مقالات

الرقابة.. وتوجيه الزعيم..!

خاص “المدارنت”..

تُعتبر وسائل الإعلام من أدوات الحرب، ولا أقصد بهذه الوسائل المراسلين الإعلاميين على الجبهة، خلال أي حربٍ مُشتعلة، بل الوسائل الإعلاميّة بمختلف أشكالها.

ففي لبنان انتهت الحرب الأهليّة اللبنانية كما يظنّ الجميع، لكنّ الحقيقة أنّ “حربًا أهليّة في لبنان” ما تزال قائمة حتّى الآن. وما انتهى هو إطلاق النار من فوّهات البنادق فقط، لتأخذ الحرب أشكالاً أخرى، أكثر رقيًّا، ولكن أسوأ إنسانيًّا.

فأنا من جيل فتح عينيه على تلفزيون لبنان بقناتين: خمسة وسبعة.  والقناة الثالثة كان رقمها “تسعة”، وكانت تبثّ البرامج الفرنسية بنشرة أخبار لبنانية، ولكنّ باللغة الفرنسيّة. فهي من آثار الاستعمار الفرنسي على لبنان.

وحديثي هذا عن فترة الثمانينيّات، وما قبلها بقليل. فأنا من جيلٍ وحّدَه “شفيق جدايل*”، حيث كانت الناس تلتفّ حول الشاشة، لتسمع لغته العربيّة السليمة، وهو يذيع نتائج اليانصيب الوطني اللبناني.

فعلًا كان وجوده حدثًا وطنيًّا جامعًا بامتياز. وما أنقى من أصالة الـ”يس” 3 بواحد، التي ردّدتها ألسنة الناس من كل الأعمار، واختلاف أجناسهم، وتعدّد مناطقهم، لتقليد “أبو فؤاد” في إعلانه الشهير.

ولم تحمل هذه البرامج حينها بُعدًا أيديولوجيًّا تقسيميًّا. بل كل ما كان هو عبارة عن خواء وفراغ توجيهي، ناتج عن غياب الدولة، الذي فاقم حربًا أهليّة.

ولست أكتب مديحًا لقُصُورٍ عانيت منه، كما عانى منه الشعب اللبناني برمّته. لا بل أنعى وبقوّة إعلامًّا فقد معاييرًا تُوضع أصلاً من قيمٍ إنسانيّة، كـ”حريّة التعبير/ حقوق الإنسان/قبول الآخر واحترامه”.. وكلّ ما ذُكر بالتأكيد هو من مكوّنات مفهوم المواطنة.

وما دفعني لأكتب هذا المقال، هو برنامج شاهدته (ولم أكمله طبعًا)، يحكي عن الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصر الله، والبرنامج بثّته قناة “الميادين”. وهي قناة عربيّة لكنّها تبثّ من لبنان، وتظهر بملابس موالية لقوى الثامن من آذار، التي لا ترى إلاّ من منظار العداء لإسرائيل، لتغمض عينيها عن أوضاع لبنان الداخلية.. الخلافيّة، والتي يجب أن تُظهر عند عرضها، بأنّ شركاء الوطن كما أصابع اليد الواحدة، اختلافهم غير جذري.

والمبالغة في الحديث عن السيّد نصر الله، تقدّم رسالة معكوسة لما أراد البرنامج توضيحه. فكلام ابنه وابنته، الذي يوضح تواضعًا لحياة يوميّة يعيشها السيّد، لكنّه في الوقت عينه، يُفضي إلى نتائج مغايرة لمفهوم البساطة والتواضع. فمن يشاهد البرنامج ولو صُدفةً، يستنتج بأن الحديث في البرنامج هو عن رجلٍ اقترب من قداسة وأخلاق الأنبياء. ولست بصدد التبخيس من قيمة الرجل وإنجازاته. لكنّ ما يُزعجني حقًّا، هو تخصيص الإعلام مساحة للحديث عن حياة أمين عام حزب لبناني، وتكريسه زعيمًا مُقدّسًا في عقول الناس، ليزداد تعصّبهم، وهذا التعصّب يطال فئة المناصرين والمؤيّدين لهذا الحزب، وهذا يعني توجيه عقول الناس للانشغال فقط بالتأييد والكره العاطفيين.

ولا أعلم لمن المصلحة في تغييب عقول الناس؟ وهل هذا مُخطّط مسبقًا؟ لنردّد ما يقول “جميل بوقعقور” في مسلسل “خربة”: إن تغييب عقول الناس أحقر من الإمبريالية.. لكنّ حديثي عن الرقابة التلفزيونيّة في هذا الوقت قد يعتبره البعض هرطقة، وبعيد كل البعد عن مشاغل وهموم الناس. فهل تأكل وتشرب الناس من الرقابة إن وُجدت؟ لا بالطبع، لكنّ الشعار الذي يستهزأ به الكثيرون، ألا وهو “الكرامة”، لم يجرؤ أحد على السؤال والاستفسار عن معنى “الكرامة”، خوفًا من التنمّر.

“إنّو معقول بعدك لهلّق ما بتعرف شو يعني كرامة؟!” وهل الكرامة أن نملأ عقول الناس بقصص بطولية؟! أم نُطلق العنان لهذه العقول كي تعمل وتشارك في صناعة حياتها؟! بالنسبة لي، تنبع الكرامة من منطقة تقدير واحترام الذات، فبعد معرفة الذات التي فُقدت في نظامنا التعليمي غير التربوي، يأتي إشراك الذات الفردية في صنع القرار ضمن البيئة العائلية الصغيرة، لتنسحب المشاركة على بناء الوطن.

هل يمكننا بناء وطن بغياب عقل مشارك بفعّالية؟ أم حصرت الطبقة السياسيّة الفاسدة عقول الناس في تأمين القوت اليومي؟.

قال أحد النواب في كلمة ألقاها في إحدى الجلسات: ينتقد الخليجيّون تلفزيونًا لبنانيًّا كيف لا تُحذف كلمة: “طيـ..” من أحد برامجها؟ فكان جواب رئيس المجلس التبريري لغياب الرقابة والتوجيه: “بالريموت كونترول، فيك تغيّر البرامج اللي ما بتعجبك، وفيك تحضر شو ما بدّك”!

* مذيع لبناني

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى