النازحون السوريون.. لوم الضحية ومغالطات الجلادين

د. جميل علي حمود
خاص “المدارنت”… يعود موضوع النازحين السوريين (في لبنان)، الى منابر السجال السياسي والإعلامي هذه المرة، من باب الخطاب السياسي الاستفزازي والمثير للجدل لوزير الخارجية ـ رئيس التيار الوطني الحر السيد جبران باسيل. كما يعود الموضوع ليثير الجدل من باب مؤتمر البلديات، الذي نظمه التيار الوطني الحر، والذي شهد مداخلات وخطابات ألقت باللوم على النازحين السوريين في التسبب بمشكلات وأزمات لبنان، من أولها الى آخرها.
علما ان التيار العوني وحلفاءه، كانوا قد تبنّوا خطاب عودة النازحين الى ديارهم، بغض النظر عن تطورات الوضع السوري، وامكانية الحلول السياسية منذ تشكيل الحكومة. وتجلّى هذا التبنّي في قيام وزير الدولة لشؤون النازحين (صالح الغريب)، المحسوب على التيار العوني، بزيارة الى دمشق خلال ايام من تشكيل الحكومة، في خطوة شكلت خرقاً لسياسة رئيس الحكومة (سعد الحريري) في النأي بالنفس عن التعاطي مع النظام السوري.
هذا، ويبدو ان وضع موضوع النازحين على طاولة السجال من قبل التيار العوني، يندرج في شقّ منه على الاقل، في إطار التنافس والصراع القائم مع (حزب) القوات اللبنانية، التي يتولّى وزراؤها وزراتيّ العمل والشؤون الإجتماعية المعنيّتين بملف النازحين. ويقال ان إنشاء وزارة الدولة لشؤون النازحين واعطاءها الى حليف أرسلاني، كان خطوة مقصودة من قبل التيار العوني، لمواجهة القوات في وزراتي العمل والشؤون الإجتماعية، وقطع الطريق على احتمال استئثارهم بملف النازحين.
من جهة أخرى، يخضع هذا الملف لضغوط من قبل حزب الله، المتحالف مع التيار العوني، والذي أخذ على نفسه منفرداً، مبادرة تنظيم رحلات “عودة طوعية” للنازحين، يشكك كثر في جدواها وكيفية تنظيمها. وتلتقي مبادرة الحزب هذه، مع جهد مشابه يتابع القيام به جهاز الأمن العام اللبناني، على الرغم من انتشار تقارير عن تعرّض أعداد من العائدين للاعتقال من قبل اجهزة المخابرات السورية.
ومهما يكن من امر الاستغلال السياسي، لهذا الموضوع المأساوي الإنساني والاخلاقي، فان السجال الدائر حوله يتّسم من جهة بمغالطات عديدة، وبلوم للضحية على ما يفعله الجلادون من جهة اخرى.
اما أولى المغالطات، فتتعلق باعداد النازحين المبالغ فيها كمّا وانتشارا. فقد اصبح مُسَلّما به القول بوجود 1،5 مليون نازح مسجّل، ما عدا النازحين الغير مسجلين، الذين يُدّعى ان اعدادهم تصل الى نصف مليون نازح. وهذا ما يرفع العدد الى مليونين، اي ما يساوي اكثر من ثلث سكان لبنان، حسب الرواية المتداولة.
تشير آخر إحصائية لوكالة الامم المتحدة لغوث اللاجئين، الى وجود 935,500 نازح مسجلين لديها. وبينت دراسة أجراها معهد العلوم السياسية التابع لجامعة القديس يوسف، بتمويل من الوكالة الأممية، ان ٧٩% من النازحين هم مسجلين. فاذا طبقنا نسبة ٢٠% غير مسجلين على العدد المسجل لدى الوكالة الاممية، في تقدير تقريبي، يتبين ان عدد النازحين الغير مسجلين لا يزيد عن 180،000، وبالتالي، فان العدد الاجمالي للنازحين يزيد قليلا عن مليون ومئة ألف. وبحسب اخر تقدير لعدد سكان لبنان البالغ 6،1 مليون، فان نسبة النازحين لا تتعدى ٢٠%..
تبقى أعداد النازحين اكبر من قدرة لبنان على تحمّلها، وتبقى ازمة كبيرة ومعقدة. لكن المبالغة تخدم سوء النوايا بمكان، وتضر بسمعة لبنان بمكان اخر.
وبالإضافة الى مغالطة الاعداد، هناك اصرار على ان النازحين، يأخذون فرص العمل القليلة اساسا من طريق اللبنانيين. وينسى اللبنانيون طبعاً، أن مئات الآلاف من العمال السوريين كانوا يعملون في لبنان، قبل اندلاع الأزمة السورية في العام 2011، علما ان الاحصاءات تشير الى أن 85% من العمال السوريين، يعملون في قطاعيّ الزراعة والبناء، وهما القطاعين التقليديين الذين طالما احتاج لبنان الى العمالة السورية فيهما، لان اللبنانيين لا يتنازلون للعمل في هذه القطاعات.
وبالنظر الى اجور العمالة السورية في لبنان، وهنا المغالطة الثالثة، تشير الاحصاءات الى ان معدل أجر العامل السوري في لبنان هو 40% من الحد الادنى للاجور، أي حوالي 300،000 ليرة لبنانية، علما ان القانون لا يجيز التوظيف باقل من الحدّ الادنى للاجور. فلماذا نلوم العامل الذي يجهد لتأمين لقمة عيشه وننسى ربّ العمل الذي يستغله بخلاف القانون، وبغض نظر كامل عن الاستغلال؟
وفي المغالطة الرابعة، تغيب مسؤولية النظام السوري بشكل شبه تام عن السجال، وهو النظام المسؤول بالدرجة الاولى عن عودة مواطنيه. يستطيع النظام السوري اتخاذ إجراءات عديدة لتشحيع وتسهيل عودة مواطنيه، من دون الحاجة الى احد في لبنان. مثلاّ، لماذا لا يلغي النظام السوري القانون رقم ١٠، الذي وُضع بغرض سلب المعارضين السوريين املاكهم، ومنعهم من العودة؟ ولماذا لا يوقف النظام الملاحقات والاعتقالات اذا كان يريد عودة مواطنيه؟ ولماذا ترفض عودة النازحين من منطقة القصير والقرى المجاورة، وهم الذين ما انفكوا يطالبون بالعودة؟
اما المغالطة الخامسة، فتتعلق بالقاء اللوم على النازحين، في انتشار الجرائم والاعتداءات وغيره. هنا ايضا تختلف الحقائق عمّا يشاع ويسوّق. ففي دراسة معهد العلوم السياسية المشار اليها سابقا، 13% فقط من اللبنانيين المشمولين بالدراسة، أعلنوا عن حوادث اعتداء من قبل سوريين. فيما تبين في الدراسة، أن معظم ما يشاع عن حوادث اعتداء ليست إلاّ نقلاً عن، وهذا قال، والآخر أخبَرْ.
طبعاً، يغيب عن الحديث والسجال معاناة النازحين انفسهم. وبالعودة الى دراسة معهد العلوم السياسية، فان 46% من النازحين أعلنوا تعرّضهم لاعتداءات، فيما اكد 69% منهم، انهم لم يفعلوا شيئًا لتجنب التورط بمشكلات أكثر.
مما لا شك فيه، أن النزوح السوري في لبنان يشكل ازمة، كانت ولا تزال تتطلب مقاربة وطنية، وإستراتيجية شاملة. لكن ضعف الدولة، وانقسام اللبنانيين، وفساد القوى السياسية، أدّى ويؤدي الى تفاقم الازمة، وتحوّلها الى مادة تثير الغرائز والمشاعر اللاعقلانية. ولا يبدو حتى الآن، أن هذا المسار سيتغيّر. بل على العكس، فالامور تسوء أكثر، والنازحون لا حول لهم ولا قوة.



