مقالات

الــهــــــويــــــة والــــدجـــــاجـــــــة.!

  ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

الهوية ليست مجرّد دجاجة، وقد يسخر كثيرون من جمع هذين المصطلحين في تعبيرٍ واحدٍ معًا. ولكنّ السخرية على متن وسائل التواصل الاجتماعي تأتي مضاعفة بشكلٍ لا يُصدّق، وقد لا تُحمد عُقباها فيما بعد.

فهي ليست مُجرّد تنمّر يُرتكب من طلاب الصفّ على طالب، مُختلف عنهم بالشكل أو المضمون. فالسخرية التي يتناولها الناس “على أي أحد، قد تُفسّر في علم النفس على أنّها ناتجة عن عقدة نقص. وحين يعاني الإنسان من عقدة النقص هذه ليصبح سلوكه (اللفظي وغير اللفظي) سلبيًّا على الآخرين.

لقد تلقيّت عبر تطبيق الواتساب رسالة، هي عبارة عن فيديو قصير، عن طفلٍ يُدعى “حسين”، ولمن لم يُشاهد الفيديو: أحد الأشخاص يصوّر طفلاً ويحاوره، وما أزعجني جدًّا، هو إني رأيت انتهاكًا مُريعًا للطفولة، وكي لا أقع في فخّ التفكير المؤامراتي، وبغضّ النظر عن “مُرتكب” هذا الفيديو، لم تخطر ببال أحد من متداولي هذه الرسالة (الفيديو)، كم تحمل من علامات السخرية من هويّة اللبناني القروي البسيط، الذي نشأ على فكرة أساسيّة، ألا وهي عداوته الأيديولوجيّة للإسرائيليين.

إن غالبيّة أهالي الجنوب، وبسبب قربهم الجغرافي من فلسطين المُحتلّة، اعتادوا على التجاوزات الإسرائيليّة، فيومًا نسمع قصفًا على البيوت والأبرياء، وآخرًا على بستانٍ أخضر أو أراضٍ مزروعة.

الطفل حسين، كتب هويّته الوطنية من دون أن يستخدم اللغات المنمّقة والمؤدلجة. ومن دون أن يقرأ قصيدة أو يُغنّي أغنية للوطن، كلّ ما يعنيه وبصدقٍ خالص، هو حبّه الصادق للدجاجات التي ابتاعها له والده. والصدق واضح عند حسين، الذي يسرد بطلاقة كيف يهتمّ بالدجاجات ويطعمها ويعتني بها. ولا يدري حسين بأن الحريّة حقّ مقدّس، لكنّه يعي تمامًا بأنّ من حق الدجاجات أن يفتح لها باب القِنّ لتخرج و”تسرح وتمرح” في الطبيعة.

لم يتعلّم حسين في المدرسة دروسًا عن الوطنية، وما يزال صغيرًا ليقرأ عم المفاهيم الحقوقيّة والانسانيّة، أو ليخضع لدورات عن المواطنة وحقوق الإنسان. فالانتماء يبدأ من دائرة صغيرة وهي الدائرة الشخصيّة التي تتضمّن الاسم، والصفات الشكل والمضمون. وما تفعله المدرسة هو عملية تعليم، وغالبًا تُفرض من طرف واحد غير تشاركي.

ولكن الأثر الأقوى عند الطفل حسين، يأتي من بيئة يكبر وينمو بها ويعتاد عليها مع شعوره بالأمان. فالأمان هو مفتاح النموّ السليم. حتّى لو كان عادة وروتين، فهي صحيّة طالما غير مفروضة بالإجبار.

أُعجبت بعفويّة حسين، فهو الوجه الحقيقي لوطن، أبعدوا جنوبه عن شماله عن بقاعه عن بيروته! براءة حسين وصدق انتمائه، أعادا إلى ذاكرة أُذني أصوات الناس التي التقت بشوارع لبنان من جميع محافظاته، لتصرخ من جوعٍ حقيقي للانتماء الصادق، البعيد عن أيديولوجيّات تابعة للخارج الطمّاع، من دون الالتفات إلى الداخل الحقيقي الصادق.

أي نعم أيّها الرائع حسين، أمارس مواطنتي بالتزام قويّ، وأبذل جهدي كي لا أدوس على رأس وطني الغريق، كي أزيده غرقًا، لكنّ ينقصني دجاجة كي أتعلّق بها، وأصرخ بوجه الكيان الغاصب والأمم المُتّحدة: أنا أنتمي الى دجاجتي، أعيدوها لي أيّها السارقين. وكما قال محمود درويش لهم عن محمّد الدرّة:

.. كان في وسع صيّادٍهٍ أن يفكّر بالأمر

ثانيةً، ويقول: سـأتركه ريثما يتهجّى

فلسطينه دون ما خطأ..

أقول للعالم: أعيدوا الدجاجة الى حسين، كي يتابع حبّه لها ويهتمّ بها: لتأكل وتلعب وترقص..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى