مقالات

الــهــويـــة الــحــقــيــقـيــــــة

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..

من دون الدخول في جدلية التعاريف المختلفة لكلمة ,,هوية,, لغويا أو اصطلاحا أو فلسفيا أو غيرها من التعريفات والتصنيفات المختلفة والمتعددة, فإنها ببساطة شديدة وباختصار شديد تعني شعور الفرد بالإنتماء الحسي والوجداني والنفسي وحتى الجسدي لمجموعة ما ,سواء كانت تلك المجموعة أسرية أو اجتماعية أو طبقية أو فئوية أو عرقية أو دينية أو سلالية أو جهوية أو نوعية جندرية أو وطنية أو قومية أو عالمية ….الخ.

يجد ذلك الشخص فيها ومن خلالها ذاته ويعبر من خلالها على متطلباته المادية والمعنوية وكينونيته الوجودية. بمعنى: أن يكون الإنسان الفرد هو نفسه ,متناسقا ومتناغما ومتطابقا مع ذاته. ويمكن تقسيم تلك الهوية بحسب أثرها وتأثيرها إلى صنفين، هما:

الصنف الأول: هوية سلبية، وهي تلك الهوية القائمة على أساس النوع أو العرق أو الطائفة أو الفئة أو الدين أو المذهب أو الأمة.. إلخ. بمعنى ,,الهوية العصبية الضيقة والمقيتة,, والتي تقوم أساسا على استبعاد الآخر والتعالي عليه والنظر إليه بدونية حقيرة مفرطة وعدم القبول به, كل ذلك يتم وعيا قبل سلوكا, وقد يصل الأمر إلى إلغاء وجوده المادي الحياتي.. إلخ, بما لذلك من آثار سلبية خطيرة على الإنسان الفرد أولا ومن ثم ونتيجة لذلك على الإنسان المجتمع ثانيا,سواء في إطار المجتمع الواحد والأمة الواحدة أو في إطار المجتمع العالمي والأمم الأخرى.

الصنف الثاني: الهوية الإيجابية، هي تلك الهوية النابعة من الإحساس بالآخر والتعامل معه والنظر إليه والحكم عليه باعتباره ,,إنسانا,, أولا بغض النظر عن إنتماءه العرقي أو الطبقي أو الفئوي أو الجهوي…إلخ, وبغض النظر عن لونه ومعتقده ونوعه ومذهبه…إلخ. بمعنى ,,هوية إنسانية,, تقدس إنسانية الإنسان أينما وجد وحيثما حل وارتحل, تنتصر لمظلوميته وتدافع عن حقوقه وتقف بجانبه عندما يتعرض للضيم والجور وعندما تنتهك إنسانيته وآدميته.. إلخ.

إن لكل شعب من الشعوب وكل أمة من الأمم هويتها الخاصة بها، تعبر من خلالها عن وجودها وكينونيتها, ولا يمكن لها بأن تنهض أو تتقدم إلا بإدراكها تلك الهوية, ولن تكون تلك الهوية حقيقية إلا إذا كانت هوية إيجابية ,,انسانية,, بعيدة كل البعد عن التعصب والشوفينية والصورة النمطية السلبية تجاه الآخر.

وإذا نظرنا إلى واقعنا كمجتمعات وكشعوب عربية لوجدنا بأننا نعاني من أزمة خطيرة ,,أزمة هوية,, سواء فيما يمس الهوية الوطنية الجامعة كبلدان عربية أو الهوية القومية كأمة مكتملة. إن الهوية الوطنية الجامعة لبلداننا العربية هي الركيزة الأساسية لبناء الهوية القومية لأمتنا في إطار تعددية الثراء والاثراء لها, فلا يمكن لتلك الهوية الوطنية الجامعة بأن تكون هوية حقيقية فاعلة متفاعلة ومؤثرة، إلا إذا نمت وترعرعت في إطار الهوية القومية, متناسقة ومتناغمة معها وجزءا أصيلا منها, تحترم حقوق الإنسان وتقدس حريته وتحافظ وتصون كرامته, هوية قومية غير متعصبة وغير شوفونية تتفاعل مع الآخر وفقا لإنسانية الإنسان وآدميته أينما وجد وحيثما حل وارتحل بدون تمييز, هوية قومية تعبر عن تراث الأمة الحضاري الحقيقي دون إغفال الهويات الأخرى واحتقارها والتقليل من شأنها, تؤثر فيها وتتأثر بها…

لا هوية وطنية جامعة حقيقية، إلا إذا نمت وترعرعت في كنف الهوية القومية وفي إطارها, ولا هوية قومية حقيقية إلا إذا نمت وترعرعت في كنف الهوية الإنسانية وفي إطارها…. ولا يمكن لذلك بأن يكون ويتم إلا إذا تعاملنا من الإنسان الفرد ونظرنا إليه باعتباره,, إنسانا,, في المقام الأول والأخير… الإنسان.. أولا.. كلن-يعني-كلن.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى