مقالات

الصين بين الخطاب والممارسة.. حليف وهمي لقضايانا العربية

علي بكر الحسيني/ ألمانيا

خاص “المدارنت”

في السنوات الأخيرة، تصاعدت الآمال في الأوساط العربية بأن تشكّل الصين بديلاً دولياً محتملاً للغرب، وبالأخص للولايات المتحدة، في دعم القضايا العربية والإسلامية. هذه الآمال غذّتها بكين بخطاب مناهض للهيمنة الأمريكية وبحضور اقتصادي متزايد في المنطقة، ما جعل كثيرين ينظرون إليها بوصفها حليفاً استراتيجياً جديداً يمكن أن يقف إلى جانب الشعوب المظلومة، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني. غير أن الواقع السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الصيني يكشف، عند التمحيص، عن صورة مختلفة تماماً، صورة قوة صاعدة تتحرك ببراغماتية صارمة، وتوازن مصالحها مع إسرائيل والغرب، وتتجنب الانخراط الحقيقي في قضايا العرب. هذا التباين بين الخطاب والممارسة لا يقتصر على فلسطين فحسب، بل يمتد إلى ملفات أوسع، ويكشف عن خلل في الرؤية العربية التي تميل إلى إسقاط الأماني على القوى الكبرى بدل قراءتها كما هي.

مع اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2024، اتجهت الأنظار إلى مواقف القوى الكبرى، وكان كثير من العرب يتوقعون أن تتبنى الصين خطاباً حاداً ضد إسرائيل أو أن تمارس دوراً متميزاً في دعم الفلسطينيين، انسجاماً مع الصورة التي رُسِمت لها في أذهان الرأي العام العربي. غير أن ما حدث عملياً كان عكس ذلك تماماً. فقد التزمت بكين منذ الساعات الأولى بخطاب حذر جداً، لا يمكن وصفه بالحياد الحقيقي، بل بـ “التحوّط السياسي” الذي يهدف إلى تجنب الصدام مع إسرائيل والولايات المتحدة معاً، مع الحفاظ على صورة دبلوماسية إيجابية أمام الشعوب العربية والإسلامية.

أولاً، في الجانب الخطابي، تبنّت الصين الرواية الغربية – الصهيونية في توصيف أحداث 7 أكتوبر، إذ وضعتها في سياق “الهولوكوست” وأدانت هجوم حماس على المدنيين الإسرائيليين بلغة شديدة اللهجة، بينما تجنبت تماماً توصيف ما ارتكبته إسرائيل لاحقاً من مجازر بأنه “إبادة جماعية”، واكتفت باستخدام مصطلحات مبهمة مثل “كارثة إنسانية” أو “أزمة إنسانية خطيرة”. هذا الانحياز اللغوي ليس تفصيلاً، فهو يعكس موقفاً سياسياً واضحاً يتفادى تحميل إسرائيل أي مسؤولية قانونية أو أخلاقية، ويضع الضحية والجلاد في كفة واحدة.

ثانياً ، على مستوى الممارسة الدبلوماسية، حمّلت الصين مجلس الأمن الدولي مسؤولية عجزه عن وقف الحرب، متجنبة توجيه الاتهام إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل بشكل مباشر، كما فعلت دول أخرى في الجنوب العالمي. وحتى في وثائقها الرسمية، مثل وثيقة “الهيمنة الأمريكية ومخاطرها”، تجنبت الصين ذكر دعم واشنطن العسكري لإسرائيل أو التطرق إلى الجرائم المرتكبة في غزة، رغم أنها وثيقة تهدف إلى فضح السياسات الأمريكية حول العالم. هذا التجاهل المتعمد يكشف بوضوح أن بكين لا تريد تحويل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى ساحة مواجهة سياسية مع واشنطن أو تل أبيب.

ثالثاً ، وربما الأهم، الجانب الاقتصادي. ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل ترتكب مجازر يومية وتفرض حصاراً شاملاً على غزة، كانت الصين أكبر شريك تجاري لإسرائيل، متفوقة حتى على الولايات المتحدة. فبحسب تقارير الأمم المتحدة في مايو 2025، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وإسرائيل 19 مليار دولار، مقابل 9 مليارات مع الولايات المتحدة. أي أن الصين، بينما تكتفي بتصريحات “إنسانية” في الأمم المتحدة، كانت عملياً تغذي الاقتصاد الإسرائيلي وتمنحه شرياناً اقتصادياً بالغ الأهمية خلال الحرب، ما يجعلها شريكاً غير مباشر في تمكين آلة الحرب الإسرائيلية.

ولا يتوقف الأمر عند التجارة العامة، فقد كشفت تقارير متخصصة عن استخدام مكونات من طائرات مسيّرة صينية الصنع في الهجمات الإسرائيلية على غزة. ففي مناقصة لوزارة الجيش الإسرائيلي لشراء 5000 طائرة انتحارية بدون طيار، ذُكرت شركة HQProp الصينية كمورد حصري للمراوح، إلى جانب شركات اتصال من هونغ كونغ، بينما وُجدت منتجات شركة DJI الصينية في أنظمة المراقبة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي. ورغم ادعاء الشركات الصينية أنها لا تتحكم في الاستخدام النهائي لمنتجاتها، فإن هذا لا يعفي بكين من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن السماح باستخدام صناعاتها في حرب إبادة ضد شعب أعزل.

المفارقة أن دولاً غربية مثل المملكة المتحدة، التي كانت طوال 18 شهراً من الحرب داعمة مطلقة لإسرائيل، اتخذت في نهاية المطاف مواقف رمزية مثل استدعاء السفير الإسرائيلي أو تجميد اتفاقيات تجارية، بينما ظلت الصين متمسكة بصمتها “الحيادي” وبعلاقاتها الاقتصادية الوثيقة مع تل أبيب، بل كان سفيرها في إسرائيل ينشر مقالات تطمئن الإسرائيليين بأن “صعود الصين سيجلب فرصاً جديدة لإسرائيل”. في المقابل، كانت دول في مجموعة “بريكس” مثل البرازيل وجنوب إفريقيا أكثر جرأة في مواقفها، فسحبت سفراءها وخففت علاقاتها مع إسرائيل، بينما اكتفت بكين بترديد عبارات فضفاضة عن “السلام” و”الاستقرار” و”وقف العنف من الجانبين”.

هذه المواقف مجتمعة تكشف عن تواطؤ صامت من جانب الصين، مبني على حسابات دقيقة لمصالحها، فهي لا تريد خسارة إسرائيل كشريك تكنولوجي واستراتيجي مهم في مشروعها العالمي، ولا ترغب في الدخول في مواجهة سياسية مع الغرب في ملف لا ترى فيه مكاسب مباشرة. وهنا تبرز المفارقة الكبرى: الصين التي ترفع راية مناهضة الهيمنة الأميركية تتصرف، في الملف الفلسطيني، كما تتصرف القوى الغربية نفسها، إن لم يكن بشكل أكثر تحفظاً.

لا يمكن فهم الانبهار العربي بالصين اليوم من دون العودة إلى النمط التاريخي الذي حكم تعامل النخب السياسية والفكرية العربية مع القوى الصاعدة عبر العقود. فمنذ بدايات القرن العشرين، درج العرب على البحث عن “المنقذ الخارجي” كلما خاب أملهم في قوة مهيمنة، فيتعلقون بأمل جديد في قوة أخرى صاعدة، ويُسقطون عليها تطلعاتهم للتحرر والعدالة، من دون قراءة دقيقة لمصالح هذه القوة أو حدود التزاماتها الحقيقية.

في مرحلة الانتداب، كان هذا “المنقذ” هو بريطانيا. فقد قدّمت لندن نفسها آنذاك للشريف حسين على أنها الحليف الذي سيحرر العرب من الحكم العثماني، وقدّمت وعوداً سياسية براقة بدعم استقلالهم، فانخدع بها الكثيرون. لكن ما لبثت بريطانيا أن تحولت إلى قوة استعمارية مباشرة، قسّمت المنطقة وزرعت بذور الكيان الصهيوني. وبعد الحرب العالمية الأولى، تحوّل هذا الأمل إلى الولايات المتحدة، التي روّجت لخطاب حق الشعوب في تقرير المصير ومناهضة الاستعمار التقليدي، ففضّل الفلسطينيون والسوريون الوصاية الأميركية إن فُرضت وصاية، ظنّاً منهم أنها ستكون “أقل سوءًا” من الانتداب البريطاني أو الفرنسي. غير أن واشنطن ما لبثت أن تبنّت المشروع الصهيوني بالكامل، وتحولت إلى راعيه الأول بعد الحرب العالمية الثانية

واليوم، يعيد جزء من الرأي العام العربي إنتاج النمط نفسه مع الصين. فالصين، بخطابها المناهض للهيمنة الأميركية وبمبادراتها الاقتصادية الضخمة، تُقدّم في المخيلة الشعبية كقوة “عادلة” تقف مع الشعوب المقهورة. تشير استطلاعات الرأي إلى أن حوالي 80% من العرب يرون في الصين بديلاً للنظام الغربي. لكن هذا الانبهار العاطفي لا يصمد أمام قراءة متأنية لسياسات بكين. فالصين، كما رأينا، ليست قوة “تحررية”، بل قوة صاعدة براغماتية، تتحرك وفق مصالحها الخاصة، وتستغل خطاب مناهضة الغرب لاكتساب شرعية في الجنوب العالمي من دون أن تلتزم فعلياً بأي مواقف مبدئية تجاه قضايا الشعوب.

هذا النمط من الإسقاط السياسي يعكس أزمة أعمق في التفكير الإستراتيجي العربي، فبدل أن تكون لدينا رؤية مستقلة ومبادرة لبناء تحالفات متكافئة تقوم على المصالح المتبادلة، نستمر في البحث عن “راعٍ خارجي” يعفينا من مسؤولية الفعل الذاتي. وبذلك نتحول من علاقة تبعية إلى أخرى، من دون أن نمتلك زمام المبادرة. وإذا لم يُكسر هذا النمط، فإن الانتقال من الارتهان لواشنطن إلى الارتهان لبكين لن يكون تحرراً، بل إعادة إنتاج للتبعية في قالب جديد.

إن الصين لا تخفي مصالحها، ولا تُقدّم نفسها حليفاً عسكرياً أو سياسياً للقضايا العربية. بل على العكس، هي تؤكد مراراً أنها لا تنشئ تحالفات سياسية، وأن علاقاتها تقوم على عدم التدخل. وبذلك، فإن تحويل الصين إلى “حليف استراتيجي بديل” ليس سوى وهم سياسي خطير، يُعطل التفكير العقلاني في بناء استراتيجية عربية مستقلة تتعامل مع القوى الكبرى بندّية ووعي.

لقد آن الأوان أن نتحرر، كعرب، من سحر الصور المصطنعة، وأن نكفّ عن التعويل العاطفي على القوى الكبرى، شرقاً كانت أم غرباً. فالصين، التي تحاول اليوم أن تُقدّم نفسها بوجه مختلف عن الولايات المتحدة، ليست سوى قوة عالمية تتحرك وفق منطق المصالح الباردة، ولا ترى في قضايانا إلا أوراقاً تفاوضية وفرصاً اقتصادية ضمن مشروعها للهيمنة الصاعدة. إن موقفها من حرب غزة، وصمتها المطبق عن تسمية الإبادة باسمها الحقيقي، واستمرار استثماراتها في المستوطنات، وتبنّيها للرواية الصهيونية في المحافل الدولية، كل ذلك يضعها في موقع الشريك الصامت في الجريمة، لا في صفوف مناصري العدالة.

كما أن قمعها الممنهج للشعب الأويغوري المسلم داخل حدودها، ومحاولتها طمس هويته الدينية والثقافية، يفضح ازدواجية خطابها الذي تروّج له في العالم الإسلامي. فالدولة التي تمارس القمع داخلياً وتتواطأ خارجياً لا يمكن أن تكون حليفاً موثوقاً لقضايانا، وعلى رأسها قضية فلسطين. ومن الخطأ الجسيم أن نستبدل تبعيةً بتبعية، أو أن نرتمي في أحضان قوة جديدة بحثاً عن منقذ خارجي، بينما تكمن قوتنا الحقيقية في وعينا الجمعي وقدرتنا على بناء خياراتنا المستقلة.

إن مسؤولية العرب اليوم ليست في انتظار “البديل الدولي” الذي سينصفهم، بل في بناء موقف إستراتيجي واعٍ من كل القوى الكبرى، يُفرّق بين الشعارات والممارسات، ويقرأ المصالح كما هي لا كما يُروَّج لها. فالقضية الفلسطينية، كما سائر القضايا العربية، لن تجد نصيراً حقيقياً إلا في إرادة الأمة نفسها، وفي قدرتها على توحيد صفوفها، وبناء تحالفات نِدّية قائمة على المصالح المشتركة لا على الأوهام.

إن رسالة هذا المقال ليست دعوة لعداء الصين، ولا دفاعاً عن الغرب، بل دعوة صريحة إلى التحرر من وهم الحلفاء الجاهزين، وإلى النظر إلى العالم بعين استراتيجية مستقلة. فالصين، مهما بلغت قوتها، لن تتبنى قضايانا ما لم نكن نحن أصحاب هذه القضايا، ولن تواجه إسرائيل أو الغرب بالنيابة عنا، لأنها ببساطة لا ترى في ذلك مصلحة لها. ولذلك، فإن الواجب القومي اليوم أن نبني وعينا على أساس قراءة دقيقة للواقع، لا على إسقاطات عاطفية.

لقد كشفت حرب غزة، بكل مآسيها ودمويتها، عورات المنظومة الدولية بأسرها، شرقاً وغرباً، وأظهرت أن الشعوب المقهورة لا يمكن أن تعتمد إلا على ذاتها. وإذا كان النظام الدولي يعيد تشكيل نفسه، فإن العرب مطالبون بأن يكونوا طرفاً فاعلاً في هذه العملية، لا مجرد متفرجين يبحثون عن قوة صاعدة جديدة يلوذون بها. فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تكتفي بالانتظار .

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى