“المقاومة” التي لا تستند لدولة قوية تقود شعبها للهلاك!

خاص “المدارنت”
هناك فارق كبير بين مقاومة تحمل مشروع تحرير حقيقي، وبين مقاومة تتحول، من حيث تدري أو لا تدري، إلى ذريعة يستخدمها العدو لإطالة عمره السياسي والأخلاقي أمام العالم. هذه ليست دعوة للاستسلام كما سيحاول البعض تصويرها، وإنما محاولة لقراءة موازين القوى كما هي لا كما نتمنى أن تكون.
التاريخ نفسه يقول إن حركات التحرر المسلحة التي نجحت لم تكن تتحرك في الفراغ. لم تنتصر بالبندقية وحدها. كان خلفها دائماً ظهر سياسي ودولة قوية وسند دولي وقدرة على خوض معركة طويلة الأمد.
ما كانت الجزائر لتتحرر من الاستعمار الفرنسي، بعد 135 عاماً من الاحتلال لولا الدعم المصري الهائل، بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر. الرجل لم يكتفِ بالخطب ولا بالتعاطف الإعلامي وحده. استدعى قادة الثورة الجزائرية إلى القاهرة وفتح لهم معسكرات التدريب ومخازن سلاح الجيش المصري ووضع ثقل مصر السياسي والإعلامي في خدمتهم. يومها كانت مصر دولة مشروع تمتلك جيشاً وتأثيراً عربياً ودولياً وإذاعة تخاطب ملايين العرب من المحيط إلى الخليج. لذلك استطاعت الثورة الجزائرية أن تتحول من مجموعات تقاتل في الجبال إلى قضية دولية أنهكت فرنسا العظمى نفسها.
الأمر ذاته ينطبق على القضية الفلسطينية في بداياتها. ففي قمة القاهرة يناير من عام 1964، دعا عبد الناصر القيادات الفلسطينية للعمل على تأسيس إطار سياسي وعسكري جامع، فكانت ولادة “منظمة التحرير الفلسطينية” في أيار من العام نفسه. لم يكن المشروع الفلسطيني يومها يتحرك وحده. كانت خلفه دولة عربية مركزية تمتلك حضوراً فعلياً في المنطقة والعالم. وحتى خلال أحداث أيلول الأسود تدخّل عبد الناصر سياسياً لوقف المجزرة بحق الفلسطينيين في الأردن، ثم رحل بعد ساعات من توديع الوفود العربية، وكأن الرجل استنزف آخر ما لديه وهو يحاول منع انهيار البيت العربي.
وفي فيتنام، لم يكن “هو شي منه” يقاتل الولايات المتحدة بقدرات محلية فقط. كان هناك دعم صيني وسوفييتي مفتوح بالسلاح والمال والخبرات والديبلوماسية. المعركة لم تكن بين فدائيين وجيش أمريكي فقط، وإنما جزء من صراع دولي كبير فرض على واشنطن في النهاية الانسحاب.
حتى جنوب إفريقيا لم تسقط فيها منظومة الفصل العنصري بالكفاح المسلح وحده. صحيح أن نيلسون مانديلا حمل السلاح في مرحلة من المراحل، لكن الحسم الحقيقي جاء عندما تحولت القضية إلى عبء أخلاقي عالمي على النظام العنصري عبر الإعلام والعقوبات والمقاطعة والعزل السياسي الدولي.
اليوم تبدو الصورة مختلفة تماماً في فلسطين ولبنان. هناك مقاومات تقاتل بعنف وشجاعة، لكن من دون حاضنة دولية حقيقية أو دولة مركزية قوية مستعدة لدفع أثمان المواجهة. لا توجد قوة عظمى تقف على منبر الأمم المتحدة دفاعاً عن الفلسطينيين، وهي تمتلك أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل. ما يجري في كثير من الأحيان أقرب إلى إدارة صراع إعلامي طويل. خطابات نارية وبيانات شجب ودعم محسوب بالسقف الذي لا يهدد التوازنات الدولية. حتى إيران التي ترفع شعار المقاومة تعرف جيداً حدود الاشتباك المسموح به وحجمها الحقيقي أمام المنظومة الغربية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل العمل المسلح يخدم القضية الفلسطينية في هذه المرحلة؟ برأيي لا.
إسرائيل كانت تحتاج إلى خصم مسلح لكي تستمر في تسويق نفسها كضحية محاصرة وسط محيط يريد إبادتها. وكلما استمر إطلاق الصواريخ والعمليات العسكرية استعادت خطاب “الدفاع عن النفس” الذي يمنحها تعاطفاً غربياً واسعاً حتى وسط الانتقادات المتزايدة لسلوك جيشها.
معظم دول العالم اليوم لا تختلف مع إسرائيل، لأنها تحتل أرضاً عربية. هذه الحقيقة يجب قولها بوضوح. الخلاف الأساسي أصبح حول طريقة إدارتها للاحتلال وحجم العنف والتجويع والقتل الذي تمارسه بحق الفلسطينيين وحتى بحق الناشطين الأجانب المتضامنين معهم. ولهذا كان تأثير مشاهد الاعتداء على ناشطي “أسطول الصمود” كبيراً عالمياً، لأن الصورة وصلت إلى الرأي العام مباشرة من دون وسيط عسكري أو خطاب تعبوي.
قد يسأل أحدهم: هل أنت مع إلغاء العمل المسلح؟
نعم. على الأقل في هذه المرحلة التاريخية.
العالم تغيّر. صورة طفل جائع في قطاع غزة أصبحت أحياناً أقوى من ألف رصاصة. معركة الإعلام والرأي العام والحقوق الدولية والعزل الأخلاقي لإسرائيل تبدو اليوم أكثر فاعلية وأقل كلفة على الشعب الفلسطيني من حروب مفتوحة يدفع المدنيون ثمنها وحدهم بينما يجلس العالم ليتابع الأرقام على الشاشات.
المشكلة ليست في شجاعة المقاومين. الشجاعة موجودة بلا شك. المشكلة في غياب مشروع سياسي قادر على تحويل التضحيات إلى إنجاز تاريخي حقيقي بدل أن تتحول الدماء إلى وقود لحرب طويلة لا تنتهي.



