مقالات

العالم الذى تصنعه الصين..

عبد الحليم قنديل*/ مصر

“المدارنت”..
إذا عطست الصين ارتعش العالم، تبدو القاعدة صحيحة ومنطقية تماما، ويبدو العالم آخذا فى التحول أكثر فأكثر إلى صناعة صينية خالصة، من الاقنصاد والتجارة والتكنولوجيا والتعليم إلى وباء “كورونا”.

وبينما كانت منظمة الصحة العالمية، تعلن تحول “كورونا” إلى وباء عالمى، كانت الصين، التى بدأت منها غزوة “كورونا”، تعلن انتصارها المبدئى فى بؤرة الإصابة المفزعة الأولى، فى “ووهان” عاصمة إقليم “هوبى”، التى اجتاحها الوباء قبل خمسة وسبعين يوما، وظلت الأرقام تتصاعد فيها بالآلاف يوميا، وإلى أن وصلت إلى ما يزيد على الثمانين ألفا، ثم تراجعت أرقام الضحايا فى الأسابيع الأخيرة تدريجيا، وإلى أن نزلت إلى خانة الرقمين فى الوفيات اليومية، وتواصل التراجع إلى ما يقترب من حد التلاشى، وهو ما يعطى مصداقية هائلة لدقة البيانات الصينية، التى تتوقع إعلان الصين قريبا كدولة خالية من فيروس “كورونا”.

بدت القصة واحدة من معجزات الصين، التى لا تكف عن إبهار العالم، فمع الأيام الأولى من العام الجارى، أتى خبر “كورونا” السئ من الصين، وبدت القصة كحملة اجتياح بيولوجى، تهدد بقصف أعمار عشرات الملايين من الصينيين، وتعددت الروايات عن منشأ الوباء، وسرت حالة من التنمر ضد الصين وأهلها، مع أفراح وموجات شماتة لا تخفى، واستبشارات، عبرت عن شعور مجنون بالارتياح، وآمال عند الكارهين بقرب سقوط النهوض الصينى العارم ، لكن الصين ، وعلى طريقة مفاجآتها المدوية، التى تهزم الأساطير المكذوبة، قلبت الموازين كالعادة، وقدمت درسها لمن يريد أن يتعلم، وواجهت الخطر المحدق بشجاعة وتصميم وتعبئة وعلم وتكنولوجيا، واتخذت إجراءات غير مسبوقة.

أغلقت المطارات والموانى والمزارات السياحية الكبرى، وعزلت مناطق الخطر تماما، وألزمت عشرات الملايين بيوتهم، وقادت حملات تطهير وتعقيم مبهرة لمدن مكتظة بملايين الناس، وأنشأت مستشقيات على أرقى مستوى فى أيام، ونجحت شركاتها العظمى فى توفير أكبر ميزانيات الدنيا فى التجهيز والتطهير والعلاج، بينما نجحت الدولة فى التجييش الشعبى العام، وأعلنت من البداية ، أن شهر مارس 2020، سوف يشهد انحسار الوباء فى الصين، وهو ما تحقق بالفعل.

وكانت زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى “ووهان”، إشارة مباشرة إلى النجاح الذى جرى، وإلى التعافى التام لتسعين بالمائة من المصابين، وبطرق علاج مبتكرة، سبقت الصين إليها، وإن كان أمرها مستغلقا حتى تاريخه ، وعلى طريقة ما يقال عن استخدام بلازما المصابين، أو توليفات من أمصال وأدوية سابقة لوباءات وأمراض “الإيدز” و”إيبولا” و”سارس” وغيرها، إضافة إلى طرق أخرى تنتمى لعالم الطب الصينى التقليدى، وربما لن تمضى سوى أيام أو أسابيع، حتى تعلن الصين انتصارها الكامل، وتغدو قبلة العالم فى طلب الشقاء، بعد أن اجتاح وباء “كورونا” جغرافيا العالم المتخلف والمتقدم ، وكادت تختفى أخبار الصين كمركز للوباء، بينما صارت الأخبار الأولى المرعبة، حكرا على “إيران” و”إيطاليا”، ودول أوروبية أخرى، وحتى أمريكا الأغنى، التى قيل أنها دبرت الحرب الجرثومية، صارت طعاما سهلا للوباء، وارتبكت خطوات إدارتها فى مواجهة الخطر الزاحف، وصارت مثيرة للسخرية، تماما على نحو ما تغرى به فى العادة تغريدات الرئيس المهووس ترامب.

وقد لا نريد هنا الدخول فى دوامات “كورونا”، ولا فى سيل الأخبار والتقارير والتفاسير والتخاريف، التى تتشاركها مليارات البشر اليوم، وعلى مدى النهارات والليالى بغير انقطاع، والتى يصور بعضها وباء “كورونا” كأنه يوم القيامة، مع أن العالم وتاريخه، شهد أوبئة أكثر فتكا وتدميرا، وراح ضحيتها مئات الملايين من الناس.

بينما الصين التى اجناحها وباء “كورونا” أولا، لم يمت فيها بالمرض المستجد، سوى أكثر قليلا من ثلاثة آلاف شخص، من بين عدد سكانها المتجاوز بكثير لحاجز المليار ونصف المليار نسمة، وقد لا ندعو هنا إلى تهويل ولا إلى تهوين، فسوف تمضى القصة كلها إلى نهايتها فى وقت قريب، وأخطر ما فيها هو الفزع العام، الذى تشارك فى صنعه، سيولة وسهولة وتقدم وسائل الاتصال الشخصى، التى حولت مليارات البشر مع مليارات الموبايلات، إلى علماء وأطباء وخبراء ومفتين، خيل إلى بعضهم، خاصة فى عالمنا العربى والإسلامى، الموبوء بالخرافات والتخلف المادى والعقلى، أنه دعا على الصين بالسوء، فأصابها ما أصابها عقابا من الله، وهو ما يوجد مثله، حتى فى العالم الغربى المتقدم صناعيا وتكنولوجيا، فوباء الخبل متاح للجميع، لكن فرص النجاة ليست متاحة بهذا القدر من التساوى، ولا ممكنات الأخذ بالأسباب كما يأمرنا الله، ولا تجاوز الخطر بالكفاءة نفسها، ولا قلب المحنة إلى نعمة، وعلى نحو ما فعلت الصين، التى قدمت درسا ملهما فى العظمة الإنسانية، حين تتوافر الإرادة الصارمة المعظمة للإمكانيات، فنحن بصدد بلد معجزات حقيقى، يرد الاعتبار لمعنى الشرق الخير فى صيرورة البشر، فالشمس تأتى دائما من الشرق، ربما الجديد، أن الإلهام ونور العقل صار يأتى من الشرق أيضا.

نعم، ظل العالم الحديث، على مدى قرون ، ومنذ إنطفاء وهج الحضارة الإسلامية الكبرى، وبالذات منذ سقوط “غرناطة” واكتشاف الأمريكتين، وعبر ما يزيد على خمسة قرون خلت، ظل العالم فيها أسيرا لفكرة تقدم الغرب وطغيان الغرب، وراحت أغلبية البشر ضحية لتحكم الغرب وكشوفه وغزواته، وحتى نهاية ما يسمى بالحرب العالمية الثانية، كانت السيادة للغرب الناهض والاستعمارى معا، وكنا كغيرنا من الضحايا المفضلين، وعلى امتداد جنوب العالم ومشرقه، وعلى خرائط ما كنا نعرفه سياسيا بتسمية “شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية”، وكانت الصين من بين أكبر الضحايا، لكن نهاية الحرب الثانية، التى كانت حربا غربية بامتياز، وراح فيها ما يزيد على الستين مليون قتيل، أضعفت السيطرة الغربية فى مركزها الأوروبى بالذات، مما أتاح فرصا لانتصارات حققتها حركات التحرير الوطنى فى الشرق والجنوب المظلوم ، وهكذا تكونت سيرة جديدة، لعلها جديرة بتسميتها “عصر تحدى الغرب”، وكانت المنطقة العربية فى قلبها ، إضافة لعالم عدم الانحياز بمعايير زمانه ، وإضافة للصين الكبرى، التى أكملت مسيرة الألف ميل بقيادة ماوتسى تونج عام 1949، وانطوى التطور الذى كان جاريا، على معنى التحدى دون تجاوز الغرب، الذى واصل التحكم بنوع مختلف تحت القيادة الأمريكية، وبينما خرجت المنطقة العربية من السباق بعد حرب أكتوبر 1973 وما بعدها، وتردت إلى عصر سيادة الغرب الأمريكى الإسرائيلى هذه المرة، فيما كانت بقاع أخرى فى شرق العالم وجنوبه، تواصل سيرها الطامح لتجاوز الغرب، أى امتلاك نفس طاقاته المادية والعلمية والصناعية والتكنولوجية، وفى تجارب عديدة ناجحة، وصلت إلى ذروتها بالمعجزة الصينية، التى حققت فى أربعة عقود لا تزيد، ما حققه الغرب طيلة خمسة قرون وتزيد، ومنذ إنطلاقة دينج هسياوينج، وتبنيه لفكرة اقتصاد السوق الاشتراكى، وبمعدلات تنمية خارقة، قفزت بصادرات الصين من نحو عشرة مليارات دولار فى بداية ثمانينيات القرن العشرين، إلى نحو خمسة تريليونات دولار سنويا اليوم ، وبما جعل الصين، تستحوذ وحدها على 35% من التجارة فى الدنيا كلها ، وتتحول إلى أكبر ورشة صناعة وتكنولوجيا فى تاريخ العالم.

وكثيرا ما يقال، أن الصين سوف تلحق بأمريكا، وربما تتجاوزها فى عام 2030، وهذه قراءة مضللة بعض الشئ، فالحساب الحقيقى ليس بأرقام الناتج القومى مجردة، بل بتعادل القوى الشرائية، أى بحسابات ما يشتريه الدولار الواحد فى الصين مقارنة بأمريكا، ووفقا لها، فقد تجاوزت الصين أمريكا بالفعل فى قيمة الناتج القومى الإجمالى، وصارت بالفعل قوة العالم الاقتصادية الأولى من سنوات، وأمامها إمكانات توسع بلا حدود، وحتى الهزة التى أصابتها مع وباء “كورونا”، تبدو عابرة الأثر تماما، وبوسعها التعويض فى أقرب فرصة عن خسائر تجارة بنسبة 11%، فالصين قوة كاملة الأوصاف، سلاحا واقتصادا وتكنولوجيا وبشرا مدربا، ونظامها التعليمى صار الأفضل فى التصنيف العالمى، وبوسعها تحويل قوتها البشرية الجبارة، إلى مدد لا تنفد عوائده، وهى تصنع العالم الجديد فى تواضع يليق بالقادرين الواثقين.
* المصدر: القدس العربي

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى