الغموض القانل!

خاص “المدارنت”..
عندما تتصفّح ما يعرض على صفحات التواصل الإجتماعي من نصوص مختلفة، يلفتك ذلك الكمّ الوفير من المنشورات الشعرية التي يتنافس أصحابها في استعراض ثمار قرائحهم، منتشين بما يحسبونه ابداعًا جليل القيمة والإعتبار.
وتأتي قائمة الإعجاب والمعجبين الطويلة لتنفخ فيهم المزيد من الزهو والغرور؛ مع أنّ معظم تعليقات الإشادة والإعجاب لا يدفع إليها استحسانها للنصّ، بقدر ما تنطوي عليه من التملّق لصاحبه.
لعلّ من أبرز ما يميّز النصوص لدى شعراء الحداثة هو خصوبة الخيال، والغوص بعيدًا في أعماقه، واستخدام لغة الرمز والإيحاء.
لا شكّ في أنّ خصوبة الخيال ورمزيّة اللغة والإيحاء، لا تمثّل عيبًا في القصيدة الحديثة، بقدر ما تحمل من غنى وثروة جمالية وافرة؛ فأن يدهشك التعبير الشعريّ لأوّل وهلة، وتلفي نفسك إزاء معان لا صلة لها بالمنطق والواقع؛ ولكنّها تهزّك وتبعث فيك حافزًا لتعقّب أبعادها، لتكتشف حقيقتها ومصادرها في الواقع، فتغمرك إذّاك لذّة الإكتشاف، وتجتذبك اهداف الشاعر الكامنة.

والشاعر الفذّ، هو الذي ينتزعك من ذاتك، ويزجّ بك في عالم الروعة والإعجاب؛ فإذا بك تهتزّ لكلمته، فتصفّق، ويرتفع هتافك عاليًا.
لكنّ الشاعر الذي يظنّ نفسه ممتلكًا ناصية الشعر مع جهله بالاستخدام الأمثل لأدواته، ويستسهل عملية الإبداع الشعريّ، لمجرّد حيازته مخيالًا خصبًا، وقدرة على تركيب صور غامضة تنسجها مخيّلته، هو شاعر يسيء الى موضوعه وإلى الفنّ الشعريّ إساءة بالغة.
وإذا استعرضنا ذلك النتاج الشعريّ الذي تزدحم به صفحات التواصل، نقع على نصوص مغرقة في خياليتها، وصور يلفّها الغموض، وإيحاءات يصعب العثور على مفاتيحها وفضّ مكنوناتها.
لا يفوتنا أنّ الغموض مزيّة مطلوبة في النصّ الشعريّ؛ لكنّه إذّاك غموض شفّاف، تتراءى خلفه الحقيقة الناصعة.
أمّا ذلك الغموض الذي يبلغ درجة الإبهام، حيث تتحوّل معه القصيدة الى جملة طلاسم، تستعصي على الفهم، فهو غموض قاتل يطيح بجمالية القصيدة، ويقضي على ما أوكل لها من دور.
ولا تنأى نصوص الكثيرين من منتحلي صفة الشاعرية على صفحات التواصل، عن هذا الغموض القاتل؛ فمن أين للقارئ أن يفكّ هذه الطلاسم، ويميط اللثام عن أسرارها الخبيئة؟! ومن أين له بالتالي، أن يتأثّر بمبتغى الشاعر، أو بالقضيّة التي يسعى الى إيصالها إليه، والى الآخرين؟!
لا شكّ في أنّ صفحات التواصل لا تخلو من شعراء حقيقيين، ومن نصوص موفّقة ذات غموض إيجابيّ بنّاء، وإيحاءات شفّافة، تمكّن من اجتذاب المتلقّين واستثارة ما لديهم من مشاعر الإعجاب والإنجذاب، فلا ننكر على هؤلاء قيمة إسهاماتهم الشعريّة في خدمة قضيّة الفنّ وقضايا الانسان والمجتمع.
أمّا الذين قادهم جموح الخيال في منشوراتهم إلى الإغراق في الغموض الذي يكاد يبلغ حدود الابهام، فابتذل الفنّ الشعريّ في تلك المنشورات، وغاب وجه القضيّة المحوريّة في ظلمة غموضهم الدامسة؛ أمّا هؤلاء فالأحرى بهم أن يدعوا الشعر لأهله حفاظًا على الكلمة الشعريّة الراقية، والفنّ الذي يشهد لعظمته النقّاد جميعًا.



