المواطنة.. استكمال نقاش الهوية والهويات الفرعية

خاص “المدارنت”
يأتي هذا المقال امتدادًا للنقاش الذي فتحه مقال «العروبة والتقيّة»، لكنه ينتقل إلى مستوى أعمق: سؤال الدولة والمواطنة. كيف أثّرت الدولة العربية الحديثة في تشكيل الهويات الفرعية؟ وهل أنتجت نموذجًا قادرًا على استيعاب تعدديتها، أم أن فشلها كان الشرط الموضوعي الذي دفع بعض مكوّناتها إلى الانكفاء؟
فالهوية لا تتبلور في فراغ، وما يُسمّى أحيانًا «تقية» أو «اختباء» هو غالبًا انعكاس لأزمة الدولة قبل أن يكون خيارًا فرديًا لجماعات. ومن هنا تتضح ضرورة ربط العروبة بالمواطنة، والبحث في شروط قيام دولة مدنية عادلة تقوم على القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية، حيث يصبح الإنسان محور المشروع، والمواطنة إطارًا، والدولة الحاضنة للتنوع ضامنًا لاستمراريته.
أولًا: الدولة ومسؤوليتها في إنتاج الهويات الفرعية
صعود الهويات الفرعية أو الجهوية ليس خيارًا حرًا للجماعات، بل نتيجة مباشرة لفشل الدولة في الوفاء بمسؤولياتها. الدولة العربية الحديثة لم تُحوّل مواطنيها إلى فاعلين في التاريخ، بل إلى جماعات حماية تبحث عن مكان آمن داخل الدولة أو خارجها. والتجارب العربية – في سوريا ولبنان والعراق وليبيا والسودان – تُظهر أن فشل الدولة في احتضان التنوع وتحقيق العدالة الاجتماعية كان سببًا رئيسيًا في نمو الهويات الفرعية.
هذا الفشل ليس مؤسسيًا فحسب، بل هو انهيار متراكم لما يمكن تسميته «الثقة العمومية»؛ أي الثقة التي تربط المواطن بالدولة وتجعله قادرًا على الفعل من خلالها. وعندما تتآكل هذه الثقة، يتحول الفرد من مشارك في المجال العام إلى باحث عن يقين بديل في جماعة ضيقة، فينمو الانكفاء بوصفه وسيلة بقاء، لا خيارًا ثقافيًا أو سياسيًا. إنه «فراغ المعنى السياسي» الذي تملؤه الهويات الجزئية عندما تعجز الهوية الوطنية عن منح الإنسان إحساسًا بفعاليته وقيمته.
ومن هذا المنطلق نفهم سبب فشل الدولة القومية في إرساء إطار المواطنة، وهو ما سنستعرضه في القسم التالي.
ثانيًا: لماذا فشلت الدولة القومية؟
أُجهضت معظم المشاريع القومية العربية منذ منتصف القرن العشرين بفعل:
• عسكرة الدولة وتحويلها إلى جهاز سلطوي يهيمن على المجتمع.
• تماهي العروبة مع الخطاب الرسمي والسلطة، ما جعل الهوية أداة تبرير للهيمنة بدل كونها مشروعًا للتحرر.
• سقوط المحاولات المبكرة لبناء مؤسسات مدنية واستقلال السلطة عن التدخل المباشر للجماعات الحاكمة.
• استغلال العوامل الخارجية للهويات الفرعية ووجود «خاصرة رخوة» داخل الدولة، مما أضعف قدرتها على مواجهة الضغوط.
مع عسكرة الدولة، تراجع الدور التاريخي للمواطن الفاعل. لم يعد الإنسان شريكًا في إنتاج السياسة، بل متلقّيًا لها. ومع غياب المشاركة الفعلية، تفقد المواطنة معناها، وتكبر الفجوة بين المجتمع والدولة، فتتقدم العصبيات إلى الفراغ الذي يُفترض أن تشغله الدولة الحديثة.
في هذا السياق، تصبح «التقيّة» – في بعدها الاجتماعي والسياسي – نتيجةً لغياب الدولة الراعية، أكثر مما هي ممارسة ثقافية أو عقائدية.
ثالثًا: العروبة بين خطاب السلطة ومخيال التحرر
العروبة لم تعد إطارًا جامعًا، بل شعارًا رسميًا يفرضه الجهاز السياسي غالبًا على حساب التنوع الداخلي.
لذلك يجب التمييز بين:
• العروبة الهووية: التي تفرض هوية واحدة وتقصي الآخرين.
• العروبة الحضارية: التي توفّر إطارًا واسعًا يجمع الهويات الفرعية حول قيم مشتركة مثل اللغة والتاريخ والثقافة والمصالح المشتركة.
هذا التمييز يوضح الفرق بين شعار يُفرض بالقوة، ومشروع حضاري يعزز المشاركة والاختيار الواعي.

رابعًا: “أدلجة” الهوية العربية
تحوّل العروبة إلى أيديولوجيا رسمية أسهم في رسم صورة موحّدة ومقدّسة للهوية، غالبًا على حساب التنوع. وفي المقابل، دفعت هذه المركزية بعض الجماعات إلى تطوير هويات فرعية مقاومة أو منغلقة. وبذلك تصبح الهوية العربية موضوعة من الخارج، وليست خيارًا حرًا، وتفقد طابعها التحرّري.
أدلجة الهوية العربية أضعفت الانتماء، وأفقدت الدولة قدرتها على بناء مشروع مواطنة حقيقي، فتحوّلت الهويات الفرعية إلى ملاذ، لا إلى تنوّع طبيعي داخل الدولة.
خامسًا: عروبة المواطنة مقابل دولة المواطنة
المواطنة إطار حقوقي وقانوني يضمن العدالة والمساواة؛ أمّا العروبة ففضاء حضاري وثقافي يربط الماضي بالحاضر.
الدولة الحديثة التي تقيم المواطنة الحقيقية لا تحتاج إلى أن تجعل العروبة أداة ضغط، بل إطارًا يسمح للهويات الفرعية بالانخراط بحرية ومسؤولية في المجال العام.
حين تتحقق دولة المواطنة، تتحول الهويات من الدفاع والانكماش إلى الاختيار الواعي، والعروبة من شعار رسمي إلى مشروع حضاري حيّ.
سادسًا: ثلاثية الإنسان- المواطنة- الدولة
لا يمكن مناقشة الهوية بمعزل عن بنيتها السياسية والاجتماعية. لذلك، أقارب هذا الموضوع عبر ثلاثية مترابطة:
1. الإنسان: مركز الفعل والمعنى، لا تابعًا للسلطة أو الجماعة.
2. المواطنة: العقد المدني الذي يضمن الحقوق ويُلزم الدولة بالحماية.
3. الدولة المدنية: الضامن الوحيد لهذه العلاقة، من خلال مؤسسات مستقلة وقانون يحول دون الاستبداد أو الهيمنة الطائفية.
لكن هذه الثلاثية لا تستقيم إلا بشرط أساسي: استعادة الإنسان بوصفه فاعلًا داخل الدولة، لا موضوعًا لها. المواطنة ليست ورقًا قانونيًا، بل علاقة ثقة متبادلة. وعندما تستعيد الدولة القدرة على إعادة إنتاج «الإنسان الفعّال» – أي المواطن الذي يشارك في صياغة المجال العام – تنتقل الهويات من موقع الدفاع إلى موقع الشراكة.
بهذه الثلاثية، يصبح الانتماء العربي مشروعًا واقعيًا، والمواطنة تجربة حقيقية، والدولة كيانًا قادرًا على احتضان التنوّع دون سحقه.
ليست أزمة الهوية في الوطن العربي إلا الوجه الآخر لأزمة الدولة. وما صعود الهويات الفرعية إلا نداء استغاثة يطلقه مجتمع يبحث عن معنى في فراغ تركته دولة فاشلة. لذلك، فإن أي حديث عن «الوحدة» أو «العروبة» يظل هشًا وزائفًا ما لم يبدأ بإصلاح جذري لخلية الدولة نفسها.
ما لم يُعد الإنسان إلى مركز الدولة، وتُردّ الدولة إلى عقد المواطنة، ستظل الهويات الفرعية تتقدم، وتظل العروبة مجرد شعار بلا جوهر، والدولة جهازًا سلطويًا. وعندها فقط تستعيد العروبة معناها كمشروع حضاري، لا كخطاب سلطوي.



