مقالات

المقلب الآخر ـ الهجرة الفلسطينية “6”

عـبــد الـنــاصـر طــه

خاص “المدارنت”… انطلقت الهجرة الفلسطينية من موانىء حيفا وبيروت والاسكندرية، عن طريق سفن شحن اوصلتهم الى أوروبا، بعضها كان يرسو في مرفأ مدينة جنوا الإيطالية، بينما ترسو السفن الأخرى في مرفأ مرسيليا في فرنسا؛ وهناك ينتظر المهاجرون موعد إبحار السفن الكبرى الى دول الأمريكيتين، وكانت أبرز محطات تلك السفن آنذاك، مرافىء “ريو دي جانيرو” في البرازيل، و”بيونس آيرس” في الأرجنتين، ومرفأ “كولومبيا” المجاور لمدينة “بارانكيا” الكولومبية الساحلية، ومرفأ “لا غوايرا” القريب من العاصمة الفنزويلية كاراكاس.

وفضل كثير من المهاجرين الفلسطينيين الأوائل في البرازيل والارجنتين، تجنّب المنافسة مع أقرانهم من المهاجرين اللبنانيين والسوريين الذين سبقوهم الى الأعمال التجارية في كلا البلدين، فاختاروا الذهاب الى بلدان أخرى مثل تشيلي، ودول أميركا الوسطى مثل هندوراس والسلفادور؛ في هجرة أخرى لا تقل عذاباً عن الهجرة الأولى، حيث اجتازوا جبال “الأنديز” من جهة الأرجنتين باتجاه السواحل الغربية لتلك القارة، سيراً على الاقدام وعلى ظهور البغال.

حيث وصل معظمهم الى السلفادور، ومنها انتقل كثيرون الى دول مجاورة، مثل هندوراس ونيكاراغوا وغواتيمالا وبليز؛ وترافق الحضور الفلسطيني في كولومبيا وفنزويلا والاكوادور والبيرو زمنيا، مع تركيز الوجود الفلسطيني في أميركا الوسطى، بينما وصلت طلائع هجرة فلسطينية الى كوستاريكا وبنما بعد ذلك، مع بدايات الهجرة الفلسطينية الثانية.

وعندما نتحدث عن خصوصية الاغتراب الفلسطيني، نشير الى أنه لا إحصائيات دقيقة لعدد المقيمين الفلسطينيين في القارة اللاتينية، فطبقا للاحصاءات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يقدر عددهم بمئات الآلاف من المنسيين الذين لا يعترف هذا الجهاز بمعظمهم، حيث يقرّ بتسجيل بضعة آلاف مغترب فقط؛ بينما يصل العدد الحقيقي الى أكثر من ٨٠٠ ألف، حسب تقدير أكثر الباحثين في هذا الشأن، وربما تجاوز المليون، يعيش في تشيلي وحدها أكثر من ٤٠٠ألف، وحوالي ١٥٠ ألف في هندوراس، و١٠٠الف في السلفادور، بينما يعيش ٦٠ الف في البرازيل، ويتوزع الباقون بين دول المنطقة؛ ويعتقد كثير من الباحثين أن العدد الحقيقي لأبناء الجاليات الفلسطينية أكبر من ذلك بكثير.

.. من تجارة “الكشة” والتجوّل في أحياء المدن وفي الأرياف، والبيع بالتقسيط، إلى بناء محلات تجارية، ثم الانتقال إلى تجارة الجملة، وبناء مصانع الخيوط والأقمشة، إلى ولوج عالم المال بالمساهمة في إنشاء المصارف والبنوك، ناهيك عن دخول مجال الزراعة من أوسع أبوابه، كل ذلك، جعل من الاغتراب الفلسطيني قوة اقتصادية وازنة، ظهر أثرها الإجتماعي والسياسي في الجيل الثالث والرابع من الأبناء، الذين درسوا شتى العلوم، وارتقوا مناصب قيادية في دول اميركا اللاتينية عموماً، وفي دول أميركا الوسطى على وجه الخصوص، فكان منهم رؤساء دول، ورؤساء وزارات، ووزراء وبرلمانيون بارزون، واشتهر منهم أشخاص قادوا أحزاباً سياسية في تلك البلاد، وساهم بعضهم في إنشاء أهم التنظيمات اليسارية المسلحة على مستوى القارة.

(الحلقة المقبلة “7” ـ الاغتراب الفلسطيني.. حضور قوي وإهمال عربي)

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى