مقالات

الفلسفة السياسية للتعليم.. ستّة أسئلة

د. صابر جيدوري/ فرنسا
خاص “المدارنت”..
في المدينة التي أُقيم فيها في فرنسا يوجد ما يشبه (الحراج) في السعودية، ولكن بشكل منظم، حيث توجد صالات كبيرة لبيع المفروشات والأدوات المنزلية والتلفزيونات والبرادات وأمور كثيرة، ومن بين هذه الصالات توجد صالة لبيع الكتب المستعملة، والأفلام الميكروفلمية المخزن عليها الكثير من الأبحاث العلمية، وكذلك السيديهات، ومع أنني ذهبت أكثر من مرة إلى المكان غير أنني كنت اتحاشى الدخول إلى صالة الكتب، لأنني لا أعرف اللغة الفرنسية (لا محادثة ولا قراءة ولا ترجمة)، وكل ما أعرفه هو بضع كلمات وعبارات استعين بها في حياتي اليومية.
منذ أسبوعين قررت الدخول إلى صالة الكتب، وسألت السيدة الموجودة هناك عما إذا كان يوجد كتب في اختصاص التربية والتعليم، فقادتني إلى المكان المخصص لهذا النوع من الكتب، ثم قمت بفتح تطبيق الترجمة على الجوال لأتعرف على عناوين الكتب على الأقل، فوجدت الكتاب المرفق صورته وهو بعنوان: (الفلسفة السياسية للتعليم: ستة أسئلة) ل ماري كلود بلايس و مارسيل غوشيت و دومينيك أوتافي، وهو كتاب يقع في مجال اختصاص الأصول السياسية للتربية، وقد كُتب عن هذا الاختصاص كتب وابحاث كثيرة في الوطن العربي.
المهم اشتريت الكتاب بواحد يورو، وعدت إلى البيت، وبدأت اتصفحه عبر ترجمة تطبيق الجوال. الكتاب هو إجابة عن ستة أسئلة، كان السؤال الأول منها يدور حول “قضية التربية كسؤال فلسفي La question de l,education comme Question philosophique”، وفي إجابتها عن هذا السؤال تشير “ماري كلود بلايس” إلى أهمية مراجعة فكرة العقل في تاريخ الفكر التربوي وتكريسها في التعليم المدرسي، وركزت على فلسفة ديكارت العقلية ودورها في التعليم الفرنسي، وأن المواقف التعليمية كافة بحاجة إلى العودة إلى الفلسفات العقلية، وبخاصة داخل الخطابات المتخصصة، ونقدت ندرة وجود فلسفة للممارسة التربوية، وأن الأفكار الفلسفية أقل ترسخا في القضايا العملية منها في القضايا النظرية، وأن الطريقة التي يتعلم بها الطفل هي الطريقة التي يرجح أن يكتسب بها العقل المعرفة.
هنا طرحت مثال روسو وكانط، وقالت: إن الأول استطاع أن يوضح الطريقة التي يتشكل فيها التلميذ كمواطن، ولكنه فشل في توضيح ذلك على مستوى الممارسة التربوية العملية، وكذلك كانط، نجح في توضيح شروط الوصول إلى الوعي المستقل، ولكنه فشل في تجسيد هذا الوعي على مستوى الممارسة التربوية العملية.
أما السؤال الثاني الذي يطرحه الكتاب فهو سؤال يتصل بالمشكلات التي يعاني منها التعليم الفرنسي في تعليم مبادئ الجمهورية La question de La Republique، وفي الإجابة عن السؤال تشير ماري كلود بلايس إلى التوترات الناشئة عن فكرة الجمهورية وفكرة التعليم الديمقراطي، وأن مثل هذه التوترات تتضح بين الخاص والعام، وبين الفرد المجرد والاعتبار الضروري للاختلافات الثقافية، وأنه إذا كان صحيحا أن الرابط بين التحرر الفردي والروابط الاجتماعية، وبين الحرية والعدالة، وبين وحدة الجمهورية (أو المدرسة) وتنوع المواطنين (أو التلاميذ)، فهنا يجب التفكير في تعارض المعرفة فيما يتصل بالتربية والتعليم والوحدة والتعددية.
ثم تُشير إلى أن هذه الازدواجيات تخفي التوترات الحقيقية عندما نكون بصدد إصلاح التعليم، والحجاب الإسلامي، والعنف في المدرسة، وترى أن كل واحدة من هذه المشكلات تحتاج إلى إصلاحات حقيقية، وفهم أفضل لأسبابها، وما يوضح النقطة الأولى الخاصة بإصلاح التعليم هو الصراع الحاصل بين ما يريده اليسار وما يريده اليمين من التعليم.
أما النقطة الثانية، فهي تتصل بقلق المعلمين في التعامل مع مجموعات سكانية من التلاميذ متنوعة ثقافياً ودينياً وعرقياً، ومن ثم فإن المعلمين الذين يعلمون في فصول دراسية غير متجانسة يواجهون صعوبات تضطرهم إلى تنويع طرق التدريس، والأنشطة التعليمية، والمعارف التي يقدمونها لتلاميذهم في مثل هذه الفصول الدراسية. أما النقطة الثالثة التي تتصل بالعنف المدرسي فتردها بلايس إلى عدم تجانس التلاميذ داخل الفصول الدراسية، وتلقيهم تربية أسرية تختلف من أسرة إلى أخرى تبعاً لاختلاف الخلفية الثقافية والدينية لكل أسرة.
ما تريد بلايس قوله في إجابتها عن سؤال الجمهورية هو أن هذه المشكلات يجب ألا تؤثر على مبادئ الجمهورية الفرنسية وقيمها، وأن الكراهية والعنف يجب إلا تسود الفصول الدراسية، مؤكدة على ضرورة أن تعكس المناهج الدراسية التسامح والتعددية والسلام الاجتماعي والحوار، وأنه يقع على مسؤولية التربويين أن يبلوروا فكرا جديدا قائما على علمانية الدولة.
أما السؤال الثالث، فكان يدور حول سؤال الطفل La question de L,enfant، والإجابة عن هذا السؤال عرضتها مارسيل غوشيت من خلال تأكيدها على استيعاب وتنشيط وتحصين ما هو حقا إنسانيا وروحيا وأخلاقيا للطفل، ولا تعترف بوجود أي نشاط آخر، فالطفل بالنسبة لها هو صورة الله بعيدا عن اعتباره صفحة بيضاء نكتب عليها ما نريد كما يقول لوك، فهي تعتبر الطفل على العكس من ذلك، قوة حقيقية حية نشطة من تلقاء نفسها، والتي من خلال اللحظة الأولى للوجود تعمل على تنظيم نفسها. وترى أن الطفل يستطيع ترتيب تقدمه الفكري، وتكوين عقله لاستيعاب المعرفة، وعلى المدرسة أن تؤمن بذلك ولا تشكك به.
في حين كان السؤال الرابع عن مسألة المساواة La question de L,egalite، للإجابة عن سؤال المساواة تطرح مارسيل غوشيت سؤالا آخر عن كيف نجعل مدرسة الجمهورية مدرسة للمساواة كما يجب أن تكون، وترى أن المساوة هي الإيمان المركزي للمجتمع الفرنسي. إنها مبدأ وأفق الديمقراطية في الوقت نفسه، حيث يؤكد المبدأ على المساواة في الكرامة والحرية المتساوية لجميع الأفراد (التلاميذ)، ويقلب جذريا العلاقة القديمة بين الفرد والجماعة، ومن ثم فإن مبدأ المساواة هو المدخل الحقيقي لمواجهة مجتمع الرتب والطوائف التي أعطت الأولوية للمجتمع بدل الفرد. ولذا تؤكد أن أساس تنظيم المجتمع الديمقراطي (المدرسة) هو الفرد (التلميذ) موضوع الحقوق، والقادر على التعاقد مع أفراد مجتمعه أو مجتمع مدرسته، وبذلك يصبح مجتمع المدرسة مجتمعا حرا، والتلاميذ فيه أندادا لبعضهم، وفرص التعليم متاحة أمام الجميع.
أما السؤال الخامس، فكان حول الثقافة La question de La culture، وقد قدم الإجابة عنه “دومينيك أوتافي” الذي أكد على ضرورة التمييز بين المعرفة والثقافة داخل الفصول الدراسية، حيث أشار إلى أن المدرسة تتعامل أكثر مع المعرفة الضرورية، في حين كانت الثقافة التي تشكل التوسيع الحر للآفاق الشخصية أقل اهتماما.
من ناحية أخرى، فإن اكتساب المعرفة يحسن عقلية الفرد (التلميذ) بفضل قاعدة المعرفة المكتسبة وما بعدها، بينما يشير الطلب على الثقافة الموجه مؤخرا إلى المؤسسة التعليمية إلى أهمية أن يكون لهذه الفردية (التلميذ) رأسمالها الثقافي، لما لهذا الجانب من آثار إيجابية على عملية التعلم. ومن ثم لا بد من تحرير المعرفة المحبوسة داخل المدرسة، والمنفصلة عن الحياة الواقعية للثقافة من خلال انفتاح المدرسة على الثقافات المجتمعية الأخرى.
وأخيرا كان السؤال السادس عن المواطنة La question du civisme. وفيه يطرح دومنيك مجموعة أسئلة فرعية مثل: ما هو بالضبط المطلب الضروري من التعليم المدني الذي يتم قبول عائده الضروري بالإجماع تقريبا؟ هل يتعلق الأمر بالتدريب على الكياسة، وهل هي مقدمة ضرورية للمجتمع؟ أم هو الارتقاء إلى مستوى الأخلاق؟ أم هي مسألة تتصل بتعزيز المواطنة؟
ثم يقول: كل هذا مطلوب لبناء مجتمع مدني، فهو بلا شك التربية الأخلاقية والمدنية التي يجب أن تتمتع بها الجمهورية، وخلاص المدرسة يمر بالبعد المدني والمواطن الذي نريد خلاصه من القمع الأخلاقي. لقد حان الوقت لإعادة الاعتبار للنقد الفلسفي بمعناه الحقيقي بعيدا عن الشك السهل والحروب التلقائية. كما يجب إعادة النظر في كل مستوى من مستويات العلاقة مع الآخرين، والشرط الأساسي هو إعادة تعريف التنشئة الاجتماعية في تناسقها المميز، والتي تفتح شعورا بالتعايش مع الآخر المختلف، والكياسة التي تجسد الاعتراف بكرامة الآخرين، والأخلاق التي تؤسس شرط المعاملة بالمثل بمعنى المسؤولية والمواطنة، لتسجيل هذه القيم المختلفة في التنظيم السياسي. عندها فقط يمكن ربطهم ومتابعتهم معا بشكل فعال.
بقي أن اختم بالقول: إن ما ورد سابقا هو إجابات مختصرة جدا جدا عن الأسئلة الستة التي طرحها الكتاب تمت ترجمتها عبر تطبيق الترجمة على الجوال، ثم قمت بإعادة صياغتها مع الحرص الشديد على الأفكار الرئيسة التي وردت في الكتاب.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى