مقالات

العرب في بوليفيا.. الجزء الثالث..

عبد الناصر طه/ فنزويلا
خوان لاشين (حنّا شاهين) الجزّيني
الحلقة الأولى: النشأة والثورة
عند ولادته، لاحظت أمه عينيه المفتوحتين، بلونين مختلفين، فأسرّت إلى من كان حولها أن طفلها لديه عيون كل من السيد المسيح وراسبوتين، ومستقبله معروف؛ وهكذا كان، لم تخطىء الأم في توقعاتها، لأن حضوره في تاريخ بوليفيا الحديث كان على درجة بالغة من الأهمية والخطورة.
ولد حنّا شاهين في منطقة “كوروكورو”، التابعة للعاصمة البوليفية ” لاباز”، عام 1914، والده خوان لازين رحيّم، مهاجر لبناني من بلدة جزين الجنوبية، ووالدته “لا تشوليتا خوانا أوكندو”.
منذ فترة شبابه الأولى، كان يرتدي الملابس الأنيقة دائما، بدلات من الجوخ الإنكليزي الفاخر، وأوشحته ذات علامات تجارية عالمية، أما قبعاته فكانت باريسية الصنع؛ ما دفع إلى التساؤل إذا كان ذلك الرجل الأبيض الوسيم الطويل، هو الشخص ذاته الذي قاد الكتلة الأقوى والأكثر رعبا في بوليفيا: عمال المناجم.
وأوضح صورة له، نراها فيما كتبت عنه المؤرخة البوليفية “لوبّي كاخياس”، في كتابها “خوان لاشين، قصة أسطورة”: (كانت الصورة السائدة هي صورة عامل لا يعرف الكلل، عامل في النهار وبورجوازي في الليل، كان يعتبر مدهشا، حتى أطلق عليه: مدهش المناجم).
وفي ظل ندرة المصادر العربية حول سيرته الذاتية، لم أجد سوى فقرة واحدة في قصة عن عرب البرازيل، يقول فيها مغترب لبناني لرفيقه: “هناك في بوليفيا المحاذية للبرازيل من جهة الغرب، رجل لبناني يدعى خوان لاشين، واسمه الأصلي حنا شاهين، وهو لبناني مثلنا، مسقط رأسه جزين في الجنوب. أنشأ ميليشيا عدد أفرادها عشرون ألفاً، وهو الآن يحكم هذا البلد من وراء ستار، لا يخشى الجيش النظامي أو أي قوة أخرى”. (الملعونون. قصص قصيرة، تأليف عوض شعبان، دار الفارابي، ط (عام 2012، صفحة 105).
وعرف من عائلته التي تكونت من خمسة أشقاء، شقيقته “كلارا”، التي تزوجت من “إدوارد دهني”، أحد صناعيي التعدين في “أورورو”، وكان شخصا مهما في المدينة، فاز بمنصب عمدتها عدة مرات، وكان من الداعمين المشجعين له.
وعن بداياته، فقد درس في المعهد الأميركي، وهناك تعرف على صديق عمره وشريكه السياسي “سيلس سوازو”، الذي أنشأ برفقته “الحركة الوطنية الثورية”، والذي وصل إلى رئاسة الجمهورية مرتين (1956 و 1983).
وكان لاعبا رياضيا مرموقا، تفوق في لعبة كرة القدم في نادي راسينغ كلوب كاتافي، ليصبح فيما بعد كابتن وقائد المنتخب الوطني، ناهيك عن مشاركته في مباريات كرة السلة وكرة الطائرة.
آنذاك، كانت دولة بوليفيا رائدة في إنتاج القصدير، وفي سيطرة شبه تامة على هذا المعدن في السوق العالمية، من ثلاثة أشخاص هم: سيمون باتينيو، وكارلوس آرامايو، وماوريسيو هوتشيلد، أولئك الذين عرفوا بلقب بارونات القصدير، حين صاروا من أصحاب المليارات على دماء عمال المناجم، الذين كان معظمهم من أبناء الفلاحين، وطلاب جامعيين، اضطروا إلى طلب الرزق في مناجم ومجاري “أورورو” و”بوتوسي” و”كاتافي” وسيغلو إكس إكس”، وهنالك حالف الحظ “خوان لاشين” أن يعمل برتبة ميكانيكي.
الرئيس البوليفي هرنان سيلس سوازو
عام 1932، نشبت حرب الشاكو El Chaco بين بوليفيا وجارتها الباراغواي، وشارك فيها كثير من شباب الجالية العربية ومن المتحدرين، ولعل أبرزهم القائد العسكري “أنطونيو سلامة”، و”لاشين”، الذي عاد جريحا من أرض المعركة بعد هزيمة الجيش البوليفي عام 1935 م. وخسارة مئة ألف قتيل.
تلك الحرب أدت إلى خلافات وشرخ كبير بين قادة الجيش النظامي، جعلته يرتهن إلى بارونات القصدير ويتبع أوامرهم؛ وأدت تلك الهزيمة في المقابل إلى انتفاضة فلاحية عمالية، ابتدأت بإضراب تحول الى حركة احتجاج قمعها الجيش بشكل دموي، سقط على إثرها 400 قتيل من عمال منجم “كاتافي”، حيث كان يعمل “لاشين”.
عام 1944، ساعده صديقه “سيلس” في الوصول إلى منصب نائب حاكم منطقة، تضم أهم منجمين في بوليفيا، ما هيّأه للوقوف في وجه بارونات القصدير، وقرّبه من عمال المناجم، الذين دعوه إلى المؤتمر الأول، حيث استطاع إنشاء “الفيدرالية النقابية لعمال مناجم بوليفيا (FSTMB)”، وانتخب سكرتيرا عاما، واستطاع الحفاظ على منصب الأمانة العامة في مؤتمراتها اللاحقة؛ وأصبح بعد ذلك رمزا لعمال التعدين والمناجم.
واعتمادا على الأفكار اليسارية التروتسكية، وضع أنظمة الفدرالية، بما يناسب الطبقات المحرومة؛ وتفاديا لمجزرة مشابهة لمجزرة “كاتافي”، كان قراره تسليح كل أعضاء النقابة استعدادا لمواجهة التحديات، إلى أن تجاوز عدد حاملي السلاح من أعضائها أربعين ألفاً.
يتبع: الحلقة الثانية (خوان لاشين، الثورة).
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى