مقالات

الزواج.. مساواة تكامل الزوجين.. الخاتمة والجزء الأخير

أديب الحاج عمر/ لبنان

خاص “المدارنت”

خاتمة
ليس الزواج مجرد خاتم، أو فستان، أو شاب وسيم، أو فتاة جميلة، أو.. إنما الزواج، أيها الشباب، هو عبارة عن حياة طويلة، متداخلة الحلاوة والمرورة، متشابكة الافراح والاحزان، ولكم مطلق الحرية في الاختيار، اختيار الاخر، فكونوا انتم، أمنية الاخر، إذ الطيبون للطيبات، فعليكم بطيب الأخلاق، قبل المظهر والهندام، فلا تنخدعوا، فالمظاهر خادعة، ومن ينخدع سيجد نفسه مرمي داخل كومة من المشكلات لا ينقذه أحد.

ونؤكد هنا أن مسألة المساواة بين الرجل والمرأه، إنما هي مساواة تكامل وليست مساواة تشابه وتماثل. إذ أن فكرة المساواة المطلقة بينهما، كما يطرحها البعض، فهي فكرة مرفوضة، لأن الحياة الاجتماعية، بطبيعتها تقوم على التوازن وليس على التطابق، فكيف حال الحياة الزوجية؟ والمقصود.. لا يمكن ان يكون الرجل نسخة عن المراة، ولا المرأة نسخة عن الرجل. فالتماثل يفقد، حتما، كل منهما دوره الطبيعي الذي خُلق لاجله، إضافة إلى اختلال التوازن العلائقي بينهما. فالرجل له مكانته ودوره الفطري، والذي يتمثل بالحماية، والقيادة في المواقف التي تحتاج إلى قوة وعضلات جسم، إلى جانب تحمل المسؤولية البيتية، المعنوية منها والمادية، وكذلك للمراة ايضا دور لا يقل أهمية عن الرجل، والذي يتمثل بالحنان والرعاية وصناعة الأمان العاطفي، وتربية الأجيال.

اذا المساواة الحقيقية، لا تعني تبادل الأدوار، حتى لا تضيع هوية كل من الزوجين، مع شرط بيان عدم احترام اختلافاتنا الفطرية والتي بها متكامل. فالرجل القوي بحاجة لامراة تذكره بالرحمة، والمرأة الحكيمة الواعية بحاجة لرجل يذكرها بالصبر والثبات. وعلى هذا، فإننا حين نحترم مبادىء فطرتنا، فإننا نحصل، وبالتأكيد على بيت متوازن ومجتمع سليم. وحين نمحي الفوارق الطبيعية وحدودها بين الجنسين، نفقد، حتما، مبدأ الانسجام الذي تقوم عليه الحياة الزوجية، مع التأكيد ودون أن ننسى القوامة كانت ولا تزال وستبقى للرجل، وهذا أمر إلهي. “الرجال قوامون على النساء..”.

نلفت النظر، إلى أن المشكلات الزوجية الصغيرة، ما هي إلا قنابل صامتة موقوتة، فإنها تعمل على الهدم الداخلي للاسرة. بحيث يظن الطرفان أن ما يحدث أمر طبيعي، لكن منطق العلم والوعي الاجتماعي يظهران أن خلاف الزوجين الصغيرة، ليس حدثا عابرا، إنما يتغلغل أثره في الجسد، يعكس حالات مرضية على المستوى العصبي والسلوك. فالخلافات الزوجية تؤدي إلى توتر وقلق نفسي، خاصة إذا تكررت بشكل يومي، ولم تحل بشكل صحيح.

كل خلاف.. ومهما كان صغيرا، لا بد أن يترك اثرا ونقطة سوداء في رصيد العلاقات الزوجية، ثم تتراكم مما يتفاعل الجسم سلبيا، وتتجه العاطفة إلى تقبل فكرة البعد والابتعاد عن الطرف الآخر، وتبرد، ايضا، فكرة الحضن الدافء، ثم تتكرس فكرة الابتعاد كحل وقائي، من دون إدراك أن التمهًل في الحلول، ومن دون حوار وتقديم الاتفاق والحلول الجذرية، يدفع الزوجين إلى فقدان قدرة الشعور بالدفء والارتباط العاطفي الذي عاشاه سابقا. وعليه، فإن اجتمعت الصغائر أهلكت الانسان، وأن تراكمت المشاكل انهكت الزوج واهلكته، وداخل متاهاتها يضيع العقل ويستهلك التفكير.

من هنا وجب أن نعي حقيقة ما يغفل عنه الكثيرون، إذ يتطلب من كل طرف (زوج او زوجة) أن يقيس الأمور والتصرفات والمسالك على نفسه، فإن ارتضاها لنفسه، فلا بد أن يرتضيه للاخر، إذ كل طرف منهما إنما يمثل إنسانا، والإنسان أخ الإنسان، فالرجل والمرأة متساويان في الإنسانية، فوجب احترام تلك الإنسانية والنزوع بها نحو الأفضل. وعلينا الإشارة إلى ضرورة مراعاة خيار كليهما، وعلى سبيل المثال، فلو خيٍر الرجل بين الحب والراحة، بين الجمال والراحة، فانه، بلا شك، سيختار الراحة على ما عدا ذلك.

كما ونذكر أن للصبر حدود، وأن استغلال الصمت والتسامح، قد يؤدي إلى خسارة كبرى لا رجعة فيها. فلا بد من التأكيد على أن العلاقة الزوجة الواعية، بالمشاركة الفعالة والتفاهم الهادئ المنتج، لهو السبيل الصحيح لتفادي وتجاوز المشكلات، انطلاقا من فهم أن الزواج ليس مسرحا لتفريغ العصبية، وليس ساحة لتبرير الأخطاء، إنما الزواج مسؤولية مشتركة ووعي منفتح.

الإنسان العاقل، يطور نفسه، ويتعلم الأصح من أخطائه واخطاء الاخرين، حيث تبدأ خطوات الحكمة، قبل أن يدفع ثمنها بنفسه، فالعبرة، أن ندرك قبل فوات الاوان، فلن تفيد دموع الندم، ولن تعيد ما تهدم، أيها الزوجين، العلاقات الزوجية لا تنهار فجأة.. بل تضعف بالتدريج، وعلى تمهل، تضعف مع كل جرح صغير لم يلتئم ولم يعالج، مع كل مشكلة صغًرْ نا شأنها، وهكذا تتعقد الأمور. فالإنسان المدرك الواعي، هو ذاك الذي يرى وجوب حل المشكلت بسرعة وهدوء، ثم التقليل من تكرارها، انطلاقا من ان ذلك، ليس رفاهية عاطفية، إنما ضرورة صحية وقائية، تحفظ القلب والعقل والروح.

الزواج مرآة النضج الداخلي، فالإنسان الذي لا يتصالح مع شخصيته الماضية، ولا يصحح مسارها، وينقيها من شوائب ما تحمله من تربية وتوجيه وتبعية عمياء، فانه بلا شك، سيعيد إسقاط ذلك الماضي على شريكه، وهذا هو سبب انهيار العلاقة الزوجية، الزواج لا يصلح ذاتية الشخص إنما يكشفها.

نورد الممكن من الحلول لبناء واستمرار علاقة زوجية هادئة:
1/  على الاهل تربية وتوجيه أبناءهم على الاستقلال العاطفي، لا على التبعية، أي يدفعونهم نحو التعبير الحر واللاءق، بعيدا عن الكبت والانصياع اللاواعي.
2/ إكساب الاهل أبناءهم وبيان مفهوم الارتباط وبناء علاقة زوجية،على أسس من الإدراك الواعي. يعني بيان عملية التصالح مع الذات. من دون إلزام الآخر أن يحبه كما هو.
3/ فهم معنى الزواج وما يترتب عنه، فالزواج ليس تنازلا، وإنما مشاركة، ليس ساحة حرب، إنما بناء مشروع مشترك.
وهذا يحتاج إلى نضج فكري ونفسي، أكثر من جمال خارجي، كما يحتاج إلى منطق واقعي، أكثر من وعود وتنميق كلام.
4/ أهمية العلاج النفسي الأسري. إذ لا عيب لاستشارة نفسية، قبل الزواج أو اثناؤه.
فالعلاقة الناجحة والتي تشوبها بعض الشوائب، قد تحتاج إلى طرف ثالث محايد كي يعيد لها توازنها العادل، ويمتن روابطها بين الشريكين. وهذا ما أشار إليه شرع الله تعالى.

وننوه اخيرا، إلى أن الزواج قد يتدهور لأننا ننسى ونتجاهل أن الحب مسؤولية، ولأننا لا ندرك أن الارتباط الزوجي، ليس استعراضا عاطفيا عشوائيا، إنما الارتباط امتحان لنضج فكري ووعي نفسي، وما علينا إلا أن نكون قدوة لأبنائنا، وتربية فيهم روح الوعي التفاعلي والنضج العميق لوجود آخر، نحيا معا وله وجود ورأي. ومن خلال ذلك، وعلى المدى الطويل، سنعيد للزواج معناه الاصلي والاصيل، تحقيقا لامر وشرع الله تعالى: سكينة ومودة ورحمة، لا حلبة اكراه وصراع، وايضا، أن يكون تفاعل مشاركة وسند تبادل، لا سجن ولا سوط. فالدين مشروع قيم وبناء انسان حر، وليس شعائر وطقوس زائلة.

(إنتهى)
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى