العراق من الدولة إلى الإقطاعيات!

تصف الإقطاعيات/ النظام الإقطاعي Feudalism النظام الذي حكم أوروبا في العصور الوسطى. والخصائص الجوهرية له تتمثل في تفتت السلطة السياسية والعامة، وتولي النبلاء المحليين وظائف السلطة المركزية/ الدولة (بشكل خاص القوة العسكرية حيث كان لكل منهم جيشه الخاص)، والنظام الزبائني الذي كان يحكم هؤلاء النبلاء بأتباعهم، وشكلت ملكية الأرض المصدر الرئيسي للثروة والسلطة، وقد انتهى هذا النظام تاريخيا مع صعود الدولة الحديثة في سياق تحول تاريخي طويل!
في العراق نشهد انتقالا معكوسا، من الدولة إلى الإقطاعيات، وذلك من خلال منازعة الزعماء السياسيين لسلطة الدولة، وتحويل سلطات الدولة ومؤسساتها إلى “إقطاعيات” خاصة لهم، وتحولهم إلى “محصنين” تعجز الدولة عن المساس بهم، أو بأتباعهم، ولكل منهم ميليشياته المسلحة، وصولا إلى “تسخيف” مناصب الدولة العليا، من خلال منحها لشخصيات لا تملك أي قرار ذاتي، بل هم مجرد “أدوات” بيد أولئك الزعماء!
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، كان ثمة “صراع” حقيقي بين الزعماء السياسيين للحصول على المناصب العليا. ومن يعود إلى تشكيلة مجلس الحكم الذي شكله الأمريكيون في تموز/ يوليو 2003 سيجد أن جميع القادة السياسيين الشيعة والكرد كانوا حريصين على أن يكونوا حاضرين فيه (لم يكن هناك ما يمكن تسميته بالقادة السنة حينها وهو ما اضطر الأمريكيين إلى اختيار شخصيات مغمورة انتهى دورها مع نهاية عمل المجلس)، رغم معرفتهم أنه مجرد مجلس شكلي لا سلطة حقيقية له!
وكان هناك صراع على الوصول إلى المناصب العليا في الدولة بين عامي 2004 و 2014، فجلال الطالباني كان حريصا على الحصول على منصب رئيس الجمهورية، ومن يعود إلى ما قاله طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الأسبق سيكتشف كيف استقتل الطالباني لضمان ذلك! وطارق الهاشمي نفسه كان حريصا على الوصول إلى منصب نائب رئيس الجمهورية، في سياق ما عرف بهيئة الرئاسة في العام 2006، على الرغم من وجود اتفاق موقع داخل تحالف التوافق الذي ضم القوى السنية الرئيسية على أن يكون هذا المنصب من نصيب عدنان الدليمي!
شيعيا كان هناك صراع شديد بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى على من يكون رئيسا للوزراء في العام 2006. كما حكم الصراع هذا المنصب أيضا في الأعوام 2010 و 2014.
كما ضمت الوزارات التي تشكلت في الأعوام 2006 و 2010 وإلى حد ما 2014 أبرز الشخصيات السياسية في القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية، ومراجعة سريعة لتلك الأسماء ستكشف عن هذه الحقيقة بشكل واضح.
ولكن الأمر بدأ بالتغير بداية من العام 2018، حيث وجدنا الزعماء السياسيين وزعماء الميليشيات “يستنكفون” من المشاركة في المناصب، ويتعالون عليها!
فبعد وفاة الرئيس جلال الطالباني في العام 2017، أصبح منصب رئيس الجمهورية جائزة يمنحها بافل الطالباني لمن يختاره، فهو من رشح برهم صالح الذي كان قد انشق عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وشكل حزبا خاصا له (2018)، ثم عبد اللطيف رشيد (2021)، ثم نزار آميدي (2026)، ولم يفكر هو أو أخوه الأصغر قوباد الطالباني أن يتصديا لهذا المنصب، والجميع يعرف أن رئاسة الجمهورية في هذه الدورات الثلاث كانت مجرد أداة بيد السيد بافل الطالباني!
وشمل التغيير تسمية الوزراء أيضا، فبعد أن كان الحزبان الكرديان يرشحان شخصيات قيادية في الحزبين لمنصب الوزير، وجدناهما يختاران شخصيات ثانوية، ومقارنة سريعة بين أسماء الوزراء الكرد ما قبل العام 2018 وما بعدها يكشف عن ذلك بوضوح.
سنيا، وبداية من العام 2014، أصبح من يصل إلى المناصب العليا في الدولة خاضعا لمحددين؛ الأول أن يكون صنيعة لعراب من الفاعلين السياسيين الشيعة أو لرئيس مجلس القضاء الأعلى، وبالتالي يخضع له بشكل مباشر، والثاني أن وجوده في منصبه يرتبط بمدى الإخصاء الرمزي/ التدجين في سلوكه السياسي. هكذا تم تفريغ منصب رئيس مجلس النواب بالكامل من حمولته السياسية، وتم ترشيح وزراء لا يفكرون مطلقا بتجاوز دور الموظف المطيع الذي يبصم على ما يقرره رئيس مجلس الوزراء من جهة، والزعيم الذي رشحه للمنصب من جهة ثانية، من دون أي اعتراض!
شيعيا، كانت هناك محاولة أخيرة من السيد هادي العامري في العام 2018 للحصول على رئاسة مجلس الوزراء، ولكن فيتو أمريكيا غير معلن أفشلها، فوجدنا الزعماء السياسيين الشيعة يختارون شخصيات يمكنهم إدارتها والتلاعب بهم كما يشاؤون! هكذا وجدنا تحالفي البناء (الذي ضم ضمن زعاماته نوري المالكي وهادي العامري) والإصلاح (الذي ضم ضمن زعاماته مقتدى الصدر وعمار الحكيم) يرشح عادل عبد المهدي لرئاسة مجلس الوزراء، على الرغم من أنه كان قد ترك المجلس الأعلى بعيد انشقاق عمار الحكيم عنه وتشكيله تيار الحكمة في العام 2017، وكان الجميع يعلم أن الرجل كان خاضعا لقرار تحالف البناء بشكل خاص. وكانت لحظة حركة الاحتجاجات في العام 2019 لحظة كاشفة عن هيمنة المليشيات على قرار مواجهتها بعنف مفرط!
بعد استقالة عادل عبد المهدي، تفاجأ الجميع بترشيح مصطفى الكاظمي لمنصب رئيس مجلس الوزراء في العام 2020، وكان التوصيف الأهم لمهمة الرجل كما شرحها قيس الخزعلي زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق في لقاء تلفزيوني بالقول أنهم جاؤوا به لأداء مهمتين فقط: إجراء انتخابات مبكرة، والعبور بالبلد اقتصايا وصحيا، وأنه لا يملك أي صلاحية غيرها، تحديدا فيما يتعلق بالمليشيات!
وبعيد انتخابات مجلس النواب في العام 2021 رشح الإطار التنسيقي محمد شياع السوداني، الذي كان عضوا في حزب الدعوة تنظيم العراق، ثم انشق عنه نهاية العام 2019، وشكل حزبا باسم تيار الفراتين، ولم يكن يملك سوى مقعدين في مجلس النواب! يومها صرح بعض قادة الإطار التنسيقي بشكل صريح بأن ما يريدونه هو رئيس مجلس وزراء يعمل كموظف لدى زعماء الإطار التنسيقي!
اليوم، وبعد محاولة ايرانية صريحة لاعادة السيد نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء، وفشلها بسبب الفيتو الأمريكي، تكشف الترشيحات عن “موظفين” يراد إيصالهم إلى هذا المنصب، مع أن الجميع في العراق يعرف أنهم مجرد “تابعين” لعرابين يديرونهم كما يشاؤون! على سبيل المثال لا الحصر هناك محاولة لترشيح باسم البدري، رئيس هيئة المساءلة والعدالة، مع أن الجميع في العراق يعرف أن الرجل كان صنيعة للمالكي الذي وضعه في رئاسة الهيئة في العام 2013، وأنه أصبح فيما بعد الى “تابع” مطيع لرئيس مجلس القضاء الأعلى، ولزعيم ميليشيا العصائب!
منذ سنوات، وفي سياق الفساد الذي يحكم العراق، تحولت العلاقة بين الزعماء السياسيين و “الموظفين/ التابعين” الذين يختارونهم في المناصب العليا للدولة إلى علاقة تشبه علاقة الإقطاعي/ مالك الأرض (ويسمى في العامية العراقية “الملَّاچ” بالجيم الأعجمية) بالسركال (وهو الشخص الذي يكلف بإدارة الأملاك وتمثيل مصالح المالك)، حيث تنحصر مهمة الثاني في ضمان حصة المالك في ريع المنصب المتأتي من الاستثمار في المال العام، وغالبا ما يكون هذا السركال مجرد واجهة، في حين يدير المالك/ الزعيم السياسي المنصب بشكل مباشر، وبذلك لم يعد هناك دولة، بل إقطاعيات تدار عبر مالكيها في سياق تواطؤ جماعي!



