المليشيات (العراقية) المحصنة وأزمة الدولة!
“المدارنت”
في رد فعل مباشر على سيطرة تنظيم الدولة/ “داعش” على الموصل في 9 حزيران/ يونيو 2014، أصدر مجلس الوزراء العراقي يوم 11 حزيران/ يونيو القرار رقم 301، بتخويل رئيس مجلس الوزراء من أجل تنظيم “صفوف المتطوعين وصرف رواتبهم وتجهيزاتهم”، وهو قرار استحصله رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي حينها لإضفاء الشرعية على المليشيات التي عمل على رعايتها منذ 2012.
وفي سياق تصوراته الشخصية حول الثورة السورية، إن هذه المليشيات كانت تعمل في أطرف بغداد بشكل صريح نهاية عام 2013. وقد نشر أحد الباحثين محضر اجتماع القوى السياسية الشيعية “التحالف الوطني” الذي عقد يوم 7 نيسان/ أبريل 2014، أي قبل سقوط الموصل بيد داعش بأكثر من شهرين، تحدث فيه نوري المالكي عن ضعف الجيش العراقي وصعوبة الاعتماد عليه لأنه “يضم خليطاً من السُنّة والشيعة والكرد”، كما جاء على لسانه.
وأن السُنّة والكرد لن يقاتلوا، وبالتالي ضرورة الاعتماد على مجاميع أبناء العراق من “المجاهدين”، وتحدث أيضا عن تشكيله “20 مجموعة في أطراف بغداد إلى الآن”، وأنه مستمر في تشكيل هكذا مجموعات في الحلّة وبلد والدجيل “لأنها أفضل من الجيش”!
بعد قرار مجلس الوزراء أصدر المالكي في اليوم التالي أمراً ديوانياً بتنظيم هؤلاء المتطوعين وتمويلهم بشكل رسمي، قبل أن يُصدر السيد علي السيستاني فتواه الشهيرة المتعلقة بالجهاد الكفائي (صدرت يوم 13 حزيران/ يونيو) ليستخدمها المالكي، ويُصدر أمراً ديوانياً ثانياً باستحداث هيئة ترتبط برئاسة مجلس الوزراء باسم “هيئة الحشد الشعبي”.
وقد اعترف نوري المالكي لاحقاً بأنه هو من أسس الحشد الشعبي، وليس السيد السيستاني؛ ففي لقاء له مع موقع “ايلاف” نشر في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 قال المالكي: “أنا من أسس الحشد الشعبي، وفكرتي عن تأسيس الحشد الشعبي موجودة منذ 2012، وخاصة في نهاية 2012 حينما اشتدّت المؤامرة في سوريا، كان لديَّ اعتقاد بأن العراق سيتعرض الى هجمة شرسة من خلال الحواضن الموجودة في المنطقة الغربية وامتداد السلاح من سوريا الى هؤلاء”!
ومن يعود إلى نص فتوى السيد السيستاني، سيجدُ أنها نصّت على أنّ “المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية”، لكن الفاعل السياسي الشيعي استخدمها من أجل شرعنة وجود ميليشيات طائفية كانت قائمة فعلياً قبل الفتوى، وانتاج مليشيات أخرى، ولم يتدخل السيد السيستاني، بشكل فاعل، لإيقاف هذا الاستخدام السياسي لفتواه، واضطر للقبول بالأمر الواقع الذي فرضه الفاعل السياسي الشيعي، رغم حرصه على استخدام مفردة “المتطوعين” وعدم إشارته إلى عبارة “الحشد الشعبي” بالمطلق!
ومنذ اللحظة الأولى “لشرعنة” المليشيات الشيعية المسلحة، اجتمع الفاعلون الشيعة على تجاهل مواجهة الإشكاليات الجوهرية التي تتعلق ببنية هذه الفصائل المسلحة وطبيعتها وهويتها ومرجعياتها التي لا تلتقي أبداً مع منطق الدولة، واكتفت بتكرار عبارة شكلية أصبحت شعاراً لاحقاً، هي أن هذه المجاميع تتبع القائد العام للقوات المسلّحة.
وقد توالت المحاولات الخجولة لرؤساء الوزراء حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، لضمان حد أدنى من السيطرة على هذه المليشيات، بعد فشل قانون هيئة الحشد الشعبي الذي صدر نهاية عام 2016 في تحقيق ذلك، لكن محاولاتهم فشلت فشلا ذريعا؛ ووصل الأمر إلى تحول هذه المليشيات إلى دولة موازية حقيقية، ليس عسكرياً وحسب، بل سياسياً أيضا، لاسيما مع وجود الدعم المالي الذي حظيت به من الموازنة العامة، ونشاطها الإقتصادي المافيوي الخاص الذي يؤمّنه السلاح والسطوة وعدم المساءلة، وكذلك من شراكتها، بطبيعة الحال، في فساد الدولة (الأم)! لينتهي الأمر بسيطره هذه المليشيات على القرار السياسي في مجلس النواب والحكومة، من خلال فوز نحو 90 مرشحاً يمثلون هذه الفصائل، في انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أي ما يقارب 30 في المئة من أعضاء مجلس النواب، ولم يعودوا مجرد أدوات عنفية بيد الفاعل السياسي الشيعي!

بعد التحولات الجيوسياسية التي حصلت في المنطقة عقب عملية “طوفان الأقصى”، والتي انتهت إلى تحجيم الدور الايراني مؤقتاً على الأقل، تولت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب استكمال ما قام به الاسرائيليون .
في هذا السياق كان موضوع المليشيات المسلحة في العراق، سواء الوكيلة لايران، أو الحليفة لها، حاضراً بقوة، خاصة بعد أن نجحت تهديدات الأمريكيين في ايقاف تمرير مشروع قانون جديد لما يسمى “هيئة الحشد الشعبي”، وإصرارهم على ضرورة دمج هذه المليشيات في القوات المسلحة أو القوى الأمنية العراقية. وكان ثمة ترويج لفكرة أن الفاعل السياسي الشيعي سيضطر هذه المرة للخضوع للشروط الأمريكية، بضوء أخضر ايراني طبعاً، من أجل تجاوز هذه المرحلة على الأقل.
مع ذلك فإن الأمريكيين أنفسهم لم ينتبهوا إلى الخطورة الحقيقية التي ستترتب على هذا الدمج، والذي سيعيد مرة أخرى كارثة القرار رقم 91 لسنة 2004 الذي أصدرته سلطة الائتلاف المؤقتة/ سلطة الاحتلال، والذي حمل عنوان “تنظيم القوات المسلحة والميليشيات في العراق”، والذي سمح بدمج الميليشيات التابعة لقوى المعارضة العراقية في القوات المسلحة العراقية، والقوات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، وقد أدى ذلك إلى تحول تلك المؤسسات إلى مؤسسات ذات بنية طائفية (الشرطة الاتحادية في العراق، مثلاً، هي مجرد غطاء لمنظمة بدر)، وسيعني ذلك تكريس البعد الطائفي للقوات العسكرية والأمنية العراقية، بل وتحولها بشكل كامل إلى غطاء لتلك المليشيات، مع كل ما ينتج عن ذلك من تكريس لمقولة “الحاكمية الشيعية” التي يتبناها الفاعلون السياسيون الشيعة!
لكن ما حدث في الأسبوع الماضي أثبت أن الفاعل السياسي الشيعي لا يزال مُصرّاً على عدم التخلي عن دولته الموازية، ومُصرّاً على منحها “حصانة مطلقة”؛ فبعد قصف طائرة مُسيّرة حقل كارمور للغاز في محافظة السليمانية نهاية الشهر الماضي، أعلنت الحكومة العراقية عن تشكيل لجنة تحقيق انتهت إلى نتائج “عائمة” كالعادة، لا تختلف عن النتائج التي انتهت اليها لجنة التحقيق في قصف مماثل للحقل نفسه جرى في حزيران/ يونيو 2025! فوفقاً للبيان الصادر عن لجنة التحقيق يوم 3 كانون الأول/ ديسمبر، تحدد موقع إطلاق الطائرة المُسيّرة، وهو شرقي قضاء طوزخرماتو التابع إداريا لمحافظة صلاح الدين، الذي تسيطر عليه المليشيات، من دون تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم.
ووفقا للبيان الصادر عن اللجنة التحقيقية فقد “تم التوصل إلى أسماء المنفّذين لهذا الاعتداء، وهم من العناصر الخارجة عن القانون، والصادرة بحق البعض منهم مذكرات قبض قضائية وجارية متابعتهم من قبل الأجهزة الأمنية”، وبطبيعة الحال لن تكون هناك ملاحقة أو إلقاء قبض أو محاسبة، وإن حدثت تحت الضغط، سيتولى القضاء اخراجهم لاحقا!
الواقع أن أزمة الدولة في العراق باقية مع بقاء هذه الميليشيات، وإصرار الفاعل السياسي الشيعي على تحصينها وحمايتها وتمويلها من المال العام، متوهماً أنها الحامي الوحيد له، والضمان لبقائه في السلطة، وإذا لم يتخل عن اللعبة المزدوجة التي يمارسها؛ أي احتكار الدولة وتبني الدولة الموازية لها معاً، فلن تُحل هذه الأزمة في المدى المنظور!



