المشروع العربي بين براثن الحكام..

خاص “المدارنت”..
كان نهج أنور السادات وحسني مبارك، القاعدة الأساسية التي أدخلت المشروعَ القوميّ العربيّ في متاهاتِ الإقليمية، وزواريبِ الفساد والافساد، حيث دخلت العائلة والأصحاب والمُوالين، وشركاء التجارة، الى دهاليز السلطة، فصار أمر البلاد الى جماعاتٍ لا تعرف للوطن معنًى، ولا تُقيم للأخلاق وزنًا، ولا تبقي للإنسان دورًا وأملًا في ممارسة الحياة والتفاؤل في الآتي من الأيام.
في نهج آخر، مختلف نسبياً، سار، أيضًا، معمّر القذافي في ليبيا وجعفر النميري في السودان وحافظ الأسد في سوريا وصدّام حسين في العراق، حيث نشأت مركز قوى استخباراتيّة، تحت مُسَمّيات مختلفة، مارست التسلُّط والقهر والاذلال، وعبثت بحقوق الانسان من دون الاكتراث للانعكاسات التي قد تترتّب على تلك الافعال، من تخريب في ولاء الشعوب وتطلُّعاتِها، نتيجة للنهج القمعيّ لهذه الانظمة والسلطات، نشأت اجيال من العرب، مشحونة بالحقد والكراهية واليأس من المستقبل، تتمنّى تغيير السلطة بأيّ وسيلة – حتّى وإن جاءت عبر الخارج أو منه بشكل مباشر.
كلّ ذلك أسهم في سيادة اجواء من التوتُّر وعدم الاستقرار وخوف من الغد ورعب مجتمعيّ؛ حيث صار الجار يشكّك في جاره و الاخ تملأهُ الريبة من أخيه – الى ان فُقِدَت الثقة بين الناس، وانتهى الوطن الى مجرّد تعبير لفظِيٍّ فارغ المضمون، فاقدِ الولاء تتقاذفُهُ اهواء العابثين بمصير البلاد و العباد.
أمّا المتضرر الاكبر من هذا النهج الكارثيّ كله فكانت فلسطين وقضيّتها؛ حيث تحولت ثورتُها التي رأت فيها الشعوب العربية، بعد غياب جمال عبدالناصر، الى كرَةٍ تتقاذفُها أرجُل الفساد والسلطة والأهواء الشخصية بعدما كانت الامل في قيادة المسيرة النضاليّة، نحو النهوض الشامل، من أجل التصدّي للمشروع الصهيونيّ الاغتصابيّ الاستعماريّ، الذي يهدِّد الكيان الوجوديّ بتاريخه و حاضره ومستقبله.
خاضت الثورة الفلسطينية، بقيادة حركة فتح وياسر عرفات، وكل الفصائل الأخرى، حروبًا فدائيّة كثيرة وطويلة، داخل الكيان الصهيونيّ وخارجه، وقدرت على بعث القضيّة الفلسطينية في كلّ زوايا العالم و وضعها تحت المجهر الرسميّ والشعبيّ، بشكل لا يدع مجالًا للتجاهل واللامبالاة.
استمرّ كفاح الفلسطينيين المستميت من خلال العمليات الفدائيّة، من داخل لبنان والاردن، بدعم عدّة دول عربية، وبدعم الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكيّة، ودفع الشعب الفلسطينيّ آلاف الشهداء والتضحيات الجسام، في سبيل تحرير الارض التي يعتبرها كلّ العرب ارضًا مقدسة تمّ اغتصابها وتشريد شعبها.
كان الفلسطينيّون مقاتلين أشدّاء بتدريب جيّدٍ وتسليحٍ متنوع، وتنظيمٍ قادر على خوض كلِّ انواع الحروب، ومواجهة كلّ الظروف مهما قسَت وتنوّعَت. كانوا دولة متنقِّلة وتشكيلات عسكريّة وأمنيّة منتشرة حيث تدعو الحاجة؛ يخترقون حدود الدول والشعوب والمجتمعات والمؤسّسات والأفراد، الى ان اصبحوا امرًا واقعًا في عدة دول عربية – منها لبنان والاردن على وجه الخصوص – وجب التعايش معه والاعتراف بوجوده وقوّته، فضلًا عن حقِّه وعدالة قضيته.
لم يطُل الامر كثيرًا حتّى بدأ المشروع الصهيونيّ، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، بالالتفاف على تلك الثورة الفلسطينيّة، العربيّة الابعاد والامتدادات، من خلال الانظمة التي تتواجد على أرضها وفي مرمى نيرانها أو استخباراتها او مواقع هيمنتها.
في خلال سنوات قليلة، تمّت تصفية الثورة الفلسطسينيّة، بكلّ فصائلها، جسديًّا ومعنويا، من خلال الانظمة في سوريا والاردن ولبنان ومصر وغيرها، الى ان انتهى بها الامر في أحضان اسرائيل من خلال اتفاق أوسلو.
بذلك، انتهى حلم الشعوب العربية في التوحُّد حول قضية مركزيّة كبرى، كانت مركز جذب واستقطاب لا جدال حوله ولا فيه، ودخلت البلاد العربيّة في مستنقع الانعزاليّة القطرية، بعدما رفع ياسر عرفات شعار القرار الوطنيّ الفلسطينيّ المستقلّ – ربما تحت ضغوط اميركا وإسرائيل وبعض الحكّام العرب، وكثير من اليأس – فصارت شعارات التجزئة والتوقيع هي عناوين المرحلة، فانتهى الامر الى الاقتتال العربيّ العربيّ، ثمّ داخل كلّ دولة وكل فئة وكل حزب وكلّ بيت.
كلّ هذا كان من ضمن خطط شارك فيها وبتنفيذها حكاّم ومسؤلون عرب وعجم؛ خدمةً لمواقعهم، وبالتالي، خدمةً للمشروع الصهيونيّ الذي ينهشُ في الجسم العربيّ بأدوات من الداخل، وبتواطؤٍ من الجيران والاقارب والاخوة في الدين والملّة.
=======================



