اليَسَار في كولومبيا: وداعًا للشيوعية!*

“المدارنت”..
أمام عشرات الآلاف من أنصاره، وفي احتفال مهيب، سلّط (غوستافو بترو)، الرئيس الجديد لدولة كولومبيا، الضوء على برنامج التغيير الذي تبناه تحالف “الميثاق التاريخي” اليساري الذي أوصله إلى سدة الرئاسة الكولومبية لأول مرة في تاريخ الدولة كأول رئيس يساري، بعد حقبة طويلة سيطرت فيها أحزاب اليمين ويمين الوسط.
في ساحة “بوليفر” محرر أميركا اللاتينية، في وسط العاصمة الكولومبية بوغوتا، كانت الجماهير تهتف وتغني فرحاً: “بترو، صديق، الناس معك”؛ والرئيس الجديد يشرح عناوين خطته للمرحلة القادمة من الحكم، مثل قضايا البيئة والمساواة والمرأة والفئات الأكثر تهميشا في المجتمع، مع تركيز واضح على موضوعي السلام الداخلي، والحرب على المخدرات. عناوين أقسم على الإلتزام بها وتحقيق أقصى ما يستطيع منها؛ وهو الإقتصادي المشهود له بالكفاءة، كذلك هو المقاتل السابق وقائد حركة التاسع عشر من نيسان اليسارية الثورية الشهيرة باسم: (M -19).

من راقب الحدث كان ينتظر حديثا عن الاشتراكية، وشعارات يسارية رنانة، لكن “بترو” فاجأ المراقبين على المستويين (اللاتيني والدولي) بالمشروع الطموح ذي النقاط العشر الذي يطمح من خلاله إلى تغيير الواقع المؤلم الذي تعيشه كولومبيا، بعيدا عن شعارات اليسار العالمي من اشتراكية وشيوعية وصراع طبقي وكفاح مسلح! ومكرّسا افكارا جديدة مستوحاة من كتابات (غابرييل غارسيا ماركيز)، الأديب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب.
استشهد “بترو” بمقولة ” ماركيز” في كتابه: (مائة عام من العزلة): “إن التاريخ قال أننا لن نحكم أبداً.نقاتل ضد المعتاد ضد أولئك الذين لا يريدون التخلي عن السلطة”.
ثم يخاطب ماركيز: “أريد أن أخبرك أن فرصتنا الثانية بدأت اليوم، لقد كسبناها. لقد كان جهدك يستحق العناء وسيكون يستحق ذلك، لقد حان وقت التغيير”.

ثم حدد النقاط العشر التي ستلتزم بها حكومته طوال السنوات الأربع المقبلة، وهي:
1 – العمل على تحقيق سلام حقيقي ونهائي مع الفصائل المسلحة المتمردة، وفي مقدمتها جيش التحرير الوطني، ELN.
2 – العناية بالأجداد والجدات والأولاد والبنات، والأشخاص ذوي الإعاقة والمهمشين في المجتمع.
3 – إنشاء وزارة المساواة، وإنصاف الفئات والشعوب الأقل رعاية في التاريخ الاجتماعي والسياسي للبلد.
4 – الحوار مع الجميع بدون استثناء.
5 – القرب من المشاكل الحقيقية للناس، والاستماع إلى الرجال والنساء.
6 – الدفاع عن الكولومبيين حتى يشعروا بالأمان والهدوء.
7 – محاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة.
8 – حماية الأرض والبحار والهواء والسماء وباطن الأرض في كولومبيا.
9 – تطوير الصناعة الوطنية والاقتصاد الشعبي والريف الكولومبي.
10 – اعتماد الدستور لجمهورية موحدة لامركزية في إطار التشاركية والتعددية.
يمكنكم الاطلاع على مقالة للكاتب عن الثائر المفكر ألفارو فيّاض
لاتينيون من أصول عربية: “1”.. ألفارو فيّاض..
تلك هي خطة الرئيس “بترو” التي أوضح أنها لا تشبه في شيء البرامج السوفييتية أو الكوبية، أو الساندينية في نيكاراغوا.
وللتذكير، وفي عودة الى العام 2018 م. وأثناء حملته الانتخابية الرئاسية صرح بقوله: “كنت أنتمي إلى اليسار، ولست نادماً على ذلك. إلا أنني لن أطرح برنامجا يساريا ولا برنامجا اشتراكيا. نحن نعرف أن هذه البرامج فشلت؛ ولكن المشكلة في كولومبيا أن النظام الرأسمالي لم يتطور، وبالتالي ما أطرحه هو تطوير نظام رأسمالي ديمقراطي يساعد على بناء طبقة متوسطة واسعة تقوم على المبادرة الخاصة وتكون الملكية الخاصة عمادها الأساسي”.
ثم صدرت منه إشارات لضرورة بدء مرحلة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، الشريك الأول في مكافحة المخدرات، ودعا إلى إتفاقية دولية جديدة تعترف بفشل الحرب على المخدرات، ما أسفر عن مقتل مليون أميركي لاتيني معظمهم من الكولومبيين، وموت 70 ألف أميركي شمالي كل عام جراء جرعات مخدرات زائدة.
هنا، كشفت مصادر مقربة من الرئيس “بترو”، عن اتصالات جرت سابقا بين مجموعة من مستشاريه مع مسؤولين في الإدارة الاميركية، جرت فيها طمأنة واشنطن أن “بترو” لن ينضم الى المعسكر اليساري اللاتيني المتطرف الذي تقوده كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا؛ بل سيكون أقرب إلى اليسار المعتدل الذي يحكم في المكسيك والأرجنتين وتشيلي وبوليفيا وبيرو.

** نوعان من اليسار في أميركا اللاتينية:
بعد إعلان الرئيس الكولومبي خطته، تبدو اميركا اللاتينية أمام نوعين من اليسار: الأول تقليدي يتمسك بالشعارات الإشتراكية منذ مرحلة الإتحاد السوفييتي، والثاني حديث يستمد أفكارا من واقع كل دولة ومشاكلها. هنا تعود بنا الذاكرة إلى القائد اليساري الكولومبي، رئيس منظمة 19 نيسان إبان مرحلة العنف الثوري، اللبناني الأصل: “ألفارو فياض”، الذي يعتبر صاحب الاتجاه الفكري الجديد في اليسار الكولومبي.
ذلك الإتجاه اعتمد الاشتراكية الوطنية بديلًا للماركسية اللينينية، ومحورها الأساس هو العدالة الاجتماعية. عبّر عنها “فياض” بقوله: (سئمنا ترديد وتكرار ما قاله “لينين” أو “ماركس” أو “تروتسكي”). مقاييسنا اليوم هي مقياس القاعدة الشعبية؛ عندما يأتينا مناضل جديد لا نقترح عليه قراءة كتب لينين، وإنما قراءة كتاب”مائة عام من العزلة” للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز.
وسارت على هذا الإتجاه معظم دول أميركا اللاتينية التي فاز فيها اليسار مؤخراً، إضافة إلى المكسيك من خارج القارة، وجلّ اهتمامات حكوماتها رفع الظلم عن طبقات المجتمع المحرومة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، والمساواة بين الجنسين.

ما بعد كولومبيا، ننتظر انتخابات البرازيل الرئاسية في شهر تشرين الأول القادم، المرجح أن يفوز فيها حزب العمال بقيادة الرئيس السابق “لولا دي سيلفا”، ليكتمل عقد اليسار في السيطرة على أكبر جزء من اميركا اللاتينية؛ ويتكرس إتجاه فكري اشتراكي جديد، قد يكون درسا وعبرة لباقي الأحزاب اليسارية في العالم، وللأحزاب اليسارية العربية بشكل خاص.
* تمّ نشر المقالة بالتوازي مع موقع “الشراع” الالكتروني.



