مقالات

“الخطوط الحمراء” المصرية و”دولة حميدتي” السودانية!

“المدارنت”
بمناسبة زيارة عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، أعلنت الرئاسة المصرية، في بيان أمس الخميس، «أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن السماح بتجاوزها أو التهاون بشأنها»، لأن ذلك يمسُّ الأمن القومي المصري «الذي يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن القومي السوداني».

اعتبر البيان الحفاظ على وحدة السودان، من أهم هذه الخطوط الحمراء، وأكد أن مصر لن تسمح «بانفصال أي جزء من أراضي السودان»، ورفضها «القاطع لإنشاء أي كيانات موازية أو الاعتراف بها»، وعلى أنّ الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية «هو خط أحمر آخر لمصر».
لم يكتف بيان الرئاسة بإعلان «الخطوط الحمراء» بل أضاف إلى ذلك تحذيرات باتخاذ «كافة التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك مع السودان لضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء وتجاوزها».
أشار البيان أيضاً إلى «المذابح المروعة والانتهاكات السافرة لأبسط قواعد حقوق الإنسان في حق المدنيين السودانيين، خاصة في مدينة الفاشر»، ورغم عدم تسمية المسؤولين عن تلك المذابح والانتهاكات والتجاوزات للخطوط الحمراء، فقد كان واضحاً أن المعنيّ الرئيسي بالبيان هو قوات «الدعم السريع»، وقائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي).
في هذه الأثناء كانت تلك القوات، التي تسيطر على ولايات دارفور الخمس غرب البلاد (باستثناء أجزاء من شمال دارفور)، تتابع الاشتباك مع الجيش السوداني والميليشيات الحليفة له في ولايات إقليم كردفان، التي كانت آخر جوائزها السيطرة على حقل هجليج النفطي وهو الأكبر في البلاد؛ وتهاجم محطات التوليد الكهربائي في أكثر من مدينة، مما أدى إلى إظلام ولايات عديدة؛ وتواصل انتهاكاتها الفظيعة ضد السودانيين، والتي أدت إحدى وقائعها، حسب آخر إحصاء لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، نُشر أمس الخميس، إلى مصرع أكثر من ألف شخص خلال هجوم شنته «الدعم» في نيسان/ ابريل الماضي على مخيم زمزم للاجئين، وإلى «مجازر وعمليات اغتصاب وأعمال عنف جنسي أخرى وتعذيب وخطف».
كانت قوات «الدعم» قد اشتبكت عملياً مع قوات مصرية في تشرين أول/ أكتوبر 2024، بل ووصفتهم، في بيان رسمي نشرته حينها، بـ»المرتزقة المصريين» الذين يقاتلون مع الجيش السوداني، وأثارت المقاطع المصوّرة لـ»استسلام جنود مصريين» في قاعدة مروى شمال السودان غضباً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي للمصريين، واقتصر الرد المصريّ حينها على مطالبة الجيش المصري بتأمين جنوده الموجودين في السودان «في مهمة تدريبية».
يعكس البيان الأخير، على أية حال، قلقاً متزايداً لدى الحكومة المصرية من توسّع سيطرة قوات «الدعم»، واندفاعها المتواصل، والتداعيات الإقليمية المترتبة على هذه الهجمات، كما على العمل على تأسيس حكومة ومؤسسات موازية بحيث يتحوّل الصراع العسكري إلى ترتيبات عملية للانفصال، وهو الأمر الذي نشهد مرآة له أخرى في اليمن، بعد الاندفاعة الكبيرة المشابهة التي قام بها «المجلس الانتقالي»، والتي سيطر فيها على محافظات حضرموت والمهرة، وكذلك على المواقع النفطية الرئيسية فيها.

لا يبدو تصعيد «الدعم السريع» موجّهاً ضد المجلس السيادي، والحليف المصريّ له فحسب، بل يمثّل أيضاً رداً على التصريحات التي ألقاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد لقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في «البيت الأبيض»، وهو ما يفسّر الإشارة التي أوردها البيان الرئاسي المصري عن حرص مصر على استمرار العمل في إطار «الرباعية الدولية»، التي تضم السعودية والولايات المتحدة… والإمارات، الراعية الرئيسية لقوات «الدعم».
والحال إن هذه الإشارة إلى «الرباعية» توجّه الانتباه نحو دور أبو ظبي، الذي لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن، في الوقت نفسه، تجاهل واقعة أن اندفاعة «الدعم» في السودان (وكذلك «الانتقالي» في اليمن) ما كان لها أن تتحقّق لولا الدعم العسكريّ والمالي والسياسيّ الذي تقدمّه الإمارات، والذي يبدو أن البيانات شديدة الوقع، والتهديدات، والتحذيرات من تجاوز «الخطوط الحمراء»، غير قادرة على إيقافه.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى