العروبة والإسلام.. توأم رحم الوجود.. الجزء”1″

خاص “المدارنت”..
ما يزال الجدل الفكري، والتنافس الوجودي، والتناقض الثقافي قائم وحاضر بين العروبة والاسلام، مع بداية عصر السباق نحو تبعية التدرج لاعتلاء المناصب، بداية عصر الاستعمار والوانه، العسكرية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية… الخ.
اضف الى ما كانت عليه اليهودية من أحقاد أهلها، وعصبتهم القومية ضد باقي شعوب الارض، تجسيدا لنرجسيتهم العنصرية، على امتداد تاريخ الوجود البشري. اننا سنعمل جاهدين إلى بيان وحدة التلاقي والتلاحم بين ذلك الجدل العقيم، بل المدمر، بين العرب كقومية، وبين الإسلام كدين منزّل من رب السموات والارض، حيث الانطلاق من نقطة محورية، تجسدت بها روح الإنسانية وتكاملها، فيما أوحى به الله سبحانه، ونصّه بكتابه العظيم.
لا شك، أن ظهور الإسلام، قد أحدث منعطفا تاريخيا في حياة الجماعة العربية، فقد أنجز لهم وحدتهم، ثم جعل لهم قيادة الشرق، فكرّس عملية تجديد حضاري، بعد أن صوّر حالهم المتصارع، إذ كانوا كالفريسة الكسيحة، يخافون أن يتخطفهم أعداء الامة، من فرس وروم، زد على ذلك، تعدد اللهجات القبلية التي مزقت جدار وحدة لغتهم، باعتبارها أهم وابلغ روابط القومية لدى الشعوب عامة، ولكن، وبعد وحي الرسالة الاسلامية، فقد اخذت اللغة العربية تنمو وتتحد، ثم راحت تستقطب ما يغني الثروة اللغوية، فكانت أداة تفاعل وتوافق بين القبائل، وأيضا اثّرت ايجابا في عملية التقارب والتفاهم العربي، ومن الجانب الديني، وما جاء به الإسلام، من فرض ولزوم عبادة الله الواحد الأحد، فقد أخرج العرب مما كانوا عليه من تعدد العبادات لتعدد الآلهة، التي جسدت حالة تمزّق الهوية العربية وتشتتها.
من هنا، انطلق مؤكدا على سبيل مناضلو العروبة، انما يندمج مع سبيل متديني شريعة الإسلام. فالسبيل واحد، والمرجع اصل، والأصل أصل الوجود. فهل تجرّد أحدكم وبحث، واكتشف أسرار ذلك التلاحم الفكري، والاندماج الثقافي، ووحدة الوجه الحضاري؟ هل ينكر على نفسه، كل من يحمل لواء العروبة، من جهة، وينكر على نفسه، كل من يحمل بيرق الدين، من جهة ثانية، أنهم أبناء اللغة العربية الفصحى؟
إذن، كان لا بدّ، بداية،من بيان مكانة اللغة العربية الفصحى عند الله تعالى، حيث يفرض التشريع الإسلامي على كل من يؤمن بالاسلام، ويتبع رسوله (ص)، أن يتعلم اللغة العربية، لغة الكتاب الالهي، لغة القرآن العظيم، الذي اوحاه تعالى اليه، وأمر من دان بدينه، أن يتعبده به، ويتلوه، بصلاته وبغيرها، ويتدبره ويتامل معانبه، وكل ذلك يتوقف على معرفة لغته واتقانها، وهذا يعني ضرورة معرفة وإتقان اللغة العربية.
أضف الى ذلك، أن العرب هم من حملوا بيرق الإسلام وبلّغوا دعوته، بلغتهم، وعلموا من اعتنقه، أحكامه وتشريعه ولغته. وبقيت الحال حتى غلب الأعاجم العرب، وسلبوهم الملك. فتوقفت الدعوة وضعف العلم بالعربية، وانقطع التواصل بكتاب الله، إلا من رحم.
هنا تجدر الإشارة، إلى وجوب تعلم اللغة العربية على جميع المسلمين، بسبب نزول القرآن العظيم بلسان العرب، لا يخالطه فيه لسان، والحجة في قوله تعالى: “وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم” (ابراهيم/4). ونزيد بيانا: ربما من يقول: إن الرسل (قبل محمد)، كانوا يرسلون إلى قومهم بخاصة، وأن محمدا (ص) ارسل للناس كافة. وهذا يعني احتمال أن محمدا (ص) بعث بلسان قومه بخاصة، فيكون لزوم من يؤمن بالاسلام كافة أن يتعلموا لسانه، اي اللغة العربية، أو ما يستطيعون منه. وللبيان ايضا، انما الألسن مختلفة إلى حد لا يفهمه بعضهم من بعض، وهذا يعني أن يكون بعضهم تبعا إلى بعض، ويكون الفضل في اللسان المتّبع على اللسان التابع، وأولى الناس بالفضل في اللسان، لسان الرسول محمد(ص).
وهكذا وجب اتباع لسانه العربي، إذ كل اهل دين اتباع لغته في دينه. وقد بيّن الله تعالى ذلك في كتابه الكريم، بقوله: “…انا أنزلناه قرأنا عربيا لعلكم تعقلون”. يوسف/2
” وكذلك أنزلناه حكما عربيا…” الرعد/37
“… وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ”. النحل/102-103
انظر الآيات القرآنية التالية: الشعراء /192- 199 # الزمر/26-27 # فصلت/1-3—44# الشورى/7 # الزخرف/1-4 #
لا شك انها آيات محكمات هن أم الكتاب ،وأنها آيات قطعية الحكم في كون أن القرآن العظيم، عربي اللغة، وهذه الآيات نطقت بنصوص صريحة واضحة، لا تحتمل التأويل، ولا تقبل التبديل، ولا التحويل، وأن الله تعالى، هو الذي أنزل هذا الكتاب، وجعله آخر كتبه، وهو الذي اوحاه قرأنا عربيا، بلسان خاتم انبياءه ورسله، بلسان عربي مبين، وعلى هذا البيان، فإن مقتضى الحال، يقضي بالا يقوم الإسلام إلا باللغة العربية الفصحى، والعكس يلزم ذلك.
ومما تقدم.. نعم لقد أحدث الإسلام في الواقع العربي تغييرا جذريا شاملا وعميقا، ففي الدين كان التوحيد الإلهي في أرقى صوره، وأكثرها تجريدا وتنزيها، وفي السياسة كانت الدولة العربية الاسلامية أداة العرب الأولى في توحيد جماعتهم في وحدة قومية. فالصلة وثيقة بين التوحيد الديني والتوحيد القومي السياسي، وكأنها عملة ذهبية قد صكها الاسلام، احد وجهيها يمثل التوحيد الديني، والآخر يمثل التوحيد القومي، وتكمن أهمية ذلك فيما وضعه الإسلام، من معايير لمضمون إنساني شديد التقدم، فصبغه بطابع حضاري متطور. حيث أخرجه بصيغة انسانية عالمية، إذ بعقائده وتشريعه، تخطى دوائر الألوان والأجناس والقوميات، على الرغم من أن قيادة نشر دعوته قد عقدت العرب، كما انه كدين سماوي، أنكر على من يتبعه، اي نوع من انواع الفرقة والتفرق، وجعلهم أمة واحدة، لقول الرسول (ص) : “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
=-=-=-==-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



