“الطائفـة” السنيـة.. الى أين؟!
د. خالـد عبـد الفتـاح
خاص “المدارنت”… من الغرائز التي اكتشفها علم الاجتماع، غريزة الانتماء إلى جماعة وغريزة الاعتزاز بهذا الانتماء، وعندما سألوا البغل: من أبوك؟ قال: الحصان خالي.
واقعنا اللبناني، تحتل فيه طوائف ثلاث الدرجات العليا، السنة الشيعة الموارنة، يليهم الارثوذكس والدروز، ثم البقية. ونظام لبنان هو نظام طائفي، جعل لكل طائفة وظائف ومناصب يعتبر الاعتداء عليها خرقاً لمقدمة الدستور، الذي نصّ على أنه لا ميثاقية لأي صيغة تناقض العيش المشترك. وعاش لبنان منذ استقلاله المزعوم، مارونية سياسية، احتل فيها الموارنة كل المناصب الفعالة، منها: رئاسة جمهورية، قيادة الدرك، قيادة الجيش، حاكمية مصرف لبنان، ئاسية مجلس القضاء الاعلى، مديرية المخابرات، مديرية العمليات.
فصار البلد سياسياً وعسكرياً وأمنياً وقضائياً واقتصادياً تحت سلطة الموارنة، وكان رئيس الحكومة يُعيَّن باختيار رئيس الجمهورية، ويتم عزله كذلك، فهو تحت رحمة قلم رئيس الجمهورية، حتى لقبوه باش كاتب.
هذا الواقع الزفت، أثمر حرباً لبنانية كلفت لبنان مليارات الدولارات، ومائتي ألف قتيل، وخمس عشرة سنة من الفلتان الأمني، وصار الوجود المسيحي في لبنان مهدداً، الى ان لبّى حافظ الاسد نداء (الرئيس الراحل) سليمان فرنجية لحماية المسيحيين، وقضى على منظمة التحرير الفلسطينية وجيش لبنان العربي، التابع لأحمد الخطيب وقتل كمال جنبلاط (مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي).
تدخل العرب بقوة في لبنان عام ١٩٨٩، وأثمرت تدخلات الملك فهد ورفيق الحريري اتفاق الطائف، الذي نقل صلاحيات كثيرة من رئاسة الجمهورية الى رئاسة الحكومة، كما جعل النواب هم الذين يسمّون رئيس الحكومة. اتفاق الطائف رفضه (الرئيس الحالي) ميشال عون يوم كان قائدا للجيش، وواجهه، فتمت مواجهته، فهرب الى السفارة الفرنسية، ثم الى فرنسا.
وكان من نتائج الوجود السوري، تقوية الطائفة الشيعية وأحزابها، ومحاصرة الطائفة السنية، وقتل رجالاتها. بعد اغتيال الحريري، لم تعد هناك قوة عالمية تتدخل بتفاصيل الحراك اللبناني، باستثناء الخطوط العريضة، بل تُركت الطوائف لقياداتها، فقاد (الأأمين العام لحزب الله السيد) حسن نصر الله و(رئيس مجلس النواب) نبيه بري الطائفة الشيعية، فنقلوها نقلة نوعية على كل الصعد، علميا، اقتصاديا، عسكريا ووظائفياً.
رجع ميشال عون من فرنسا، وهو هو، الرجل الذي رفض الطائف وهو عسكري، لن يقبل به وهو زعيم أكبر كتلة مسيحية، فوضع تفريغ الطائف من محتواه نصب عينيه، مع أنه أقسم على حمايته، وصار ظله (جبران) باسيل يكرر كلمة المسيحيين في اليوم الواحد ألف مرة، وقادا الموارنة مجددا الى احتلال كل ما يمكن من وظائف ومناصب في كل الإدارات، وقالها باسيل مؤخراً، سنستعيد كل ما أخذته منا الطائفة السنية.
جنبلاط (رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد) مع كل همومه، بقي همه الأول والأخير الطائفة الدرزية، فلم يساوم ولم يفرط ولم يتنازل عن أي موقع يخص جماعته، بل كان يبدي حرصه على دروز سوريا وفلسطين، الشيعة والموارنة والدروز بأحسن حالاتهم، وكل ذلك بفضل حنكة قادتهم، بقيت الطائفة السنية، التي حكم أجدادها لبنان طيلة ثلاثة عشر قرنا، وهم الأكثر عددا ، والأغنى مالا، والأعمق تاريخا وجوارا.
هذه الطائفة، انساقت عاطفيا بعد اغتيال الحريري، وبايعت الوريث السياسي تيار “المستقبل”، الذي كلف (رئيس الحكومة السابق فؤاد) السنيورة وتولي رئاسة حكومتين، أبدى فيهما السنيورة مهارة في الأداء السياسي، ثم خلفه سعد الحريري.
أتيح للرئيس سعد الحريري عوامل قوة لم تتح لغيره في لبنان، أحادية في الطائفة، أكبر كتلة نيابية، دعم دولي وعربي منقطع النظير. دخل الحريري غمارا غير مناسب لتكوينه النفسي والشخصي، فكان أداؤه ضعيفا جدا، وكان ينتقل بطائفته من مصيبة الى طامة الى “داهية”، ثم ترك أمن طائفته حرصا على أمنه، فغادر لبنان عدة سنوات.
الجيوس تنتصر وتنهزم بقادتها، والدول تنجح او تفشل بحكامها، وفي الغابات البقاء للأقوى، وكانت آخر المعارك الخاسرة للحريري، التسوية الرئاسية، التي حققت حلما ظل يراود ميشال عون ٦٠ عاماً، وقضت على أحلام اللبنانيين بعهد نظيف عادل مستقر.
في كل طائفة مشكلات كثيرة، لكن على القادة أن يتحملوا مسؤولياتهم في الفشل، ومن عجز أن يربح مباراة وهو يقود فريقا من أحد عشر لاعبا، لن يربح مباراة وهو يقود فريقا بثلاثة لاعبين، وعندما يخسر فريق عدة مباريات، يتم تغيير المدرّب ـ الحريري، أو يتم تغيير اللاعبين ـ النواب، أما الاستمرار فالهزائم بالانتظار.
من حق كل طائفة أن تتمسك بمن يحقق لها العزة، ومن حقنا ان نقول لمن أغرقنا في الذلّ .. كفى.
باختصار يا دولة الرئيس، ١٤ عاما من الحكم، لو كنتَ ناجحاً فيها لكانت كافية، فكيف وأنت تقودنا من هزيمة الى هزيمة، لله، ثم للتاريخ، ثم من أجل أهلك واخوانك وأبنائك، ودِّعْنا وغادِرْ، ولن يضيعنا الله.



