مقالات

“الميليشيات الشيعية” ولعبة الحرب الأهلية في العراق

عناصر من ميليشيا “الحشد الشعبي”

كتب صادق الحسن/ العراق

خاص “المدارنت”..

كان اجتياح تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق والشام/ “داعش”، وسيطرته على ثلث مساحة العراق، وأسقاطه ثلاث محافظات؛ نينوى والانبار وصلاح الدين، وتمدده على أجزاء واسعة من محافظات أخرى؛ ديالى وكركوك، فرصة ذهبية لـ”شرعنة الميليشيات الشيعية”، لتتمتع بغطاء قانوني، بعد أن كانت تمارس مهامها وعملياتها العسكرية والأمنية خارج إطار القانون.

ثم أتت فتوى الجهاد الكفائي ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، للمرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، لتمنح الميليشيات زاد بشري ومتطوعين بعشرات الآلاف، وقبول مجتمعي لهذه الميليشيات، باعتبارها تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية، وتدفع الخطر عن العراق، وعن المراقد الدينية الشيعية.

قام رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، بحصر باب التطوع للراغبين بالانخراط لمقاتلة داعش، من خلال الانتماء لأحدى الميليشيات الشيعية فقط، ومنعهم من الانخراط في الأجهزة الأمنية الرسمية، كالجيش والشرطة، كان الانتماء لإحدى الميليشيات الشيعية، هو الطريق الوحيد لمن يرغب بالتطوع لاستعادة أرض العراق من سيطرة تنظیم الدولة الإسلامية.

المعروف إعلامياً أن السيستاني، هو من أسّس (ميليشيا) “الحشد الشعبي”، ولكن إذا عندنا للوقائع التاريخية، فإن الحشد الشعبي كان مظلة جامعة للميليشات الشيعية التي تأسست قبل الفتوى بسنوات عديدة، وبعض هذه الميليشيات قاتلت في سوريا، تحت رعاية نظام بشار الأسد، و”حزب الله” اللبناني، أما دور فتوى السيستاني، فكان مقتصراً على توفير زخم من المقاتلين، ومنح هذه الميليشيات غطاءً شعبيًا وشرعيًا، أولاً، وقانونيًا لاحقاً.

ومثلاً، بالعودة إلى قرار مجلس الوزراء 301 في 11 حزيران 2014، سنجد أن هذا القرار يتحدث عن تهيئة حشود من المقاتلين، وضرورة تخصیص أموال لهم، كرواتب وتجهیزات ودعم لوجستي، ما يعني أن قرار تأسيس الحشد الشعبي، صدر من قبل نوري المالكي، قبل الفتوى بيومين، بل الأبعد من ذلك، تسربت وثيقة في بداية نيسان 2014، يتحدث فيها المالكي عن عدم ثقته بالضباط في الجيش، وعن ضرورة تأسيس جيش شيعي، أشبه بالحرس الثوري الإيراني.

هذا الاجتماع، حضره قادة الأحزاب الشيعية، وأيضاً الجنرال الإيراني قاسم سليماني (قُتل وأبو مهدي المهندس في 21 كانون الثاني 2020 ـ المحرر في بغداد)، ووانتهى الاجتماع بالاتفاق على تأسيس جيش رديف، نواته الميليشيات الشيعية المعروفة (مثل عصائب أهل الحق وبدر وكتائب حزب الله وغيرها)، وتم أختيار إسم لهذا التشكيل: “سرايا الدفاع الشعبي”.

وعلى أرض الواقع، فإن هذه الميليشيات، كان لها دور كبير في مناطق حزام بغداد وديالى وبلد وسامراء والدجيل، فضلاً عن مشاركتها في سوريا كما قلنا.

بعد الانتصار على داعش، وقبل نهاية حكومة حيدر العبادي، صدر قراراً يعتبر الحشد الشعبي قوة رسمية عراقية، تابعة للقائد العام للقوات المسلحة، لكن الواقع يقول غير ذلك، إذ أن كل فصيل من ميليشيا الحشد الشعبي، يأتمر بأمر زعيم الميليشيا (مثل قيس الخزعلي وأكرم الكعبي وابو علي العسكري وغيرهم)، لا بأمر القائد العام للقوات المسلحة، ولعل حادثة أعتقال القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح، على خلفية تهم تتعلق بقضايا إرهاب وفساد، خير دليل على ذلك، إذ تمّ مهاجمة مقرّ الحكومة، والاعتداء على القائد العام للقوات المسلحة وأجباره على الإفراج عن مصلح.
تحولت هذه الميليشيات، بعد أن كانت تمارس أعمالها قبل الفتوى وقبل 2014، بصورة غير قانونية إلى قوات تتحرك تحت مظلة قانونية وشرعية، وتمارس ما يحلو لها من عمليات ترهيب وإبتزاز وأعتداء على المواطنين، بل أن هذه الميليشيات متهمة بعمليات تهريب المخدرات، وتصفية ناشطين سياسيين، وتهريب النفط، والسيطرة على موارد المنافذ الحدودية، وتفكيك مؤسسات حكومية، والاستيلاء عليها وبيعها (مثل مصفى بيجي)، وأصبح الصراع بين هذه الميليشيات، على السلطة وعلى “كاك النفط”، ينذر بحرب أهلية، وأصبح وجود هذه الميليشيات، عائق أمام بناء الدولة، إذ لا معنى للمؤسسات الدستورية والقانونية، ونحن في ظل أحزاب لا تعرف غير لغة السلاح.

أصبح الصراع السياسي على السلطة، لا تحدده الأوزان الانتخابية، وعدد المقاعد في البرلمان، بل يحدده ما تمتلكه من مقاتلين وسلاح على الأرض، منذ نهاية 2014، والمعادلة السياسية  في العراق، إنتهت، ولا معنى هنا للانتخابات والدستور، كون هذه الأدوات أصبحت تحت رحمة من يملك السلاح، حتى بات الصراع بين مقتدى الصدر وقادة الإطار التنسيقي، مجرد لعبة، يمكن أن تجرّ البلد في أي لحظة إلى حرب أهلية في المناطق الشيعية، وهذا ما صرح به مقتدى الصدر في أكثر من مرة، قال بعد تشكيل حكومة عادل عبد المهدي في 2018، أنه اضطر لتشكيل حكومة توافقية مع الفتح (الإطار التنسيقي الآن)، لأنهم هددوه بحرق العراق. ما نشاهده في “حرب التغريدات” والتصريحات الإعلامية المتشنجة، بين التيار الصدري والاطار التنسيقي، يؤكد أن الحرب الأهلية عند قادة هذه الميليشيات، مجرّد لعبة يمكن أن يلعبوها في أيّ لحظة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى