مقالات

المجد للدويلة.. الخزي والعار للدولة!

د. جهاد الترك/ لبنان

“المدارنت”
عذرا أيتها الدويلة. كثر كثيرون جدًا يودّون إعادة النظر في بنية هذه “الدويلة”. يريدون أن يقتربوا منها؛ من طبيعتها؛ من ماهيتها كما يقال في التفكّر الفلسفي الذي خرج من لبنان، ولم يعد. والأرجح انّه لن يعود في هذه الألفية. فقد حلّ محلّه تفكير “لميليشيا” ومخازن الأسلحة وتسطير الاعتقالات. هرب الفكر من لبنان من فوهة بندقية؛ ثم دُفن عميقا جدًا برفقة الشهداء والأطفال والحيوانات النافقة.
نزح الفكر من الدولة التي كانت؛ واختبأ في الدويلة الفتية الناهضة. صارت الدويلة تصدّر الى الدولة فكرًا مسمومًا متآكلا أسوة بالقمح الذي تُستدرج به الجرذان تمهيدا لقتلها. دويلتنا في لبنان، متخصصة للغاية في تدريس ونشر هذا الفكر القاتل.
دويلتنا؛ أقامت جامعات للطلاب المقتدرين. هل يستطيع أحد أن يتنكّر لمؤسسات الدويلة وحاجاتها الملحّة الى من يتلقّى علومها. هذا أضعف الإيمان. من يستطيع ان يصادر طموحها لتكوين نخبها التي سترث، بالضرورة الجهد والتعب والانجازات.
الفساد يغزو المنطقة قاطبة من دون استثناء؛ ويحقق نجاحا مبهرا تقشعرّ له الأبدان. ففي البلد الذي كان يُسمى في الماضي القريب “سويسرا الشرق”؛ اصبح الفساد يتطلع بدعم كبير من الزمرة الحاكمة الآتية الى السلطة على أجنحة الجشع، الى تقليص المسافة نحو الثراء الحرام؛ لا فرق لدى هذه العصابة بين الحلال والحرام؛ همّها استعجال الخطى نحو تغيير التاريخ الكلاسيكي الذي درج عليه لبنان الى تاريخ يصنعونه هم، الى قوانين يسنونها هم، الى قيم مبتذلة يروجونها هم، باختصار، يدعو الى الإحباط، يسعون الى محاولة محو لبنان الدولة وإرساء لبنان الدويلة.
ولا يزال الناس، كل الناس، يترقبون عبثا قيام الدولة التي وُعدوا، مساكين نحن الناس البسطاء، لا يعلمون أن الدولة المنتظرة لن تأتي البتة، طُردت من بيت أبيها ذات يوم، وبعضهم يؤكد انه رآها تُذبح، بعد أن اعتدي عليها بالتناوب.
اليوم؛ يأتي من الفراغ ومن القمامة من يزعم انه اختير بالقرعة؛ ثم يتوجه كالوحش الكاسر الى المصطبة المصنوعة من حطب الجحيم، يجلس شاغرا فاهه كمن فقد ذاكرته؛ يحلم بالطعام اللذيذ والأموال الحرام.
هُجرت دولتنا مع الأوراق الصفراء ذات خريف، منذ تلك الفجيعة الأولى يتناوب على الناس أشباح يُطلق عليهم أسماء مضحكة كثيرة، رؤساء، وزراء. نواب، سفراء، اللائحة طويلة جدا، تبدأ من غابات الأرز صعودا ونزولا طولا وعرضا لتصل الى بوابات الجحيم ولا تقف عند عتباتها.
هذه اللائحة تشكل البنية التحتية للدويلة، من أسف أن هذا النتوء الخبيث بطل أن يكون دويلة، أنه الدولة الجديدة المرتقبة؛ والأصح القول إنها الدولة بكامل مواصفاتها وبناها ورجالاتها ورعاياها.
هذه هي الدولة التي نتكدّس فيها، ونحن نحلم ليل نهار بأن الدولة عائدة لا محالة والدويلة زائلة لا محالة.
كيف تقتنع هذه الحشود الغفيرة هذا الرعاع المليوني؛ بأن الدولة التي يمنّون النفس بها لم تعد قائمة البتة، لقد ولّت من دون رجعة، مزقّوها نتفا، مثلوا بجثتها ابشع تمثيل، لم يعد لها أثر، دُفنت بما تبقى من رمادها المحترق.
حققّت الدويلة نصرها التاريخي مرة، والى الأبد؛ اما الدولة فقد سقطت بالنقاط، والمهزلة ان الناس ما يزالوا يراهنون على قيام كالدولة من تحت الأنقاض، ولكن ثمة انتهازية مثيرة للإعجاب، صحيح إن “البشر” يراهنون على إعادة إحياء الدولة المرحومة؛ غير انهم يتصرفون ويتحركون ويروحون ويجيئون، ويتلون صلواتهم في كنف الدويلة، وتحت انظارها، ويدعون لها بطول العمر، ويدافعون عنها كلما دعت الحاجة الى ذلك.
انها شريعة الاقوى والأدهى والأقدر على ممارسة النصب والاحتيال والتشدّق، باسم لبنان، وأرزته الخضراء في التجمعات المشبوهة.
ما الحلّ لاستعادة الدولة المسروقة؛ عند منتصف الليل؛ من دون ان ننشر في الصحف التافهة: رجاء البحث عن دولة مسروقة سقطت سهوا من جيوب اللبنانيين.
للأسف.. إن سرقة كهذه لا تُرد ولا تُبدل ولا يُصرّح عنها في الأساس، ومع ذلك، هناك حيلة واحدة من شأنها ان تنقذ الدولة من الهلاك!
والمؤسف حتى النخاع الشوكي؛ أن استردادها متعذر، ما لم يجر التفاوض مع “الحرامي” الذي سرق الدولة.
إذا صحّ الاعتراف بأن الدويلة؛ هي التي ارتكبت فعل السرقة؛ فإنها هي نفسها من سيقدم على إعادتها.
الاستعادة هنا لا تتم بنقل الدولة من مكان الى آخر، ليست الدولة صندوقا للنفايات تحمله بكلتا يديك لتلقي به هنا او هناك، الاستعادة في هذا المجال هي اتمام المعاملات المطلوبة والحصرية، لنقلها الى ملكية الدويلة التي اصبحت هي الدولة الأم، لم تعد الدويلة دويلة؛ والدولة لم تعد دولة، تبادلت الاثنتان المواقع، مع فارق أساسي جوهري وحقيقي هو: ان الدويلة التي أصبحت الدولة الأم، قادرة على استمالة مثيلتها التي كانت دولة والعكس ليس صحيحا.
الدويلة؛ هي الغول القادم من كنف الأقدار المستجدة، أما تلك التي كانت تُسمى اعتباطًا دولة، فهي الشبح المذعور الهارب تحت جنح الظلام الى رماد المجهول.
والأرجح، أن المضي من الدولة الى الدويلة؛ ليس أمرًا شائكًا، ولا عملية مستحيلة، يحتاج الناس او البشر او الرعاع او الذميون من كل الفئات، او المتكدسون على قارعة جهنم، أو المنسيون في أنفاق الموت الى تطبيق معادلة بسيطة غير حسابية، هي انّ الانتقال الى عالم الدويلة المدهش، يتطلب خطوة واحدة فقط لا غير، دعسة غير ناقصة؛ تأخذك من زمن الى زمن آخر، تخلع من ذهنك قبل الولوج ما تيسّر من ذاكرتك “الإيديولوجية”، تلقيها في اول سلة للمهملات تصادفها، لعلك لن تحتاج الى سلة اخرى، لأن مخزونك في الذهن يتقلص تلقائيا.
تخرج الى رحاب الدويلة؛ بمزاج مختلف. برغبة نهمة في الحصول على كل شيء، فجأة تصبح أنانيًا شريرًا، كثير الاستحواذ على ما ليس لك، تنظر بعين الحقد والكراهية الى القوانين. ترى فيها ما لا يتجانس مع طموح الفرد، يأخذك الندم على مواقفك السابقة إزاء المختلسين والمرتشين والحرامية؛ لقد اصبحت بقدرة قادر واحدًا منهم.
وأنت قابع في قعر الدويلة؛ ترى هذا الرئيس أو ذاك المليء حتى الثمالة بفضلات الطعام، فهو من الابطال الميامين في تكسير الأرقام القياسية والموازين، طولا وعرضا.
وأنت تتأمل السماء المكفهرة من على كرسيّك الوثير في حدائق الدويلة؛ تتذكر ما يُسمى حصرية السلاح بيد الدولة، تشعر بالغثيان الثقيل إذ يتبادر الى ذهنك فورا أن يديْ الدولة قُطعتا، اصبحت الدولة بلا يدين، وثمة من يتبجح بالقول ان الجيش “سوبرمان” العصر، تأخذ نفسا عميقا جدا، وتقول في سرّك ما أحلى القدوم الى الدويلة؛ حيث لا حاجة الى نزع السلاح، ومطاردة الحرامية والتندّر على المخالفات التي يندى لها جبين الشرفاء.
لا حاجة للشرف والشرفاء والقوانين في رحاب الدويلة، لا حاجة للانتخابات واصوات المغتربين، لا حاجة لأموال المودعين، المصارف أحقّ بها من أصحابها، لا بأس من استهلاك أعمارنا وحرقها كاملة من أجل الّا نظفر بها، ليس من العار في ظلال الدويلة الّا ينال المرء حقوقه المكتسبة.
لا بأس من ان ينقلب الرؤساء على خطبهم ومواقفهم ووعودهم، حيث تقوم الدويلة، يتحرّر الدستور من القيود الاخلاقية والسياسية.
في الدويلة؛ غالبا ما تنتظر “المؤسسات” اشارة واحدة من الرئيس، لتنطلق في اعمالها، وقد لا تأتي هذه الإشارة، فيبقى كل شيء على حاله، حتى ولو قامت القيامة.
القوانين في الدويلة؛ تُستهلك كالفستق والمكسرات في سهرة واحدة، لا داعي للقلق من مضمونها وعواقبها، في الدويلة يأتي الرئيس الى مكتبه كما يرتاد غرفة نومه، ملامح نابضة برغبات مشبوهة، شهية لا تعرف الشبع والاحجام، أحلام وردية، توقع بالأخصام ومخططات جهنمية للاستئثار بأموال الدولة.
رؤساؤنا تحت أعلام الدويلة؛ يأنفون من القراءة، يضيقون ذرعا بالكتاب، يقرأون انفسهم فقط، يفتخرون بأنهم لا يقيمون وزنا للثقافة، وإذا أُثيرت امامهم جدالات فكرية يثرثرون كالببغاء.
هذه بعض من خصال رؤسائنا في الدويلة/ الدولة، ويسألون ويتساءلون عن أسرار غياب الدولة.
ايها اللبنانيون، الشرفاء وغير الشرفاء؛ والعصاميون والسفلة؛ والقابعون في منازلهم، ينشـدون الستـر ومخافـة الله؛ والحراميـة والأنـذال والمستزلمـون والمراهنون بكراماتهم واموالهم وأولادهم على دوام الدويلة؛ واظبوا على ما انتم عليه، لا بد من أن تسود دويلتكم في نهاية المطاف.
يا ايّها اللبنانيون المجد للدويلة؛ والخزي والعار للدولة.

المصدر: صفحة الكاتب على منصة “ميتا/ فيسبوك”

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى