الحلم الفلسطيني.. أنا والزعيم أو الوالد “الختيار”

خاص “المدارنت
لم يكن الارتباط بفلسطين، قضيةً وشعباً وقيادةً، خياراً سياسياً عابراً أو عاطفةً آنية، بل كان انتماءً أصيلاً يسري في شرايين كل من عاش زمن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، في لبنان، كما في سائر أقطار الأمة.
بعد نكسة عام 1967 التي هزّت وجداننا، ازددنا صلابة وإيماناً بضرورة المضي في طريق المقاومة، الطريق الذي أنارته معركة الكرامة عام 1968، فيما شكّل حريق “المسجد الأقصى” الدافع القوي للبحث عن السلاح والجهاد والشهادة، اقتداءً بأبطالٍ سطّروا بدمائهم ملاحم العبور إلى فلسطين من نهر الأردن؛ حتى هضابها العالية.
في بيروت، مدينة السهر الطويل والوعي المُتّقد، كانت النار تتأجج في الصدور مع تواتر أخبار العمليات الفدائية في العرقوب والهبارية وغيرها. وعلى الساحة اللبنانية، نشأت هيئات سياسية عدة لدعم الثورة الفلسطينية، أبرزها تلك التي قادها المعلم كمال جنبلاط ود. أسامة فاخوري وغيرهم.
قبل تلك المرحلة، لم تكن لنا معرفة مباشرة بقيادات “فتح” في بيروت، ومع مرور الوقت توطدت علاقتنا بعدد من كوادرها البارزين، من بينهم ناجي علوش، وأبو داوود (محمد عودة)، وأبو شعر. كما نشأت علاقة شخصية وثيقة بالأخ إبراهيم صيدم (أبو الخل)، عضو “المجلس الثوري”، والمسؤول عن التسليح العسكري، الذي قدم دعماً كبيراً مكّنني من إنشاء أول معسكر تدريب للأنصار عام 1974، خلف قصر العويني على طريق المطار.
وقد واجهنا في تلك الفترة تعقيداتٍ ناجمة عن تعدد المحاور داخل الحركة، لكننا تعاملنا مع الجميع بسياسة الاحترام المتبادل والابتعاد عن الانقسامات.
أما اللقاء الأول مع الزعيم الراحل ياسر عرفات، فكان في مبنى مقابل جمعية “البر والإحسان”، حيث كان طريح الفراش بسبب المرض. دخلنا عليه للاطمئنان إلى صحته، وكان بملابس النوم؛ متكئاً على سريره. لا أنسى تلك اللحظة التي دفعتني بعاطفة الإبن إلى تقبيل يده، فسحبها برفق واحتضنني بحرارة الأب.
مرّت السنوات، وتعمّقت علاقاتي بقيادات الحركة، خصوصاً مع الشهيد أبو الهول، إذ كانت تعقد جلسات أسبوعية لمناقشة الشؤون الأمنية والسياسية، بينما لم تكن لقاءاتنا مع “الختيار” كثيرة، بسبب انشغالاته الكثيرة، إلا في المناسبات العامة والاحتفالات الوطنية.
خلال الاجتياح “الإسرائيلي”، وحصار بيروت عام 1982، ترسّخت العلاقة أكثر، وتكثفت اللقاءات اليومية معه، بخاصة عند ترتيب أماكن مَبيتَهُ ليلاً، تجنباً لاستهدافه من طائرات العدو. كان يشارك في تلك المهمة الأخ عبد العزيز مجبور، ومساعدي أبو الشمون، والأخ فتحي البحرية.
وفي إحدى الليالي؛ استقبلناه في منزلٍ بمحور رأس النبع، وللمفارقة كان المبنى المقابل؛ يضم الراحل جورج حبش، مقابل صيدلية الشعار.
من أجمل اللحظات تلك التي كنا ننتظره فيها سراً مع حرسه الخاص، يبدّل ثيابه إلى بيجامته، يجلس على السرير، ويتلو آياتٍ من القرآن، قبل أن يرقد، فيما تبقى أعيننا ساهرة تحرس سكون الليل بحذرٍ ووفاء.
يوم الخروج من بيروت، التقيناه فجراً في مبنى العمليات رقم (5) خلف كنيسة المزرعة، وكان أنيقاً في ثياب الرحيل، يحمل رسالة شكرٍ الى بيروت وأهلها، سلّمها لاحقاً إلى الرئيس شفيق الوزّان.
بعد مغادرته بيروت، تكررت لقاءاتنا في تونس، بخاصة بعد انتفاضة السادس من شباط، حيث دارت بيننا حوارات طويلة حول الواقع الفلسطيني، ومخاطر المرحلة. وقبل حرب المخيمات بأسابيع قليلة، التقيته في حمّام الشط، قبل أن يقصف العدوّ “الإسرائيلي” مقره، وكان يحذرني من أحداثٍ خطيرة تلوح في الأفق اللبناني. لقد كان ياسر عرفات، يبذل كل جهدٍ لإنقاذ شعبه ومخيّماته من الأذى، غير أنّ حقد النظام السوري تجاوز كل التوقعات.
ومع تصاعد الأحداث، واندلاع حرب المخيمات وتصفية تنظيم “المرابطون” الذي أسسه وترأسه الأخ المناضل إبراهيم قليلات، بدأت حملة ملاحقة المناضلين بتهمة “العرفاتية”، في إطار مساعي النظام السوري، لبسط هيمنته على بيروت ثم طرابلس.
ويومها كان معروفاً عني عمق العلاقة مع “منظمة التحرير الفلسطينية” بقيادة عرفات، غير أن ما كان يشفع لي بالبقاء في بيروت؛ هو احترام شخصي تكنّه لي بعض القيادات العسكرية السورية، ما شكّل لفترةٍ وجيزة حاجزاً أمام اعتقالي بهذه التهمة.

لكن حين حلّت ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا، أصدرت بياناً معتدلاً حول تلك المأساة، اعتبرته أجهزة المخابرات السورية، موقفاً متعاطفاً مع قيادة الثورة الفلسطينية. فاستُدعيت إلى فندق “البوريفاج”، وهناك وُضع أمامي البيان الشهير الذي يتضمّن خيارين لا ثالث لهما: إدانة ياسر عرفات، و“الزمرة العرفاتية”، أو القبول بالنفي من بيروت.
ثم جاءت اللحظة المفصلية.. وُضع البيان أمامي من قبل العميد علي حمّود والداغستاني، في حضور الوسيط ميسر حاموش. وبرغم الاحترام الذي كانت تبديه القيادة العسكرية السورية، لموقفي أثناء معارك بيروت، استمهلتهم يوماً واحداً، ثم قررت السفر حفاظاً على كرامتي؛ ووفائي للوالد والقائد والزعيم.
وفي مدينة “نيس” الفرنسية، تلقيت قرار النفي الصادر عن غازي كنعان، فكانت الغربة سبعة عشر عاماً، قضيتها في تونس، بين إخوةٍ حملوا فلسطين في قلوبهم وشاركوا في ضيافتها النضالية.
هكذا امتزج الحلم الفلسطيني، بحياتي، فصار قدري الذي لا فكاك منه، وذاكرتي التي لا تنطفئ، ما حييت، وأسدل رحيل الوالد والقائد خيمة من مرحلة الإرباك، ولكن، لن يسقط العهد والالتزام مع القضية الفلسطينية، وحقوق شعبها تحت كل الظروف.



