العرب في البيرو..”2″.. حضور فاعل.

خاص “المدارنت”..
يرجع تاريخ وصول العرب إلى البيرو مع وصول السفن الإسبانية إلى البلاد، بعضهم ظل محافظاً على ديانته الإسلامية، والبعض الآخر تحول إلى الكاثوليكية رغماً عنه حين أجبرت السلطات الاسبانية مسلمي ويهود الأندلس على اعتناق المسيحية بعد سقوط الأندلس. وحتى اليوم، يمكن للمرء أن يلاحظ في مدينة “ليما” (عاصمة الإحتلال الإسباني)، إنشاءات بتصميمات أندلسية، مثل القصور المكونة من طابقين، التي تم تنظيمها كغرف رباعية الزوايا، ومفتوحة نحو فناء داخلي مربع، يتمّ الوصول إليه من خلال منخفض المدخل، ما يدل على أصله الأندلسي، أما بالنسبة للطعام، فإنه لا يزال بإمكاننا أن تذوق أطعمة عربية مشهورة من وصفات أحضرها المهاجرون معهم وعلى رأسها المعجنات، وفي مقدمتها “empanada” (إمبانادا) الفطيرة الأكثر رواجاً في معظم دول القارة؛ وفي مجال الفن تظهر للباحثين تأثيرات ومقاطع صوتية عربية في الموسيقى الشعبية البيروفية.
يقدر عدد المهاجرين العرب إلى البيرو، من لبنان وسوريا وفلسطين، حوالي 10,000 شخص، وصل معظمهم إلى العاصمة “ليما” ثم إلى مدن أخرى مثل “أريكيبا” و “كوسكو” و “إيكا” و”تاكنا”، في حين أن العدد الحقيقي للمتحدرين من أصول عربية هو أضعاف ما قدّر آنفاً لأن الكثير من جيل الأحفاد يتحدر من أصول عربية أندلسية. ابتدأت هجراتهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في مرحلتها الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. ثم تشكلت المرحلة الثانية ما بين عامي 1920 و 1950م. بينما استمرت المرحلة الثالثة منذ عام 1950م حتى أيامنا هذه.

وفي مقارنة واقعية بين هجرة العرب إلى البيرو و هجرتهم إلى باقي دول أمريكا اللاتينية، نجد أنها أقرب إلى حالة “تشيلي”، حيث يطغى الحضور الفلسطيني، بخلاف الهجرة اللبنانية السورية الكثيفة إلى البرازيل والأرجنتين، أكبر دولتين في تلك القارة.
وتشير التقديرات انه ما يزيد على 80 عائلة من أصل فلسطيني استقرت في البيرو إبان السنوات الاخيرة من القرن التاسع عشر، ابتدأت رحلتهم من فلسطين، من ميناء حيفا، وتوقفت في “مرسيليا” او “جنوى”، حسب شركة النقل البحرية، فرنسية كانت أم إيطالية.
ومن هناك سافروا إلى بيونس أيرس في الأرجنتين، حيث استقر بهم المطاف قليلا، ثم يتجدد السفر إلى مدينة” قرطبة” أو مدينة ”سانتا في” في الأرجنتين أيضا. ومن هناك يجتازون جبال الأنديز الوعرة على ظهور البغال إلى مدينة “كوسكو” في البيرو عبر بوليفيا و جبالها، أو مرورا في بحيرة تيتيكاكا الواقعة بين البلدين.
أولئك المهاجرون كانوا مزارعين في بلدانهم الأصلية، ومعظمهم امتهن التجارة في البيرو، إبتدأ بالبيع المتجول في شوارع المدن، أو في القرى والأرياف النائية مستفيدين من تطور خطة سكك الحديد في المناطق الداخلية من البيرو الذي بدأ عام 1876 م عندما وصلت إلى مدن “أريكيبا” و”بو نو”.
ثم بلغت ذروتها حين وصلت إلى “كوسكو” من الجهة الأخرى للدولة عام 1906 م. وحقق جزء كبير منهم نجاحات تجارية وثروات كبيرة، واكب فيها التطور العمراني والاقتصادي للبيرو، وانتقل بعضهم إلى ميادين و قطاعات مختلفة لاستثمار ثرواتهم، بينما اختار البعض الآخر توسيع دوائر استثماراته إلى الدول المجاورة. وما عزز نجاحهم الباهر تجلى في عدة أسباب أهمها:
أولاً: الإزدهار الاقتصادي الذي شهده جنوب البيرو آنذاك، ثانياً: إجتياز المهاجرين الصعوبات في الصعود إلى جبال الأنديز التي لم تكن مغطاة تجاريًا على على غرار المناطق الساحلية. ثالثاً: قبولهم نسب أرباح قليلة قياساً بأرباح التجّار المحليين والأجانب ما ساعدهم على التفوق التجاري و على الظفر بالبيع الكثير المميّز.
هناك استقر المهاجرون الفلسطينيون، بداية في المدن الساحلية مثل “تشينشا” و”بيسكو” وتشيكلايو، و لحق بهم اللبنانيون والسوريون، وسرعان ما اعتمدوا على شراء الأراضي بقصد الاستثمار ثم اصبحوا من الملاكين الكبار وارتفعت نسب زواج أبنائهم من بنات الطبقات الغنية، ما جعلهم يصنفون ضمن أرقى الطبقات في البلاد ،دون تمييز مع أهل البلاد الأصليين.
وما يلفت النظر ظهور مشاهير منهم في مجالات متعددة، كالأخوين” أبو غطاس”.. (روبيرتو ودانيال) بطلي الدولة في رياضة القفز، و”خوان جحا” صاحب الميدالية الأولمبية في رياضة الرمي، وهو من أصل فلسطيني ومنهم “خالد كحاط” الذي فاز مؤخراً بميدالية ذهبية على مستوى القارة.
أما في عالم السياسة، فلقد برز منهم الوزراء أمثال سيزار عطا الله من أصل فلسطيني، وخورخي مفرج نعمة، وزيرالعمل في حكومة رئيس البيرو السابق “ألبرتو فوجيموري”، ومن النواب دانيال أبو غطاس مخلوف.

وفي مجالات الثقافة والفن، نجد أسماء عالمة “باتريسيا مخلوف” عالمة المحيطات، و”ناتاليا مخلوف” مديرة متحف الفنون في العاصمة ليما والرسامة “لوس نجيب”. و في عالم الفكر “خوان أبو غطاس” أحد فلاسفة البيرو في القرن العشرين، و”ادغار سابا” مخرج مسرحي وممثل معروف في فريق المسرح الوطني، و”فانيسا سابا” ممثلة شهيرة، أما في عالم التجارة فكان من أعلامها البارزين:
نعمة موهانا، وعبد المجيد عيسى حميدة، وعائلات مثل سعيد وكحاط. وقد لا نبالغ إن قلنا أن دولة البيرو تحتضن مئات العائلات العربية ذات الحضور الوازن على جميع الأصعدة، ولها احترامها وتقديرها داخل المجتمع البيروفي، ومن هذه العائلات:
أبو غطاس _أبو عبيد_القصابة_شحود_ شحادة_سابا_سعيد _أبو سعدى_سكر _طبجة_ خروفي _قطان _لحود_ منصور_ مبارك _نزال_ عودة_ سلمون _نعمة_ سماحي_ مفرّج_ جحا_
وعائلة شهية التي انتمي إليها “سلفادور شهية”، الذي عمل قنصلاً لدولة البيرو في فلسطين بين عامي 1927 و 1945 م.
وعائلة “جعجع” وصلت إلى ليما عام 1905 م، و عائلة “وردان” في “تشيكلايو” وعائلات حداد ونعيم وأبو غصن، وصلوا إلى “إيكيتوس” أثناء ازدهارها بتجارة المطاط، قادمين من البرازيل.
أما عائلات سوسان، حنا، فضول، اليازجي، وحسين الحجار، وصلوا من الإكوادور، وعائلة مخلوف من بوليفيا (سوريون)، بينما وصلت عائلة ميخائيل نعمة من تشيلي عام 1921م.
ولا بد من الإشارة إلى وجود هجرة عربية حديثة إلى البيرو من دول مختلفة، كالعراق ومصر واليمن والمغرب، وإن كانت بأعداد قليلة؛ وتحتاج دراستها إلى عمل ميداني وجهد ليس بيسير.
“في الحلقة القادمة: حقائق صادمة عن تاريخ الوجود العربي في دولة البيرو”.



