مقالات

الظاهر والمستور في الدعوة للتوافق على انتخاب رئيس لبناني

د. محمود المسلماني/ لبنان

خاص “المدارنت”..

“التوافق”.. كلمة رائجة في الوسط السياسيّ هذه الأيام، وهي كلمة محبّبة ترتاح لها الأنفس وتثلج الصدور، كونها تنطوي على معاني التوحّد واجتماع الكلمة، وتتعارض الى حدود التضاد مع معاني التفرّق والتشتّت والإنقسام.

تردّدت هذه الكلمة كثيرًا في تصريحات المسؤولين والسياسيين في موضوع انتخاب رئيس للجمهورية. فدعا بعضهم الى هذا التوافق، معتقدا أنّ مرشّح التحدّي لن يكون قادرا على تأمين أغلبيّة نيابيّة كافية لوصوله في الدورتين الأوليين، فضلا عن عجزه عن توفير النصاب القانونيّ للدورة الثالثة، ومن ناحية ثانية، لن يكون بمستطاعه توفير مقوّمات السيادة لدولة حرّة مستقلّة، لما يقتضيه ذلك من مواجهة غير متكافئة مع قوى الأمر الواقع. وذهب آخرون إليه، وتمسّكوا به لدواع مصلحيّة واضحة؛ وتبيّن لهم أنّهم، ورغم ما بذله فريقهم من جهود مضنية، لن يتمكّنوا من إحراز الأغلبيّة المطلوبة لإيصال مرشّح لهم الى السلطة، ممّا دفعهم الى إطلاق هذا الشعار (التوافق)، يقصدون به دغدغة عواطف الجمهور من جهة، وتوفير اجتماع بعض الكتل والأفراد ذات المواقف المترجرجة حوله، بهدف تأمين رئيس مهادن لا يقارب ملفّ سلاحهم، بمنطق رجل الدولة الذي لا يثنيه عن المطالبة بحقوق دولته أيّ تخاذل أو وهن.

وفي المقابل، يرفض فريق آخر اعتماد هذا المبدأ في مقاربة الشأن الرئاسيّ، معتبرا أنّ العمليّة الديموقراطيّة التي تنطلق من صلب الدستور هي السبيل الصالح لاختيار الرئيس المقبل.

وهم يرون أنّ هذا الرئيس لا بدّ أن يكون رئيس تحدّ ومواجهة، وليس رئيس إدارة للأزمات القائمة. إنّ البلاد التي تتعرّض لأزمات حادّة ، وتواجه انهيارات كبيرة تضع وجودها على المحكّ، ليست بحاجة الى من يدير أزماتها بمنطق الرتق والترقيع، ويعالج عللها المستعصية بالمسكّنات المؤقّتة التي لا تلامس أصل العلّة وجذورها، بل إلى ذلك الرئيس الذي يعرف حقيقة مشكلاتها، ويدرك أهميّة المعالجة الحازمة الحاسمة لها، فيتصدّى لتحدّياتها بوعي ومسؤوليّة وجرأة كافية.

نحن إذا أمام رؤيتين متعارضتين في موضوع اعتماد مبدأ التوافق في انتخاب الرئيس، وقد رأينا كيف أنّ تسويق هذا المبدأ لدى بعضهم ينطلق من خلفيّات مصلحيّة تهدف الى استغلال المضامين الإيجابية لفكرة التوافق لتجميع أغلبيّة نيابيّة كافية، تأتي برئيس مهادن يحافظ على الوضع القائم الذي يكرّس وجودا غير شرعيّ لقوّة الأمر الواقع على حساب الدولة وسيادتها.

لذلك فشعار التوافق الذي ينطوي على هذه النوايا المبيّتة لدى بعضهم شعار لا يتوافق ومصلحة الدولة وسيادتها التي هي ضرورة لا غنى عنها في إنقاذ البلاد من مخاطر وجودية فادحة.

وإذا كنّا في دولة ذات نظام ديموقراطيّ تمثّل الإنتخابات وسيلته الطبيعية في اختيار رئاسته الأولى، فلماذا لا تعتمد هذه الوسيلة وفقا لنصّ الدستور؟ لماذا نعتمد مبدأ التوافق كأساس لنصل إليها كإجراء شكليّ بحت في حين أنها ينبغي أن تكون هي الجوهر والأساس؟!

إنّ اعتماد المبدأ الديمقراطيّ في اختيار الرئيس هو موقف يقع في موقعه الصحيح لاعتبارين اثنين: أوّلهما لأنّه ينبع من صلب دستورنا الديموقراطيّ، وثانيهما، لأنّه يمثّل الإرادة الشعبيّة في هذا الاستحقاق المهمّ، فضلا عن أنّ اختيار الرئيس على هذا النحو يكسب العمليّة بعدها اللبنانيّ المطلوب بعيدا عن ضغوط الخارج وتدخّلاته.

وإذا كان لنا أن ننتخب رئيسا وفقا لهذه القاعدة الديموقراطيّة بعيدا عن منطق التوافق وخلفيّاته، فمن الضروريّ أن تتمثّل فيه مواصفات رجل الدولة القادر على تحمّل مسؤوليّة الإنقاذ في كيان تتداعى أركانه في سرعة غير مسبوقة. وبهذا المعنى يفترض أن يكون قادرا على النهوض بمشروع قيام دولة قويّة ذات سيادة غير منقوصة، وقرار مستقلّ حرّ لا ينازعها فيه منازع . وأن يكون له برنامجه في الإصلاح ومحاربة الفساد في قطاعات الدولة جميعا.

ورئيس كهذا، ينبغي أن يتعامل مع الأطراف جميعا بالكلمة العاقلة المسؤولة، وبروحيّة الحوار والإقناع دون التنازل عن حقوق الدولة والمجتمع.

إنّ أيّ رئيس لا يكون نتاج صناعة وطنية بهذه المواصفات لن نتوقّع منه في أفضل حالاته سوى إدارة الأزمة وتمديدها واستمرار تداعياتها الى ما شاء الله.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى