السـودان علـى مفتـرق طـرق
د. علـي ابـراهـيــم*
خاص “المدارنت”.. فى الثلاثين من يونيو عام 1989 وقع إنقلاب عسكري في السودان، خططت له ونفذته الجبهة القومية الإسلامية بقيادة حسن الترابي، ولم يكن إنقلاباً تقليدياً كسائر ما كان يحدث في دول العالم الثالث، ولكنه بُني على عقيدة إيديولوجية فى شكلها الظاهر تلبس ثوباً مطرزاً بمقولات إسلامية، أما باطنها تسوده وتتحكم فيه كل أساليب المكر والدهاء والخديعة، وفى محصلته النهائية بُني على قاعدة الغاية تبرّر الوسيلة.
بدأ بخدعة إنه “ثورة وطنية لا تنتمى الى أيّ حزب”.. وقال الترابى للبشير سأذهب أنا إلى السجن حبيساً، وستذهب أنت الى القصر رئيساً، وهكذا قضى عراب النظام عدة أشهر فى السجن لتمرير الخديعة في الداخل والخارج، فى وقت كان يصعب فيه تسويق نظام على خلفية إسلامية على أي من المستويات الوطنية أو الإقليمية أو الدولية.
خلال الثلاثين عاماً من حكم الطاغية عمر البشير، جرت مياه وسيول كثيرة تحت جسر نظامه المسمى بالإنقاذ، يصعب سردها في هذه العجالة، ولكن الجدير بالذكر والذى يستدعي الوقوف عنده، هو سياسة التمكين التى ابتدعها المرحوم حسن الترابي، وربّى أجيالاً من تلامذته عليها، وهي ترتكز أيضاً، على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة سالفة الذكر.
وقام البشير خلال هذه الفترة المظلمة من تاريخ السودان المعاصر، بتصفيته معظم القيادات، والكوادر المؤهلة فى الخدمة المدنية، وفي القوات المسلحة والأمن والشرطة غير المنتمية الى الحركة الإسلامية، وإحلالها بعناصر تدين بالولاء والطاعة العمياء للنظام، وأضحى المؤهل الأول والأساسى لتولي أي منصب مفصليى في الدولة، هو الإنتماء الى حزب المؤتمر الوطني، الذى شكل فيما بعد ليكون الوعاء السياسي للنظام الديكتاتوري. وبنفس القدر، تم تمكين كل منسوبي النظام من مفاصل الإقتصاد من القاعدة إلى القمة، وأصبح تحت السيطرة الكاملة، لأناس لم يكن لهم شأنا إقتصاديا فى حاضرهم أو ماضيهم، فتمادوا في الفساد والظلم والفجور والطغيان.
وهكذا تكوّنت دولة عميقة متمكنة، في كل مفاصل الدولة المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، وفوق هذا وذاك العسكرية والأمنية .
ومِما عقد الأمور وأربك المشهد السياسي السوداني، دخول مليشيات الجنجويد كلاعب أساسي في الحراك. وهذه كانت في الماضي مليشيات غير نظامية – وهى لا تزال كذلك – تقوم بأدوار قذرة في إقليم دارفور، وارتكبت جرائم إبادة عرقية راح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى، وحرق للقرى، واغتصاب للحرائر، وبعض قادتها مطالبون للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.
هذه المليشيات، أعاد تسليحها المخلوع البشير بأقوى الأسلحة والمعدات، لتكون ترياقاً للجيش السوداني، تحسبا لوقوع أي إنقلاب ضده، ووضع على قيادة هذه القوات رجل غير متعلم، ومعروف بتاريخه الدموي الحافل بالجرائم، وأعطاه رتبة فريق أول من دون أن يدخل الى مؤسسة عسكرية في حياته، وكل مؤهلاته هي ماضيه الدموي، وطاعته المطلقة للطاغية. واطلق اأسم قوات الدعم السريع على تلك المليشيات.
والآن، أصبحت قوة ضاربة قوامها أكثر من 60 ألفاً، منها 40 ألفاً تتمركز في الخرطوم، وجزء مهم منها يشارك في حرب اليمن كمرتزقة، ولها نشاطات إقتصادية بمليارات الدولارات خارج نطاق النظام المصرفى الرسمي، كما لها شركات تنقيب عن الذهب واليورانيوم بكميات مهولة، ولديها تحالفات إقتصادية مع دول مثل الصين وروسيا، وعسكرية مع دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والأخطر من كل ذلك، هو أن معظم قواتها تنتمى إلى إثنية واحدة، ولها امدادات فى الغرب الإفريقي، ومن بينها 10 آلاف من دولة تشاد ودول غرب إفريقيا، كما تأكد فى الشهور الأخيرة، قيام قائد هذه القوات حميدتى بإتصالات مع بعض زعماء قبائل شرق السودان، من أجل ضمّ عدداً من أفراد تلك القبائل، ليتحكم في منطقة الشريط الساحلي للبحر الأحمر.
لم تكن ثورة 19 ديسمبر فى السودان صدفة، بل جاءت نتيجة فعل تراكمي تواصل طوال فترة حكم البشير العجاف. وقد بلغت ذروة تلك الثورة في 11 أبريل، عندما اعتصم أكثر من 4 مليون ثائر أمام ساحة قيادة القوات المسلحة السودانية، وانضم إليهم أعداد مقدرة من أفراد القوات المسلحة، وحموا الثوار من بطش قوات الأمن ومليشيات النظام السابق. وبعد أن بلغت الروح الحلقوم، أصبح لا مفرّ من سقوط نظام البشير، تدخلت اللجنة الأمنية المسؤولة عن حماية النظام، وادعت الإنحياز الى الثورة، فى خديعة أشبه بخديعة إذهب إلى القصر رئيساً وأنا سأذهب إلى السجن حبيساَ. وأعلن عن انقلاب قسريّ تحت اسم جديد، هو المجلس العسكري الإنتقالي، الذي أعلن أنه سيسلم السلطة الى المدنيين، وتبنّى شعار الثورة في الحرية والسلام والعدالة.
هذا المجلس، هو جزء أصيل من النظام السابق، تربّى وترعرع وشبّ على نفس مبادئ الكذب والتضليل وخلط الأوراق، وسياسة فرّق تسد، والغاية تبرر الوسيلة، التى كان ينتهجها كبيرهم، الذى علمهم السحر، ولم يكن خافيا لكل ذي بصر وبصيرة، أن وصولهم الى تلك المناصب القيادية المتقدمة في الجيش، لم يكن إلا نتيجة ثقة وطمأنينة من الطاغية البشير.
وعلى الرغم من هذه اللوحة الواضحة، وقعت قوى إعلان الحرية والتغيير القائدة للثورة في فخ التفاوض مع المجلس العسكري، وأعطته حقاً لا يملكه بالجلوس معه، بحسبانه جزءاً من الثورة وشريك فيها . الأمر الذي جعله يماطل فى تسليم السلطة الى المدنيين، ويضع العراقيل وينقض ما يتفق عليه، فى محاولة لشراء الوقت، لترتيب أحواله وتثبيت أركانه، وكان له ما أراد.
استطاع المجلس خلال هذه الفترة، أن يستخدم ويستثمر الدولة العميقة للنظام السابق، فى السيطرة شبه الكاملة على حركة الدولة، المدنية والعسكرية والأمنية والشرطية والعدلية، وإستغلال مجموع الأحزاب الوهمية التي أنشأها النظام السابق، في الوقوف إلى جانبه، واستمالة أعداداً معتبرة من رجال الإدارة الأهلية، بالترغيب ومدّ الجزرة، بالإضافة إلى ضعاف النفوس من شباب ورجال ونساء النظام السابق، والذين لهم مصلحة ذاتية ضيقة، في تواصل واستمرارية ما اكتسبوا من مغانم ومصالح . واستطاعوا أيضا اللعب على الخلافات بين مكونات قوى الحرية والتغيير، وتوسيع الفجوة بينها، وساعد على ذلك، وجود أرضية مساعدة من قوى تقوم بدور حصان طروادة داخل إعلان قوى الحرية والتغيير، لأن لها حساباتها الخاصة، والتى تخشى من المحاسبة والمساءلة، في ظل نظام يقوم على العدالة والشفافية.
إن المجلس العسكري، وصلت به الخِسّة والندالة والغدر، الى أن يخطط ويعد وينفذ مجزرة فض إعتصام ساحة قيادة القوات المسلحة السودانية، وأن يقتل المئات بالرصاص الحيّ، وذبحاً كالشياه، ويرمى المئات في نهر النيل، ويغتصب عشرات الحرائر، في واقعة لم تحدث في تاريخ السودان المعاصر، تتنافى مع كل القيم السماوية، والأعراف والتقاليد والأخلاق السودانية، والتى هي تاج كل سوداني وسودانية. والأدهى والأمَرّ، أن يخرج النطاق الرسمى بإسم المجلس، ويعترف بجريمته. وبهذا سقط القناع الزائف للإنقلاب، وادعائه بأنه جزء من الثورة وشريك فيها، ووضع نفسه في موضع العداء للثورة وأهدافها.
الأمر المؤكد، والذى لا جدال فيه، أن المجلس العسكري لن يتنازل عن السلطة أبداَ، وسيظل يرفض كل محاولات التوسط المحلية والإقليمية، وسيتنصل من كل تفاهمات أو اتفاقات سابقة، وسيواصل محاولة إيجاد حاضنة سياسية وإجتماعية تشكل له غطاءاَ كاذباَ، يمكّنه بمزيد من البطش والإرهاب، مستقويا بالدعم المالىي من دول الشرّ الإقليمى، والدعم السياسي من روسيا والصين.
وفى الواقع الإقليمي والدولي، إن الإدانات التى صدرت حتى الآن، لا تشكل تهديداَ مباشرا للنظام الإنقلابى، إذا لم تتبعها إجراءات عملية على الأرض. ومن هنا أخلص إلى أن كل الإحتمالات مفتوحة، وفي الأغلب، معظمها نحو الأسوأ، في ظل انغلاق الأفق السياسي، وتحكم سلطة غاشمة. لا تفكر بعقل وتروي ومسؤولية، وتقود البلاد نحو المجهول، وواقعة تحت أسر والتزامات مع دول، ترفض نظاماً ديموقراطياً كامل الدسم على حدودها، إضافة إلى طموحات سياسية لبعض أعضاء المجلس فى الحكم والتحكّم، وضغط الدولة العميقة فى الحفاظ على مصالحها، والتى هي مرتبطة ولصيقة مع بقاء هذا النظام.
إن قوى الحرية والتغيير، لم تستغل الفرص العديدة التي أتيحت لها، فى حسم الصراع مع المجلس العسكري فى وقت مبكر، وتحقيق النصر. ولكنها أضحت الآن في موقف ضعيف، وفقدت الكثير من “كروت” الضغط.
والمعركة ستظل طويلة المدى، وتتطلب الصبر والرؤية الصائبة، والحكمة، والقراءة الصحيحة لعالم تحكمه المصالح، حتى يتجاوز السودان هذا المنعطف الحرج والدقيق.
*ناشط سياسي سودانى



