انتخابات الاحتلال.. لا تغيير وإن تبدلت الوجوه!
“المدارنت”
يتوجه الإسرائيليون اليوم، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب كنيست جديد، في دورة تبدو من حيث العلائم الظاهرية مفصلية وحاسمة، ليس في مرحلة ما بعد «طوفان الأقصى» وحرب الإبادة في قطاع غزة وجرائم الاحتلال وانتهاكات قطعان المستوطنين في الضفة الغربية والقدس المحتلة فقط، بل كذلك على صعيد استمرار قيادة بنيامين نتنياهو وجبهات الحروب المفتوحة ضد لبنان وسوريا وإيران، وهوس «الشرق الأوسط الجديد» كما يبشر به.
والأجواء التي سبقت يوم الانتخابات حفلت بما هو معتاد في كل انتخابات كنيست من استقطابات وتجاذبات ومشاحنات وتحالفات، ولكنها لم تفتقر أيضاً إلى مناخات هستيرية كان الأحدث فيها تدوينة نتنياهو نفسه التي أدرجت صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لسحابة قنبلة نووية تخيم على تل أبيب. ولم يكترث رئيس حكومة الاحتلال بأنه كان شخصياً قد كذّب هذا الاحتمال حين تفاخر، في مناسبات عديدة، بتدمير المشروع النووي الإيراني.
غير بعيدة عن هذه الهلوسة تدوينة الرئيس الأمريكي الثانية، بعد أسبوع من الأولى، والتي تحث الناخبين الإسرائيليين على التصويت لصالح نتنياهو، لأنه قائد «محارب»، والوحيد الذي يمكن أن يرافق ترامب في «إنجاز المهمة» ضد إيران، رغم كل المؤشرات التي باتت تجمع على أن هذه الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية المشتركة وصلت إلى أكثر من طريق واحد مسدود، وآثارها باتت عكسية وجلية في أزمات الطاقة وانتخابات الكونغرس الأمريكي.
وأما من حيث المستويات الجوهرية الأعمق لانتخابات الكنيست، فإن أبرز عناصرها يؤكد أن تبديل الوجوه بين نتنياهو وغادي آيزنكوت، إذا حدث فعلياً، لن يمسّ إلا السطح في الخيارات التكتيكية والمرحلية، ولن يقترن بتغيير سلسلة طويلة من السياسات الإسرائيلية ذات الطابع الاستراتيجي. وفي الطليعة يتصدرها اتفاق الجميع على رفض أي مفهوم لدولة فلسطينية، وإنكار الحقوق الدنيا للشعب الفلسطيني، والتوافق على التوسع الاستيطاني، وتأكيد الهوية الدينية والقومية اليهودية للكيان، وفي الحصيلة نقض اتفاقيات أوسلو وعملية السلام بأسرها.

وليس أدلّ على هذه الحال من تعنت معسكر آيزنكوت حول قبول انضمام «القائمة» المشتركة العربية إلى أي ائتلاف حكومي مقبل، رغم أن جميع استطلاعات الرأي تتفق أنه من دون النواب العرب الفلسطينيين في الكنيست لن تفلح المعارضة في الحصول على أغلبية الـ61 مقعداً المطلوبة لتمرير أي حكومة. ويزيد في تعقيد المشهد واقع الأحزاب الصهيونية الصغيرة التي تبعثر الأصوات ولا يُنتظر لها أن تتجاوز عتبة الـ3,25% المؤهلة لدخول الكنيست.
وما يتبقى من تباينات بين الأحزاب الصهيونية الكبرى لا يرقى حتى إلى مستوى الخلاف التناحري، ولا يتجاوز عموماً ما هو أبعد من الملفات الاقتصادية أو الاجتماعية أو أوضاع الحريديم أو تحجيم السلطات القضائية والمحكمة العليا، خاصة مع امحاء الفوارق بين مسميات مثل «يمين» و»يسار» سادت في الحياة الحزبية الإسرائيلية ثم بادت اليوم. ففي صفوف آيزنكوت ثمة شخصيات يمينية قد يندى لها جبين البعض في صفوف نتنياهو، وثمة مسير واحد مشترك نحو أبشع تقاليد الأبارتيد، حتى إذا تشعبت الدروب أو تقاطعت.



