسيء إلى صورة الثورة وتؤثرعلى شعبيتها.
4/ تحسين الأوضاع المعيشية المتدهورة للناس، لا سيما الفقراء وذوو الدخل المحدود وزيادة أجور العاملين في الدولة، بحيث لا يبتلعها تماوج غلاء الأسعار, وبما يلبي الحاجات الضرورية للناس، وضبط صارم لأسعار المواد التموينية في السوق يضمن عدم تلاعب التجارفيها.
5/ إصدار قانون الإحزاب، وإشراك قوى التنوع السياسي الوطني في الحكم، وفي مقدمتها القوى والتنظيمات والأحزاب السياسية المشهود لها بمعارضة النظام المباد، لا يستثنى منها إلّا الأحزاب الطائفية والعنصرية والدينية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، تقر بحق الاختلاف، وتعترف بحرية الرأي والرأي الآخر..
6/ السير الجاد على طريق تحقيق ما يمكن تحقيقه من العدالة الاجتماعية للناس كافة، لإنصاف المظلومين وذوي الشهداء والمفقودين والمغيّبين من مجرمي النظام السابق، وإعادة المفصولين والمنشقين عن نظام الأسد إلى مواقعهم السابقة، وأن يأخذ كل ذي حق حقه، في ظل مساواة الجميع أمام القانون ، من دون أن يسري تطبيقها على قوم دون آخرين..
إنّ توفر شروط بناء جبهة داخلية صلبة، يعزز مسير قيادة المرحلة الانتقالية على نحو ما ذكرته يحتاج إلى عمل دؤوب مكثف ووقت غير قليل، وإلى مسابقة الزمن في إنجازها وتصليبها.
وفي موازاة ذلك، لا بد للقيادة من توطيد علاقاتها الثنائية مع الدول التي دعمت الثورة، ووقفت إلى جانبها والانفتاح على الدول العربية والإقليمية والغربية وأمريكا، وبناء علاقات قوية معها في مختلف المجالات، للنهوض بالتجارة والاقتصاد وإرساء دعائم النهضة العلمية، وبذا تحوز هذه الإدارة على القوة الكافية التي تمكنها من التصدي بحزم للأخطار والتحديات التي تواجه الثورة، والانتصار عليها .. فتستطيع الإدارة وقتئذ أن تخوض بسورية في المرحلة الانتقالية مخاضاً عسيراً، ينتج مزيداً من التطورات الداخلية على مختلف الصعد، تثمر عن تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية هامة في حياة الشعب السوري، تنقله من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الأمن والاستقرار لتشهد فيها ولادة دولة سورية مدنية جديدة واحدة، تكون السيادة فيها للقانون والمواطنة والمؤسّسات.



