اللغة العربية أداة اللحمة بين الاسلام والانتماء ودرب الرقي.. الجزء (3-5)

الحضاري
ان التفاعل الحضاري والتعامل بين لغات الأقوام، أمر طبيعي ومحمود، مع شرط الاحترام المتبادل، إذ كل ما نريده لأمتنا العربية ونطلبه، إنما هو التعاون الثقافي، وليس التبعية، التي يمارسها العدو بشتى الوسائل. فالتحديات ضاغطة متلاحقة، دافعة بنا (كامة) إلى خيار الاستسلام والرضوخ، لأسباب ما أصابنا من فرقة وتنازع وتلاشي.
أما العكس في ذلك، من حيث الذهاب إلى الوحدة والاستهداء إلى تطبيق ما تملكه الامة من أسباب وجودية، كالالفة والوحدة والقوة، المادية والمعنوية، والتي بها نجاهد وبها نحيا وتنتصر. وذلك عن طريق تأصيل الأصول، ونخص تأصيل المناهج التعليمية، ثم تعطيها حقها في إنتاجية لغوية راقية، كما ينبغي، وتتجه لتفعل فعلها في تكوين الشخصية العربية، المتزنة الواثقة، والقادرة على الابداع والابتكار، ثم إظهارها بصورتها المعهودة، بشخصيتها المتعلمة العالمة. وهكذا يصبح الخيار _ لدى الامة_ واضح البيان في الكيفية، في التخطيط، من أجل استعادة حقيقة مقومات الامة الحضارية، والملخصة في لغتها الفصحى، وفي عقيدتها الايمانية الانسانية، والتي (المقومات) لا تتناقض مع حقائق العلم التي تسابق العصر، إنما تغذيه وتدعمه
لقد أنتجت اللغة العربية الفصحى_ قبل الاسلام_ فكرًا غنيًا، وثراء ثقافيا رفيعا، مما اوجد مفكرا وعقلا ناضجا، صنع المراكز الثقافية والمنتديات الفكرية والمعلقات الشعرية، ولكن! في يومنا، ناسف لما أصاب أمتنا من تخلف عن ركب حضارة الامم، صناعة وعلوما وفنون، مما جعلها هدفا سهلا لسهام خصوم العربية _لغة وانتماء _ من فرنجة ومتفرنجين، بزعمهم أن لغتنا العربية عاجزة عن تلبية متطلبات العلوم الحديثة، لذلك وجب ابقاءها، تحت الوصاية العالمية وبصفة التبعية، ولكن الحقيقة ظاهرة لكل متبصر مستبصر، تثبت جدارة وكفاءة اللغة العربية، وتفرد ميزات قدرتها على صنع وابتكار العلوم، واستعابها لها، على انواعها وكافة مستوياتها، بسبب غناها بالمفردات والتراكيب، كما وتملك طاقة التوسع والتطور عن طريق الاشتقاقات والتوليد، وتملك ايضا، طاقة النحت والقياس والتعريب.
للبيان، فإن مدنية وحضارة العرب الحديثة، أي العربية الإسلامية، فقد اعترف بها الكثير من علماء الافرنج، والفوا كتبا بذلك. امثال: (خلاصة تاريخ العرب) للعالم (سيديو) وكتاب (حضارة العرب) للعالم (غوستاف لويون) وايضا كتابه: (تطور الامم).
فاللغة اساس حيوي لعلاقات البشر العلمية، فاللغة جوهر عملية التواصل والتفاهم والتآلف والتدبر والتفكر، يعني اصل تبادل العلوم والثقافات، لذلك نؤكد إلى أي نوع من الإخفاقات اللغوية، تؤدي حتما الى تعطيل تلك المفاهيم كلها، وتفاديا لذلك الخلل، يتطلب اختيار الفصحى مادة علمية رسمية، ذات الدقة والوضوح. فالمعاني تختلف باختلاف وعي الإنسان ودرجة نضجه الفكري، وهذا الاختلاف يؤخذ على الأفراد الذين لم ينضووا تحت رمزية الامة ، عقلا وجماعة، وعليه، ذهبت المعاني والدلالات تتفكك وتضيع داخل متاهات الفرقة والتفرد، فكانت سببا رئيسيا في تخلف الامة عن الركب الحضاري.
هنا وجب التنبيه، إلى أن حضارة العرب والاسلام، هي التي صنعت أوروبا الغرب، حضارة وثقافة، فأكثر علمائها تتلمذوا على أيدي علماء وفلاسفة العرب المسلمين، في غرناطة وطليطلة، حيث علت منارات الاشعاع العلمي الحضاري، أنذاك، ولكنهم كغربيين، أنكروا على العرب المسلمين ذلك الفضل الانساني، وبلغ بهم الكره والحقد، أن جيشوا الجيوش، وكانت الحروب الصليبية الطائفية البغيضة.
ومن جهة ثانية، نلحظ إلى أن اللغة العربية راسخة في القِدم، ومجدها شامخ في الحضارات القديمة ولها بصمات لديها، امثال: الفراعنة والفينيقيين والاشور والكلدان والبابليين. وشواهدنا آيات القرآن الكريم، التي تبين الآثار الحضارية في فن البناء وغيره من نحت وزخرفة. انظر الآيات: الشعراء/ 128_ 134. هود/ 53 . هود/ 61. سبا /15. الشعراء/ 146_149. وغيرها الكثير. وعليه، نؤكد أن العربي دائم التحرك بدافع وباعث حضاري منذ فجر التاريخ.
رغم كل تلك الإمكانات، هوت اللغة العربية من عليائها، واستمر الضعف والهزال، إلى أن ظن الظانون أن أمتنا العربية إلى زوال، وهذا ما يأمله الاعداء، داخليا أو خارجيا، شرقا وغربا، ولكن علت الصرخة الى صحوة فكرية وجودية، إلى نماء عقل جماعي عربي، إلى تطور فطري، من خلال مسار لغوي سليم، نقدا وتصحيحا وبناء، لإنتاج منهج فكري ونضج عقلي يعمل على مواجهة التحديات الماسكة بأعماق الامة، ثم يجعل حقائق الماضي، من أصالة فكرية وثوابت علمية وجواهر شرعية واخلاقية، واقعا حيا لمستقبل مجيد. إذ العقل العربي علمي في برهانه، كوني في رؤبته، فطري في بصيرته، يقيني في دعوته، اجتماعي في حكمته، وانساني في غاياته. انظر كتاب: “العقل العربي..” للكاتب أحمد موسى سالم.
إنني من المؤمنين بضرورة التعريب وإحلال اللغة العربية، محلها الطبيعي في حياة الإنسان العربي اليومية، منذ الطفولة حتى الكهولة، إذ كل ما تحمله اللغة، إنما يعتبر العنصر الأساسي والجوهري في تكوين الذاتية الإنسانية الفردية، وتعمل على صقل الأنا لديها.
وقصد التعريب، أي تعريب المناهج التعليمية، مع ضرورة نقل المصطلحات العلمية، هو أن تعلم الإنسان العلوم بلغته اقوى مردودًا وانتاجا، وأبعد اثرا في البناء والتكوين، مع الإشارة إلى أن اللغة العربية قد اعتمدت لغة عالمية على المستوى الدولي، كما وفرضت نفسها لغة للناس كافة، كونها لغة القرآن العظيم.
وأذكر هنا، ما قاله الشاعر العربي (حافظ ابراهيم) على لسان اللغة العربية، ردا على عقوق العرب للسانهم:
وسِعتُ كتاب الله لفظا وغاية
وما ضيّقت عن آي به وعظات
فكيف اضعَفُ اليوم عن وصف الة
وتنسيق أسماء الاختراعات
انا البحر في احشاءها الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
فلا تكلوني للزمان فإنني
اخاف عليكم أن تحين وفاتي.




