مقالات

الناصريّون وتَعَثُّر المشروع.. “1”

أحمد ذبيان/ كندا

خاص “المدارنت”..

 

كانَ مشروعُ جمال عبد الناصر عظيمًا وجَدِّيًا وصادِقًا يَستجيبُ لِحَنينِ أُمّةٍ، تَصبو إلى لَملمَةِ شظاياها وجراحِها ومآسيها على مشارِفِ عصرٍ يزخَرُ بالتحدِّيّاتِ والمُنعطفاتِ والآمال  .

جاءَ الرَجلُ في لَحظةٍ تاريخيّةٍ تنتظرُ زعيمًا وقائدًا شُجاعًا، يضَعُ النقاطَ على حروفِ مرحلةٍ من أقسى مراحلِ التاريخِ في حياةِ العرب. سَعى، فأصابَ وأخطأ؛ وضَعَ الأطُرَ الفكريّةَ الصحيحةَ لِمَشروعٍ طَموحٍ ينشُدُ وحدةَ العربِ من المحيطِ الى الخليجِ و ينقلُهُم، من حالِ التشرذُمِ والتخلُّفِ والتخبُّط، إلى الوحدةِ والتقدُّمِ والاستقرار .

كانت إنجازاتُهُ تسابق الزمنَ في طولِ مصرَ وعرضِها، وكانت ذبذباتُ زعامتِهِ وقيادتِهِ وشخصيّتِهِ الكاريزماتيّة، في مدى الوطنِ العربيِّ وأفريقيا وآسيا وشعوبِ العالمِ التوّاقةِ إلى التحرُّرِ والاستقلال، تنبضُ بالحياةِ مُعلِنَةً بزوغَ فجرٍ جديدٍ وأملٍ واعدٍ، يُطِلُّ على آفاقِ مستقبلٍ، تزحفُ إليهِ الجماهيرُ العريضةُ بعَزمٍ وقوّةٍ و إيمان .

أعطى الرجل، بلا حدود؛ فقد بدأ، سريعًا، في القضاءِ على الإقطاعِ والاستغلالِ في مصر، و شرَعَ في توزيعِ الأراضي الزراعيّةِ على الفلاحين، وفي إنشاءِ المصانعِ المختلفةِ والمتنوِّعة، وفي تأسيسِ مجّانيّة التعليمِ لكل المراحلِ ومجّانيّةِ الصحّةِ لكلِّ الطبقاتِ الاجتماعية، وشبكاتِ الطرقاتِ والريّ، وكلِّ مقوّماتِ الدولة العصريّة .

بالإضافة، وبالتوازي مع كل ذلك، كان يسعى الى تحريرِ فلسطين، وتوحيدِ العربِ، وإنشاءِ الروابطِ الاقليميّةِ والاسلاميّةِ والعالميّة، ومساعدةِ كلِّ حركاتِ التحرُّر، والطامحينَ إلى حياةٍ أفضل .

بعد حياةٍ ملأت الدنيا وشغلت الناس، رحل جمال عبد الناصر الجسد، واستمرّت صورتُهُ رمزًا للوطنيّة والنزاهةِ، والقيادةِ الجماهيريّةِ الصادقةِ الواثقةِ من تَحَيُّزِها الى فئاتِ الشعبِ المقهورة .

لكن، هل استطاعَ العروبيّونَ تحويلَ الرجلِ ومشروعِهِ إلى حالةٍ حزبيّةٍ منظّمَةٍ قادِرَةٍ على سدِّ جزء، ولو يسير، من الفراغِ الهائلِ الذي تركَهُ غيابُهُ في الساحاتِ المحلِّيَّةِ والاقليميَّةِ والدُوَليّة؟

هل قدِرت الدول، التي ادّعَت لنفسِها حملَ لواء العروبة والوحدة ومواجهة الاستعمار، ومحاولة تحرير فلسطين، والسعي الى التنمية الشاملة والتطوير والتقدُّم، على الصمود والتصدّي والمحافظة على ما حقّقتهُ موجاتُ النضال والتحرُّر التي راح ضحيَّتها ملايين العرب؟

هل استطاعت المجتمعات العربيّة، أن تسعى الى عتبات الانعتاق من رواسب الجهل والتخلُّف وتقديس الموروث، من العادات والتقاليد واساليب العيش ومواجهة مستجدّات الحياة؟

هل سعى العرب، حكّامًا ومحكومين إلى فهم المشروع الصهيونيّ، بأبعادِهِ المُدَمِّرَة واللاغية لهم ولتاريخِهِم ولغتِهِم  وجودِهِم على مسرحِ الحياة؟

الجواب، بقدر ما هو مُعَقَّدٌ وصعب، مريرٌ ومن التفاصيل ما يُدمي القلوبَ ويجعَلُ العقولَ حائرَةٍ في أمرِ “خير أمَّةٍ أُخرِجَت للناس”، تبذلُ الغالي والنفيس في اضاعةِ الفُرَصِ، واغتيالِ مُبادراتِ النُهوضِ والتقدُّمِ والصلاح.

أردنا من هذه المُقَدِّمة المُقتَضَبَة، أن تكونَ فاتحةً لسِلسِلةِ مقالات حولَ الحركاتِ التي رفعت شعاراتِ مشروع جمال عبد الناصر، مشروع الأُمَّة، من مسؤولين وتنظيمات وأحزاب وجماعات وأفراد، وجعلت من نفسِها قياداتٍ لسُفُنٍ لا اشرِعَةَ لها ولا موانئ.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى