مقالات
الحياة في مملكة الموت.. (غزوة بني هلال)..

خاص “المدارنت”..
البلاد في حرب، والحرب أهلية طائفية بغيضة، تقودها العصبية العمياء، ووقودها الناس والحجارة.
القتل على الهويّة. حواجز مسلّحة، ثابتة ومتحركة، وصبية ورجال مشبعون بالتعصب والكراهية، متمرّسون بالقتل، ولغون بالدماء. لا محاكم ولا محاكمات، لا ادّعاء ولا دفاع. هويّتك، لهجتك، أو قيافتك. مسلم مع الفلسطينيّ الغريب، مسيحيّ انعزاليّ عميل، وتصفية مباشرة، فقتيل استحلّ دمه يموت ولا يسمّى أو يصلّب عليه.
وقصف متبادل، لا ينتهي هنا حتى يبدأ هناك، وأبنية يخترقها الرصاص، وتخلّع اضلاعها القذائف . والناس في بيوتها أو ملاجئها مقهورة مذعورة، لا تخرج إلا لضرورة؛ فإذا خرجت، فقنّاص ينتظر؛ فإن ضلّت الطريق، أصاب رصاصه مقتلها، فأُزهقت روحها بخسة رخيصة، بل دون ثمن.
وعندما ينتفي الأمن والسلام، وتدقّ ساعة الخطر الأكيد، تجد قوافل المهجّرين تتّجه شرقاً وغربا” أو جنوبا” وشمالا” الى مواطن آمنة نسبيّا”، متشبّثة بما تبقّى من رصيد حياة رخيصة هزيلة.
هكذا كانت الحياة في مملكة الموت اللبنانية، لا أمن ولا أمان. الانسان لا تعادل قيمته أكثر من ثمن رصاصة، ولا يساوي مسكنه ما يزيد عن بضع قذائف.
في هذه الاجواء المتفجرة، كان أمراء الحرب يسوقون قطعانهم الى مذبح الحروب العبثية، ولا ينسون أن يزفّوا ذبائحهم شهداء في سبيل الله أو الوطن والقضية العادلة.
أمّا العقلاء المعتدلون الذين يقر قلوبهم دين المحبة والتسامح والرحمة والسلام ، فكانوا قلّة محكومة بسيف القوة الغاشمة . كانوا على هامش التأثير والفعالية لا حول لهم ولا طول.
احتدمت الاشتباكات على محاور القتال في بيروت . كلّ يحاول التقدّم، فيزرع حقل تقدّمه بالنار والدمار، وكلّ يتراجع مصطدما” بجدار العجز والفشل. وعلى وقع هذه الاشتباكات الضارية يتساقط القتلى والجرحى بغير حساب.
وتقام الاحتفالات، ويكرّم “الشهداء الأبطال”! وتستمرّ طاحونة الموت تحصد المزيد من المقاتلين والأبرياء.
على أحد المحاور المشتعلة، سقط “عجاج الغضبان”. لقد اخترقت رأسه رساصة قناص محترف؛ فيما كان يصوّب رشّاشه لتوجيه طلقاته الى صدر العدوّ المفترض. كان قائد مجموعة في احدى الجبهات، وكان ينتمي الى أحد التنظيمات المشاركة بفعالية في الحرب الدائرة . ولا بدّ من أن يكرّم التكريم اللائق بأمثاله.
ويدعى الأهل والأقارب والمحازبون . كان احتفالا” حاشدا”، توالت فيه الخطابات الناريّة المدوّية، وتعالت قصائد المديح تحيّي الشهادة والشهداء والقضية العادلة!
وانفضّت الجموع بعد التئام ، وتلقّفت الرياح نلك القصائد ، وذرّتها بعيدا”.
ومضى المجتمعون كلٌّ خلف غايته، ربّما، ناسيا” ما جاء من أجله.
وعاد إخوة الشهيد بعد حضور الحفل الى قريتهم النائية في منطقة بعلبك. كان الوقت ليلا”، وكانت الحرب وما خلّفته من قتل ودمار قد بدّلت وجه البلد؛ فقد تهدّمت قرى، وهجّر أهلها، وغدت الطريق من بيروت وإليها في بعض مواضعها ترابية، تخترقها الحفر، وتسير عبر المرتفعات والمنخفضات والاستدارات الحادّة؛ فهي بالتالي، وإن كانت سالكة بصعوبة، فهي غير آمنة؛ فكيف والمسير في ليل، والكهرباء مقطوعة، والحواجز الحزبية والطائفية تزرعها بالخوف والخطر؟! خاصةً وأنّك ضللت طريقك وبتّ تمرّ في قرى مهجورة، احرقت بيوتها ونبشت قبورها، ولم يبق فيها غير الموت والصمت والهلع.
كان الإخوة يقطعون هذه الطريق بقلوب وجلة: العودة إلى حيث ضلوا طريقهم عندما كان عليهم أن يختاروا بين أحد اتجاهين مع انعدام حركة السير في تلك الآونة فاختاروا الإتجاه الخاطئ، هذه العودة تكلّف وقتا” وجهدا”، والتقدّم الى الأمام مغامرة غير مأمونة، ولا يدرون إن كانت السيارة الهرمة تستطيع الخروج من وعورة الطريق بسلام.
لم تفضِ المغامرة الى ما هو مأمول؛ فما كانت الطريق لتقودهم إلا الى حتفهم. وحتفهم هذا كان يتمثّل في حاجز طائفيّ وحفنة من قتلة جهلة شهر قائدهم سلاحه في وجه السائق صائحا”:
– أوراقكم بسرعة .
– مبيّن إنّك من المنطقة . مانك من “القاع” ؟ ما عرفتنا؟ نحنا جيران من “العين”.
– أيّا جيران؟! إنتو مع الفلسطيني الغريب، خلّيه ينفعكن لنشوف. انزلوا من السيارة بسرعة.
لم تنفع الاستغاثات، ولم تنفع الجيرة أصحابها من سورة الجهل والتخلّف، فكانت المجزرة بيد شرذمة قليلة، استبدت بها طائفية عمياء، فكبّدت أهلها وبلدتها في أمنهم واستقرارهم اثمانا” باهظة.
وقعت المجزرة المروّعة وقع النار في هشيم يابس، فألهبت المشاعر في البلدات والقرى في البقاع الشمالي ، وعزف الوتر الطائفيّ معزوفة الإنتقام.
تداعت وجوه من العشائر والعائلات والأحزاب لتدارس الموقف والردّ المناسب. تمّ هذا الإجتماع وخُطّت قراراته، فانطلقت قوافل الهجوم المسلّح الكبير، وكانت الوجهة بلدة “القاع”.
كان غزوا” عشوائيا” شاركت فيه جموع غفيرة. الإنتقام هو الدافع اليه لدى بعضهم؛ لكنّ الاسلاب والمغانم كانت الحافز الأكبر لدى الكثيرين. لذلك فقد انضمّ إليه كلّ من كان لديه قطعة سلاح (رشاش، بندقية ، بندقية صيد، عصا…).
انطلق المهاجمون في وجهتهم دون تنسيق؛ لكنهم شكلوا في مجموعهم جيشا” تخشاه العين من بعيد.
تحدّثك الوقائع أنّ البلدة أبدت مقاومة محدودة في مواجهة الهجوم الكاسح، إلا أنّها سرعان ما انكفأت مخلية المكان للجموع الغازية التي وجدت فرصتها الذهبية للانقضاض على المغانم وإطلاق اليد في الأثاث والمتاع والمقتنيات الوفيرة.
سجّل تاريخ المنطقة هذا الحدث بخطوط فحمية حفرت وقائعها في الذاكرة حروفا” لا تنسى.
وعاد بنو هلال بمغانمهم وأسلابهم، وقد هدأت نارهم واستكان أوارها ، وعاد المهجّرون إلى منازلهم بعد رحيل الغزاة، وتابعت الحياة مسيرتها على مألوفها السابق في المنطقة رويدا” رويدا”.
ترجّل “بو دعّاس” عن ظهر دابته، وربطها بأحد أعمدة الإنارة الى جانب الطريف العام، ثمّ دخل محلا” للحدادة .
– عوافي “بو انطون”. ما بشوفك غير مشغول . العمر بيخلص والشغل ما بيخلص.
– اهلا “بو دعّاس”. قعود عهالكرسي. في بإيدي هالفرّاعة ” (الفأس) عمإسقيها (اشحذ حدّها). رح خلّص وبفضى لك.
كان “بو انطون” يمسك بالفأس بواسطة ملقط معدنيّ ويقلّبها على جمر فحم حجريّ ملتهب، حتى غدت طيّعة أمام ضربات مطرقته الثقيلة التي جعلت من حدّها مرهفا” الى درجة عالية. إذّاك غطّس القطعة المعدنية التي صقلها في الماء وتركها تبرد على مهل ليتفرّغ للرجل سائلا”:
– اهلا وسهلا. شو عندك قل لي.
– ناوي إفتح ملحمة بـ”الخرايب “. بدّي منّك تعمل لي عدّة لحّام كاملة.
– تكرم يا “بو دعّاس” لكنْ بشرط.
– أف. وشو هالشرط؟!
– بدّي منّك تخبّرني بس شو جبت معك من هجوم “القاع”؟ قالوا لي كنت حامل بارودي ورايح إنت وولادك.
– والله يا معلم “نجيب” ما طلع لي من هالمشوار، غير راديو زغير وسجادة وساعة حيط عمتساعدني بمعرفة وقت الصلاة.
جهّز المعلّم “نجيب” العدّة المطلوبة، وحضر “بو دعاس” في الموعد المحدّد ليأخذها، ويتابع حياته مؤدّياً صلواته بعد أن تيسّرت له معرفة مواقيتها بدقّة.
* القصة مستوحاة من الحرب الأهلية.
=========================



