مقالات

الــحيـــاديــة..

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

 

لفتني منذ فترة قريبة، ما أطلقه البطريرك الماروني بشارة الراعي، وتبنّيه “الحيادية”، أو ما يتمنى هو أن يكون موقف لبنان بأكمله، وقررّت أن أتعمّق في البحث عن هذا المفهوم. ولأنّ تجربتي في الحياة أرشدتني الى اعتناق وتبنّي فلسفة اللاعنف، تَحتّم عليّي بشكل تلقائي وضع نظّارة على عينيّ تُلزمني رؤية العالم بأكمله من زاوية اللاعنف، أنتقد/ أؤيّد/ أدعم/ أرفض/ أقبل.. أي موضوع أو موقف أو مفهوم يُطرح أمامي أضعه فورًا في ميزان اللاعنف، لأعرف مدى قربه أو بعده من اللاعنف؟

وطبيعة الحال فإنّ البطريرك لا عنفي. فمن المُتعارف، بأن أيّ رجلَ دينٍ بمقام رفيع مثل البطريرك وهو مرجعيّة دينية لرعيّته، باعتقادي لا بدّ من أن يكون مُتعمّقًا باللاعنف.

لذا أردت ان أتناول في مقالتي هذه، موضوع “الحيادية”. وفي هذا الزمن، زمن “الفاست فوود”، لا بدّ من ” غوغلة” ما نبحث عنه. والخطوة الأولى ذهبت إلى الويكيبيديا لأرى المعنى المقصود لغويًّا فكانت النتيجة: “دولة حيادية: هو عدم الانحياز أو الميل في الموقف إلى طرف أكثر من آخر، خاصة في نزاع أو حرب، إلخ. وبناء عليه، لا يشارك المحايد في المواجهات المسلحة أو في التبادل الدبلوماسي أو السياسي.”

وبشكلٍ عام، فالحياد هو عدم الانحياز الى رأي على رأي آخر. وحكمًا، لا بدّ أن تكون الوسائل الاعلامية قنوات لمختلف الآراء والتوجهات. ومهما كثُرت الآراء وتنوّعت، فباستطاعة قناة واحدة أن تنقل كثرة الآراء، وما أقوله ليس في الدولة الأفلاطونيّة، بل في أي دولة تحترم معايير الديموقراطية، بغضّ النظر عن نظام الحكم فيها.

وفي عودة إلى موقف الراعي، الحيادية ليست “إشكاليّة”، وبمنطق رجل دين وقور ملتزم هي أقرب إلى مبدأ يسعى إلى تحقيقه. ولو نظرت نظرة شيطانية وعن سوء نيّة لقلت ببساطة للبطريرك: هل تطمح لولادة لبنان “ثالث” على يدك كبطريرك؟ أسوةً بالإعلان الأول لدولة لبنان الكبير 1920 في عهد البطريرك الياس الحويّك، ولبنان الثاني 1943 في عهد البطريرك أنطوان عريضة. ليس هذا شأني، فالتاريخ يُسجلّ أي إنجاز لأي مُنجِز وينصفه تمامًا، وبحيادية. فالتاريخ ليس شعيًّا أوسنّيًا ولا أرثوذوكس أو كاثوليك!

أيها البطريرك المُحترم، الحياديّة التي ذكرتها، يمكن أن تُقدّر في دولة يحملُ أبناؤها هويّة واحدة، هي إجماع للمكوّنات كافةً. والهويّة الوطنية تكون ثابتة ومُستقلّة تمامًا. فأكذوبة “قوّة لبنان في ضعفه”، ما هي إلاّ تعمية لأبصارنا عن حقيقة الضعف. فضعفنا ليس بالمساحة الصغيرة والسلاح القديم والطائرات الحربية الأثريّة. انّ ضعفنا مرتبط بعدم القدرة على إتّخاذ القرار المناسب للوطن.

فالوطن أصبح أجزاءًا، تستمدّ مصطلح وطنيّتها من إيمانها وتبعيّتها للجهة الخارجية كي لا أقول الإقليمية. فتّحنا أعيننا على أمور بديهية ننتظر القرار من الخارج لنعتمدها.

نحن على مشارف عيد الأضحى، وهو منعلّق بطقس ذبح الأضاحي، خلال أداء مناسك الحجّ. وعلى الرغم من ذلك من يتبع السعوديّة ينتظر إعلانها عن يوم العيد، وكذلك يفعل من يتبع المُعسكر الإيراني. كي لا أغوص بالخلاف الديني في لبنان، من حقّ البطريرك كرجل دين، أن يُطلق موقف الحيادية في عظة الأحد. ومن حقّ الناس فهم الدعوة هذه بتجرّد وبحيادية، من دون وضع العصي في الإطارت.

أعجبُ من الشباب الواعي والمُثقّف الذي “يتنمّر” على موقف البطريرك عبر وسائل التواصل الإجتماعي. فالبطريرك ليس مسؤولاً عن تسييس المواقف النابعة من معتقده الديني الذي يتبعه ويؤمن به. وبمعزل عن المسار الديني لموقف الحياد. فأنا أدّعي العقلانية، فعقلي يُقرّر ماذا أريد، وقلبي يربطني بأهدافي عاطفيًّا. ليس سهلاً أن تكون عقلانيًّا في زمن التهوّر والطيش، لدرجة أنّ البعض يستغرب لبسكَ “كمّامة” في وسيلة نقل عامة، ومن قال أنّي أحمي نفسي من عطساتهم، بل أحميهم من عطساتي.

فالحيادية في الاعلام، ان تكون الوسيلة الاعلامية منبر للتعددية، وعدم الانحياز الى جهة مقابل أخرى ولو بشكل مستتر، وفسح المجال امام الراي والراي الاخر، لتحقيق اهداف شتى، تسهم في تكريس الموضوعية الاعلامية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى