المالية و”تسجيل الاهداف”..!

خاص “المدارنت”..
كنت في السابعة عشر من عمري، حين تابعتُ -على التلفاز طبعًا- بطولة الأمم الأوروبية في العام 1988، وكنتُ من مُشجّعي فريق الإتحاد السوفياتي (قبل الإنهيار) في تلك البطولة، وعلى الأرجح لأسباب موروثة أيديولوجيًّا.
وقد تأهّل السوفيات الى نهائي البطولة مع الفريق الهولّندي، الذي هزمه في الدور الأول في البطولة، وكانت المرّة الأولى التي سمعت مثلاً شعبيّا كنت اعتقده لبنانيًّا فقط. فقد صرّح حينها كابتن الفريق الهولّندي “رود غوليت” (ولا زلتُ أحفظ اسمه وشكله حتى الآن) للإعلام: “الحمار لا يتعثّر بالحجر مرّتين”.
وكان يشير حينها إلى الهزيمة التي مُني بها منتخبه في الدور الأوّل مع منتخب الإتحاد السوفياتي. والحيرة التي تملّكتني الآن، بعد متابعتي لأخبار فئة لبنانية مُصرّة على التمسّك بحقيبة المالية للمشاركة بالحكومة. هل المثل المذكور أعلاه يؤخذ به في المجال السياسي؟ السياسة التي رسمت دوائرًا شوّهت حقيقة العمل السياسي في لبنان. لا أتحدّث عن حقيقة وهمية، بل انا اعتمدت على العلم، فتعريف مصطلح السياسة في المعجم.
وقد بحثت عن المصدر الاشتقاقي (فعل ساس) ساسَ: (فعل) سُسْتُ، أَسُوسُ، سُسْ، مصدر سِيَاسَةٌ سَاسَ الدَّوَابَّ: اِهْتَمَّ بِتَرْبِيَتِهَا وَتَرْوِيضِهَا والاعْتِنَاءِ بِهَا سَاسَ أُمورَ النَّاسِ بِالحَقِّ: تَدَبَّرَهَا، تَوَلَّى تَدْبِيرَهَا وَتصْرِيفَهَا فلو اعتمدت هذا المصدر العلمي وتبعت منهجيّته لظهر معي بأن الخطأ ليس بتفسير معنى السياسة في لبنان، بل في الخلط بين المعاني الثلاثة الواردة في المعجم.
فلو كان رجل السياسة في وطننا الحبيب “يسوس” من مصدر سياسة، نراه يتهمّ بالشعب كما تكون “التربية والترويض والاعتناء..”. كما يقتصر تحقيق المعنى الثالث (سَاسَ أُمورَ النَّاسِ بِالحَقِّ: تَدَبَّرَهَا، تَوَلَّى تَدْبِيرَهَا وَتصْرِيفَهَا) من قِبل رجل السياسة على جمهوره فقط. ويكون حينها جمهوره مشابه لجمهور فريق كرة قدم، يُهلّل فقط لتسجيل الأهداف في مرمى الخصم، ولا يعنيه تحقيق الأهداف الأسمى لصالح الناس.
والفرق واضح بين علم السياسة وعلم الرياضة، ففي الرياضة يتعلّم الرياضي (في العالم الغربي) قبل المهارة والإحتراف، أن يتقبّل الخسارة لأنها واردة في الألعاب الرياضية، فلا يمكن للرياضي أن يخوض مباراة فارضًا شروط الحصول على حقيبة “المالية”.
فلو يتعلّم خصوم السياسة في نهاية أي مباراة أن يتوجّهوا ويتصافحوا، لعرفنا من هذه المصافحة بأن الجميع تقبّل الخسارة والربح، شريطة أن يُحاسب الخاسر إذا كانت دائرة خسارته مؤثّرة سلبًا على الوطن.
وكما المُدرّب يستفيد من أخطاء لاعبيه ليتفاداها في المباريات التالية، فلا بدّ للسلطة الحاكمة أن تُصححّ خطأها، فكما قال “رود غوليت” كابتن منتحب هولندا” في العام 1988 بأن الحمار لا يتعثّر بالحجر مرّتين. لا أؤمن بالصدفة والمصادفة، لكن لا أعلم إن كانت تعني شيئًا في موضوع الإستفادة من الأخطاء هنا.
فالصدفة جعلت الحادثة بين دولة أوروبيّة تؤمن وتُطبّق الحرية مع ابناء شعبها، من دون الخوض في السياسات والإيديولوجيّات التي لا تقبل الإعتراض من أحد. وبين الدولة التقدّمية التي تنفّذ الحكم الإشتراكي منذ بداية الثورة البلشفيّة، والتي اختصرت تعنّتها في عدم قبول الإعتراض من أحد، على عدم إعادة النظر في أخطاء فريقها الذي فاز في الدور الأول!! وهل الذي يفوز يخطئ؟ بل يأتيه شعور (فردي وجماعي) يشبه نشوة النصر التي تغلق عينه وحسّه النقدي، ليعيد التفكير في مساره الحياتي (سياسة ورياضة).
المحاسبة ضرورية، وليست حكرًا على الخاسر. فلا يمكن لطوائف لبنانية أن تعاير الطائفة الشيعية على العجز الذي كبّدت لبنان أثناء استلامها حقيبة المالية. وأنا أعلم أن الطوائف الأخرى قد تكون حاولت المحاسبة، ولكن النظام الفاسد سيطر على الجهاز القضائي، وعرقل المحاسبة.
من الغريب أن يُطبّق المثل الشعبي (محور حديثي) فقط في عالم الفساد! فالحمار الهولّندي الذي لا يتعثّر بالحجر مرتين، يبكي على “الفرسان” الذين حصدوا ثروات من الحقائب نفسها، ولم يتعثروا بها.
=======================



