مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”17″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
2-3-ب- واقع حال السّلطة في “الثلاثي” زمن العباسيين والعثمانيين: إن تناول ما في هذا الزمن المديد يحتاج إلى الكثير من أنواع البحث والدّرس لغناه بالأحداث والدروس والعبر والمعارف والتجارب على الرغم مما فيه من الكتب والمجلّدات والآراء والتحليلات والأحكام؛ إنه يحتاج إلى المزيد مما يكشف عن حقائق لا تزال مخبوءة، ومما قد يسهم في تصويب مسارنا نحو خير الإنسان فينا تطوّرًا وتقدّمًا، ومما في هذا وذاك أيضًا.. بيد أنّنا لسنا في هذا الصدد، بل نكتفي بالقليل الذي يفي بما نريد تتبّعه عبر السلطة الحاكمة من سياسة ودين وعقل في سياق الاستلاب كما ذكرنا أكثر من مرة في غير مكان. لذا سنعرض لواقع حال السلطة بإجمال وإيجاز واقتضاب، ثم نرى بشيء من ذلك أيضًا ما يتعلّق بالثلاثي:
2-3-ب-(1) عرض تاريخيّ مقتضب عن السّلطة عبر الخلافة: إن السلطة الحاكمة التي لم يفارقها الاستبداد على أية حال، والتي نتكلم على حالها من خلال ما آلت الخلافة الإسلامية بعد العهد الأموي، قد امتدّ بها الزمن كثيرًا أو امتدت به مع الخلفاء العباسيين في بغداد خلال (132-656هـ/750-1258م) حيث قطع تعاقبها المتسلسل هولاكو بحدود السنتين والنصف (656-658هـ-1258/1260م). ثم بعد هزيمة هولاكو على أيدي المماليك في معركة “عين جالوت” سنة (658/ه/1260م)، استؤنفت الخلافة الإسلامية مجدّدًا مع العباسيين في القاهرة، واستمرت معهم شكلاً وتبريرًا للحكم والسلطة الفعليّين للسلاطين المماليك خلال (659-923هـ/1261-1517م) لتنتهي دولتهم على يد السلطان سليم الأوّل (العثماني) وتسقط معها الخلافة العباسية لتؤول إلى العثمانيين بعد تنازل الخليفة المتوكّل على الله الثالث عن حقه بها للسلطان العثماني المنتصر نهائيًا على المماليك في معركة “الريدانية” في مصر سنة (923هـ/1517م)، علمًا بأن الأخير كان قد أعلن نفسه خليفة للمسلمين أو أمير المؤمنين بعد انتصاره على المماليك في معركة “مرج دابق” في الشام سنة (922هـ/1516م)، لتمتد مع العثمانيين خلال (923هـ/1341م / 1517-1924م) حيث انتهت وزالت الخلافة الإسلامية مع آخر الخلفاء العثمانيين عبد المجيد الثاني بعد أن كان مصطفى كمال (أتاتورك) قد أنشأ الجمهورية التركيّة سنة (1341هـ/1923م)، ونالت اعترافًا دوليًّا بها بعد معاهدة لوزان في 24 يوليو/تموز 1924م… هذا العمر الطويل المديد للخلافة الإسلاميّة كان مليئًا بالإيجابيات والسلبيات التي يبدو لنا تقويمها من الضرورة والأهمية بمكان، لكننا، كما ذكرنا، آلينا على أنفسنا أن نلتزم تتبّعنا لما اخترناه هدفًا محدّدًا لموضوعنا. وها نحن نجمل الكلام على السّلطة الحاكمة طبيعة ومسيرة واستلابًا بالمقارنة مع ما كانت عليه عبر الخلافة في العهد الأموي، آخذين بعين الاعتبار العوامل الجديدة التي فاقمت السياق الاستلابي للثلاثي من قبيل تمذهب الإسلام الذي كانت بوادره قد ظهرت في العهد الأموي مع “الخوارج والجبرية والمرجئة والمعتزلة وعقلانية الحسن البصري، وتنامي أيديولوجيا الإمامة”.
هذا التمذهب قد تعدّد في العهد العباسي وتنوّع وتأطّر ليصبح الإسلام معه متعدّدًا ومتنوّع الهوية. ولا ننسَ أيضًا ظاهرة الشعوبية التي كانت هي أيضًا في العهد الأموي، ولكنها لم تكن ذات شأن؛ أما في العهد العباسي فظهرت للعيان وهي من فرس وهنود وأتراك ومستعربين قد جمعهم الموقف المناوئ للعرب الذي لا يرى لهم فضلاً على غيرهم، بل يذهب إلى الانتقاص من شأنهم وحتى تفضيل العجم عليهم. أضف إلى ذلك أن دائرة الناقمين على الحكم العباسي والمناوئين له قد اتّسعت مع الخوارج والشعوبيين والأمويين والعلويين (نسبة إلى شيعة علي بن أبي طالب) والطامحين المتحينين فرص التمكّن والغلبة، وأن قاعدة الحكم المستمد من الله قد رسّخت أسسها “الشرعيّة” في الطاعة التامة للحكم. فماذا عن الثلاثي في ما تلا العهد الأموي من الزمن المديد للخلافة الإسلامية مع العباسيين والعثمانيين؟
2-3-ب- (2) في السّياسة: قامت السلطة الحاكمة فيها على الاغتصاب والغلبة. لقد اغتصب بنو العباس الخلافة من مغتصبيها الأمويين بالتعاون مع الفرس وبني هاشم العلويين، وتغلّبوا عليهم وقتلوا آخر خلفائهم مروان بن محمد، وردّوا الصاع صاعين لبني أميّة مطاردة وبطشًا وتشريدًا وتقتيلاً؛ بيد أن عبد الرحمن الداخل قد نجا منهم، وتمكّن من الاستيلاء على الأندلس وجعل منها إمارة أمويّة سنة 138هـ للتتحوّل إلى خلافة سنة 300 هـ. وفي العهد العثماني، لجأ السلطان سليم الأول إلى الاغتصاب والغلبة، فانقلب على أبيه وقضى على أخوته وأبنائهم حتى يطمئنّ إلى عدم منازعته السلطة من أحد. ثم توّجه إلى المماليك فقضى على دولتهم في سوريا ومصر لتؤول الخلافة الإسلامية إلى سلطنته…
وهكذا نرى أن آلية تداول السلطة كانت تتكرّس منذ العهد الأموي في القوة التي أصبحت مرجعية “التشريع” والتبرير “والتحليل والتحريم” والإباحة والمنع والأفعال والأحكام وحتى الجرائم المرتكبة في ظل “الحكم المتغلّب”. ويكبر بذلك انغماس السياسة في نعم الأرض، ويشتد تعلّقها بزينتها، وتتقدّم دنيويتها بما لا يقاس على تطلعها إلى السماء وأخروية الحياة الدنيا. ولعلّنا، وبشيء من سوء الظن، نرى في قول أول خلفاء بني العباس، أبي العباس “… فأنا السفّاح المبيح، والثائر المنيح”، أنه قد ربط بشخصه سبب الموت والحياة باعتبار معنى (السفّاح) المعطاء والسّفاك، في آن معًا، مذكّرًا من قد تسوّل له نفسه الابتعاد عن طاعته، أنه هو الثائر الصلب الذي لا يلين ولا يشق له غبار… ولعلّ خير من عبّر عن رجوع السلطة إلى القوة ولا شيء آخر غير القوة، هو الشاعر، في القرن الرابع الهجري، أبو الطيب المتني إذا قال في قصيدة له :
“وما نيل المطالب بالتمنّي ولكن تؤخذ الدنيا غلابا”.
ومع تكريس القوة آلية مرجعيّة لتداول السلطة “وشرعتنها”، يتعاظم شر الاستبداد حتى الطغيان، فيفرّغ العدل والمساواة والحق وحرية الرأي والتعبير من مضامينها، ويلبّسها الظلم والتحيّز والباطل والتبعية ولا شيء سوى ذلك إلاّ القمع المفرط إن ذرّ قرن المعارضة أو المخالفة أو النقد… وتتحوّل الشورى عند “أهلها” إلى اجتهاد في الرأي والنصيحة بحيث يستجيبان لما يريده “الحاكم المتغلّب”، وما يرغب فيه، وما يهواه ليس إلاّ… وتفقد البيعة قيمتها السياسية لتصبح مجرّد خضوع وإذعان وإلاّ فطاعة أخذت مضمونها المراءاة والممالأة والتقيّة. ويغطّي الدين الحكم المستبدّ باسم القضاء والقدر وإرادة الله؛ وها هم المماليك قد لجأوا إلى الدين تبريرًا لسلطانهم الفعلي عبر الخلافة التي جعلوها في كنف العباسيين بعد انتصارهم على هولاكو؛ وها هو السلطان سليم الأول قد وظّف الدين نفسه في إضفاء الشرعية الإسلامية على سلطنته وفي تعزيز مكانة الدولة العثمانية في العالم…
وهكذا تعاقب ذوو “الغلبة” الغالبة، و “الوطأة” الشديدة، و”الشوكة” القوية على اغتصاب الخلافة الإسلامية والشرعية باسم الدين تغطية للجور والتعسّف والفساد، مما لا يقرّه الإسلام في شيء، بالاستناد إلى جزء مجتزأ من الآية 59 من سورة النساء:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ...﴾، حيث اعتبروا أنفسهم أولياء أمر المؤمنين وقد وجبت طاعتهم بأمر الله تعالى؛ والويل الثبور لمن تجرّأ عليهم وعصاهم، لأنه يكون قد عصا الله ورسوله، والعياذ بالله!
2-3-ب-(3): في الدّين: كما سبقت الإشارة إليه، فقد زيد تبعيّةً، خدمة وتغطية وتبريرًا لأهواء ومصالح “الحاكم المتغلّب”، كما ازداد تقرّبًا وضعفًا في دوره مع تزايد تمذهبه وتفرّقه، سواء أكان في تقريبه من السلطة الحاكمة، أم في إبعاده عنها؛ لقد اختزله “الحاكم المتغلّب” في ما يراه، وما يعتقده، وما يكره عليه خصومه إكراهًا. فإذا به، وقد تشبّع بالسياسة وتلبّسها، مُسَيًّس في الحكم والموالاة والمعارضة.
ولعلّ محنة الإمام أحمد بن حنبل مع العصر العباسي الذهبي تعطينا صورة جليّة عمّا آل إليه الدين الذي لا إكراه فيه: كان المأمون الذي أطاح أخاه الأمين بالتآمر عليه، وقرّب المعتزلة منه وغضب على أهل السّنّة، وأخذ برأي أولئك لجهة خلق القرآن ما لم يقل به الإمام أحمد. فتوعّده بالقتل إن لم يقل بخلق القرآن؛ لكنه مات قبل أن يلتقي الإمام الذي نجا منه، ليتعرّض لاحقًا للضرب والتعذيب والحبس من قِبل المعتصم للسبب نفسه، أما الواثق الذي قتل بيده الإمام أحمد بن نصر بن مالك وهو من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فلم يتعرّض للإمام أحمد بغير تهديده بأن لا يراه، وأجبر الإمام على الاختفاء في بيته، حتى جاءه الفرج من المتوكّل الذي مال إلى أهل السّنّة وغضب على المعتزلة، فحرّره وقدّره، وقدّمه وخلع عليه، وأخذ بمشورته…
أما الخليفة العثماني عبد المجيد الثاني، آخر الخلفاء المسلمين، فقد جرّدته السياسة الحاكمة حتى من أي سلطة دينية… فالدّين بالنسبة إلى السلطة الحاكمة لم يعد سوى أداة تبرير وتغطية وشرعنة بين يدي المستبدّ بالحكم الذي “اشتدت وطأته فوجبت طاعته”، الأمر الذي أفضى إلى تفصيل “عدل السماء وحكمه” على مقاسات مسيئي استعمال السلطة أو مغتصبيها فيهما على الأرض. وكل هذا وذاك باسم الدين على حدّ قول ثاني الخلفاء العباسيين، أبي جعفر المنصور “أنا سلطان الله على الأرض”.
2-3-ب-(4): في العقل: أما العقل، في زمن اغتصاب الخلافة الإسلامية والسلطة الحاكمة، فدون إعماله واجتهاده في ما يرى صاحبه، رضا وموافقة “الحاكم المتغلّب” في ما يرى ويجتهد ويعتقد. فإن مدحه العاقل، وأيّده وبرّر له، ودافع عن حكمه، قبل منه الحاكم ورضي، وأكرمه وخلع عليه، وعزّز مكانته؛ وإن اكتفى العاقل بالاعتزال برأيه، واشتغل في غير السياسة، وفي ما لا ينال من الحكم شيئًا، غضّ الحاكم الطَرْف عنه مع إبقائه في دائرة المراقبة؛ أما إذا عارض أو خالف أو نقد أو حتى امتعض أو تخفّظ، فكان غضب السلطة عليه وله بالمرصاد قمعًا ومطاردة وتعذيبًا وحبسًا، ووضع حد للحياة لم يكن أمرًا نادرًا… ولعلّ ما ذكرناه عن تقريب المعتزلة وإبعاد أهل السنة أيام الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق، ثم تقريب أهل السنة وإبعاد المعتزلة أيام الخليفة المتوكّل يعبّر خير تعبير عن أي مدى صار إليه سوء حال حريّة الاعتقاد والتعبير عن الرأي، ويندرج في السياق نفسه قتل الإمام أحمد بن نصر بن مالك.
وهذا ابن المقّفع قد دفع ثمن نقده الإصلاحي في المغالاة في فهم الطاعة للخليفة، وفي سلوكيات صحابته وبطانته، أن قتله شرّ قتلة سفيان بن معاوية، والي المنصور في البصرة بأمر من الخليفة نفسه. وهذا الخليفة العباسي المستنجد بالله قد أمر بإحراق الكتب العلمية سنة 1150م” (26). أما المنصور (الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور بالأندلس) فقد “أمر بإحراق كتب ابن رشد في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي”(27). ولعلّه من نافل القول التذكير بأن إعمال العقل في المنطق كان زندقة، والزندقة كانت كفرًا يحكم فيها “عدل” الحكم المتغلّب!…
وهكذا تكون السياسة، ومنذ العهد الأمويّ، قد اطّردت في سياق الاستلاب استبدادًا، ظلمًا وقهرًا وقمعًا وفسادًا، والدّين قد ازداد تبعيّة لها، وتقزّمًا في دوره الرسالي، وضياعًا في هويّته حتى لا نقول تشوّها فيها، نتيجة لفهمه المتعدّد المتنوّع، ويكون العقل قد قمعه عقل الحكم المستبد وجعل ثمرة إعماله رهن أهواء الحاكم تبريرًا لها في الزمن المديد للخلافة الإسلاميّة التي انتهت بل أُزيلت سنة 1341ه/1924م. فماذا عن السلطة الحاكمة في علاقتها ب”الثلاثي” بعد زوال الخلافة الإسلامية؟
2-4- السّلطة و”الثلاثي” بعد زوال الخلافة الإسلامية: 2-4-أ- السياسة والدين: بعد زوال الخلافة الإسلامية أو أفولها عن مسرح الفعل في عالم الشهادة، وبالتعبير الأدق، بعد أن أزالتها السياسة من الوجود، وجعلتها خارج دائرة الفعل السياسي، وبعد أن كان القيّمون على هذا الفعل في حكم الناس من المسلمين ومن غيرهم من ذوي العقائد الأخرى، ومنذ اغتصابها الأول من قبل معاوية بن أبي سفيان، قد تعاقبوا وتناوبوا على اغتصابها وجعلها في خدمتهم وتبرير نزعاتهم الاستبداديّة، وتغطية ارتكاباتهم، فضلاً عن تلميع “مآثرهم والمكرمات” التي لم تكن أكثر مما كان واجبًا عليهم من حقوق للرعيّة، بعد كل هذا وذاك، يكون الإسلام قد فقد آخر شيء يرمز إلى وحدته ولو بالشكل، ألا وهو مركزيّته عبر الخلافة؛ وليس من شيء يعوّض هذه على الإسلام والمسلمين بما يوحّدهم حتى اليوم سوى “رابطة العالم الإسلامي” التي لا يتجاوز فعلها الشّجب والإدانة. وبذلك أيضًا، تكون السياسة المستبدة قد استأثرت بالسلطة الحاكمة في تركيا، وراحت تسرح وتمرح في غير تركيا، استعمارًا واستقلالًا، بما يدبّر “الحاكم المتغلّب” ويصرّف ويدّبر ويقود ويأمر، والدين يلهث وراءها طوعًا أو ارتشاء أو كرهًا.
وبعد هذا كلّه، لم يبقَ الإسلام على حال ما كان عليه قبل إزالة الخلافة من التمذهب أو التفرّق، بل ازداد ولا يزال في ازدياد في كل ذلك نتيجة الفهم البشري المتفقّه المجتهد المتأوّل المتعدد المتنوع الولاّد، الأمر الذي أفضى به، ولا يزال أيضًا، إلى المزيد من التقسّم والتشطّر والتأدلج، ما ألبس الإسلام بدوره هويّات جعلته يتماهى فيها بدلاً من تماهيها فيه، فتباين وتضارب وتناقض حتى تقزّم دوره بها وضعف وتوهّن وتعثّر وتعسّر، ما سهّل وزاد تبعيته للسياسة التي طغى عليها الاستبداد عامّة في دنيا المجتمعات الإسلامية، وإن بأوصاف للحكم اختلفت فيها، وتلوّنت من جمهورية إلى ملكية، ومن ديمقراطية إلى ليبرالية إلى اشتراكية. ويمكننا رصد هذه التبعيّة في الأشكال التالية: أولا، في موالاة الدين الرسمي للسلطة الحاكمة الراهنة، وطاعة الحاكم حتى ولو كان ذا وطأة شديدة تثقل على النفوس وترهبها وتقمعها إن هي سوّلت لذويها شيئًا من التحفّظ أو الامتعاض أو النقد بالنسبة إلى الحكم، فضلاً عن شيء من المعارضة له؛ فالدين هنا يميل حيث تميل سياسة الحكم، على نحو ما حصل مثلاً في الأزهر بمصر إذ أفتى بعدم الصلح مع إسرائيل أيام الرئيس عبد الناصر، وبالصلح معها أيام الرئيس السادات؛ ثانيًا، في الانكفاء بعيدًا عن السياسة، خوفًا من طغيانها واتقاء لشرّها وبطشها، والاهتمام بالشؤون الدينية التعبّدية، اعتزالاً أو تصوّفًا، ما جعل فعل الدين في السياسة مشلولاً؛ ثالثًا، في تسيس الدين في السلطة الحاكمة باسمه تحت عنوان “الشريعة الإسلامية” وقد أخذت مضامين تابعة للفهم البشري المتنوّع حيث كانت، فلم نعرف فيها أو لم يكن فيها النموذج النبوي ولا الراشديّ، علمًا بأن مطبّقيها يؤكدون على دستوريتها في القرآن والسّنّة، كما هي حال كل من الحكم في المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وأفغانستان قبل إسقاط نظام حكم حركة طالبان فيها، أو في تسيّسه لدى الحركات أو الجماعات أو الأحزاب أو التيارات المتصفة بشكل أو بآخر بالإسلام، والساعية بل الطامحة إلى إقامة حكم إسلامي وفقًا لفهمها الخاص للإسلام: منها ما يعتدل فهمه ويقبل بالآخر المختلف؛ ومنها ما يتطرّف ويتشدّد في فهمه حتى درجة تكفير الرأي المختلف والاعتقاد المختلف والفهم المختلف المنبثق من المرجعية ذاتها، القرآن والسّنّة؛ ومنها ما أخذته “المثالية” بعيدًا وبعيدًا جدًّا عن الواقع، بنظرنا المتفق مع نظر الكثيرين في هذه الرؤية، فرأى أنه من الممكن والمعقوليّ إقامة حكم إسلامي واحد بعنوان إعادة الخلافة الإسلامية لسائر المسلمين في العالم؛ وما يجعلنا نرى في مثل هذه “المثالية” ضربًا من المحال هو المعطيات والظروف والأحوال التي تحول دون بلوغها أرض الواقع الراهن. لماذا؟ لأنه من أين يأتي بأهل شورى مقبولين لسائر المسلمين وهم ما هم فيه وعليه من التقسّم والتمذهب؟ وماذا نفعل أمام فهم الإسلام، قرآنًا وسنّة، الفهم المتعدّد المتنوّع لدرجة ينفي فيها بعضه البعض الآخر؟ وهل الإسلام الذي عجز القيّمون عليه حتى يومنا هذا عن تعديل العشائرية والقبليّة لمصلحة الرابطة الإسلامية، قادر بهم على تعديل – حتى لا نقول تضئيل أو إلغاء – الاثنيات والقوميات بحيث لا تؤثّر في عصبيتها سلبًا على الرابطة الإسلامية، ولا تعيق الانتماء إليها والولاء لها؟ وماذا عن الثقافات واللّغات والحضارات و”الخصوصيات” المتعدّدة والمتنوّعة بأكثر من عدد بلدان تواجد المسلمين فيها؟ وماذا عن المسلمين الذين يرون الحكم الإسلامي الصحيح عبر الخلافة القائمة على الشورى والاختيار، والذين يرونه عبر الإمامة القائمة على التنصيص والتعيين؟… لعلّه من نافل القول إن التمعّن في مثل هذه التساؤلات يفضي إلى استحالة أن يكون لسائر المسلمين في العالم خليفة واحد إلاّ إذا كان المراد بسائر المسلمين يعني عند دعاة الخلافة الواحدة، هم أتباع هذا الداعية من هذه الجماعة أو تلك الحركة، أو أتباع هذا المنظّر لهذا الحزب أو ذاك التيّار، ما يعني أن هؤلاء الأتباع وداعيتهم أو منظّرهم يضعون أنفسهم، وهم قلِة قليلة نسبيًّا، في وجه كل من أتباع كل من الحركات والجماعات والأحزاب والتيارات الأخرى، وما أكثرها وما أشدّها تباينًا وخلافًا في ما بينها، فضلاً عن الخصومة والعداء للآخر الكبير العريض جدَّا الذي لا ينتسب إلى الإسلام!..
ففي مثل هذه الحالة، وفيما لو أقيمت خلافة على نحو ما ذكر، فلا يتركها الطامحون إلى الحكم الإسلامي عبر الخلافة نفسها، باعتبار أن الخلافة التي قامت لا تعنيهم ولا تعبّر عن إسلامهم في شيء، بل لا تعدو كونها في نظرهم، عقبة يجب إزالتها من طريقهم المستقيمة إلى الخلافة الحقيقية التي يحملون مشروعها الحقيقي هم دون الآخرين، الأمر الذي يجعل الصراع الداخلي بشعار الإسلام الذي تماهى في كل من أطرافه، يحارب فيه الإسلام ذاته، وباسمه. ومثل هذا الصراع بين المسلمين لا يقل خطرًا وشرًا عن خطر وشرّ الصراع الخارجي مع غير المسلمين، بل قد يكون أثقل وطأة وأشد تدميرًا وأمرّ وقعًا على الإسلام وأهله. وإذا كان الأمر كذلك، فأين نحن من الإسلام الذي بشرّ به الرسول المصطفى هدى ورحمة ونورًا للناس أجمعين؟! وهل يصدّق عاقل أن هؤلاء الناس “الأجمعين” قد انحصروا في القلّة من الأتباع لفهم هذا المنظّر أو ذاك دون السواد الأعظم منهم، والذين جعلهم هذا الفهم تعسّفًا خارج دائرة الإسلام الذي توجّه به ربّ العالمين عبر نبيّه المختار إليهم أجمعين؟!
2-4-ب- العقل: أما العقل الناقد الحرّ المستقل بعالم الشهادة مسرحًا لإعماله وفعله، في حيّه وجامده، وحركته وسكونه، وعلاقاته وأسبابه والنتائج، سعيًا للحقيقة، والمعرفة يضعهما بين يدي الإنسان العاقل علّه يحسن توظيفهما في خير الإنسانيّة عدلاً وعدالة ومساواة وحقًّا ورقيًّا وتقدّمًا في الحريّة والعزّة والكرامة بعيدًا عن الظلم والعدوان والاستبداد والجمود والتبعيّة والمهانة والذلّة، أما هذا العقل فدونه الملاحقة والاعتقال والقمع والحبس إذا ما تجرأ وارتكب “جرم” تناوله، في إعماله وفعله، المثلّث المحرّم (الدين والسياسة والجنس) بتهم يلفّقها الاستبداد السياسي لصاحب مثل هذا العقل من قبيل “ضرب إنجازات الحكم في الاستقرار، والسلم الأهلي، والأمن القومي” التي “لا ينام الحكم ولا تغمض له عين سهرًا وحرصًا وترسيخًا لها” لينعم الناس من خلالها بالتقدّم والرّخاء والكرامة، علمًا بأنه ببعض إعمال العقل في تقديم ما يوصف بالإنجازات، يكشف المرء القناع عن استقرار يحاكي الجمود إن لم يتطابق معه، في حين أن العالم من حول الحكم وحول أمثاله، يتطوّر ويترقّى ويتقدّم؛ كما يكشف عن سلم أهلي انصاع أهله لسياسة الأمر الواقع والقوة الطاغية، وعن أمن قومي لا يعدو كونه أمنًا لعرش السلطة الحاكمة أو لكرسيّ الحكم بها حتى لو كانت مغلّبة!…
أما إذا ما تواطأ العقل مع الحكم وله، فُاعمل في تبرير تبعيّة الدّين للسياسة حتى لو كانت ذات “وطأة” شديدة فرضت طاعتها “وجوبًا”، وفي تسويغ سياسات الحكم والدفاع عنها في ما يدبّر من أمور الناس، وما يصرّف من شؤونهم في هذا وذاك الثغرات والأخطاء والارتكابات والخطايا تحت عنوان “فنّ الممكن” أو”ما كان بالإمكان أفضل مما كان”، فلصاحب مثل هذا العقل أن يصول ويجول و”يبدع” دون أية رقابة أو محاسبة أو معاقبة أو مساءلة، بل بتقدير واحترام وإكرام. أما إذا كان المرء صاحب رأي في عقله ولم يقبل ما تعرّض له في الحالة الأولى جرّاء إعمال العقل بحريّة، ولم يرضَ لنفسه التبجيل في الحال الثانية، فلم يكن أمامه سوى سبيلين للنجاة: إما أن يرحل مهاجرًا ليحط رحاله حيث يمكنه أن يعبّر عن رأيه كما يريد، وإما أن يعتزل وينكفئ برأيه محظورًا عليه أن يبديه لأحد أو أن يناقش ويشارك فيه أحدًا… أضف إلى ذلك أنّنا نرى في عدم تبلور صيغة نظام سياسي يمكنها في الحد الأدنى أن تدير مجتمعًا إسلاميًا، وتقوده، وتدبّر أموره وتصرّف شؤونه، وترشّد موارده، وتستثمر آراء مفكّريه ومبدعيه، وتنهض لصون حقوق أعضائه وحرياتهم، فضلاً عن تحقيق طموحاتهم وآمالهم والأحلام، أننا نرى في ذلك، ويشاطرنا الرأي الكثيرون ممن يهتمّ بتقدّم المجتمعات الإسلامية لتشارك في الحضارة العالمية وتواكبها، تعبيرًا عن سياق استلب فيه العقل إذ حدّدت السياسة الاستبدادية فاعليته في التبرير والدفاع عنها، وإلاّ فالقمع والاعتقال، ورسم له الدين حدوده في مرجعيّة لا تتغير ولا يتاح تجاوزها، وإلاّ فالاتهام بالعلمانية والزندقة والكفر… وتعصف البدعة بالإبداع، ويبقى العاقل والعقل غارقين في العجز والشلل والجمود، وتصبح طريق التقدّم أشبه بمتاهة لا مخرج لها، فلا يخرج منها ويحال اجتيازها.
والآن وبعد أن كوّنا صورة واضحة إلى حدٍّ كبير عن حال السلطة الحاكمة في علاقتها بالثلاثي (السياسة والدين والعقل) في السياق التاريخي منذ عهد النبوّة والعهد الراشدي، ومرورًا بأزمة الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وانتهاء بما بعد أفول الخلافة الإسلامية، يلحّ علينا سؤال حان طرحه ألا وهو: ترى هل في الإسلام نفسه ما يمكن للحكم المتغلّب المستبد استغلاله؟
3– في الإسلام ما يستغلّه “الحكم المتغلّب” في نزعته الاستبداديّة:
بادئ ذي بدء، ينبغي لنا، بل لا بدّ لنا من الإقرار بأنّه ليس في القرآن ولا في السنّة، ما يدعو السياسة إلى استلاب الدين أو إلى استتباعه من أجل تغطية سوء استعمالها على يد المستبدّ بالسلطة الحاكمة، لا بطريقة مباشرة، ولا على نحو صريح؛ ولكن، هي أهواء “الحاكم المتغلّب” تشتط به فيتجاوز حدوده متخلّيًا عن رحمة الله التي يرحم بها من يقف عند حدوده المعروفة له (28)، فيجد في القرآن وفي السّنّة ما يمكن استغلاله له واستثماره في نزعته الاستبدادية، لعلمه بأهمية الدين ومكانته الرفيعة في نفوس الناس المؤمنين، وتأثيره في تهدئتها وتسكينها بالتواطؤ مع مفتين أو علماء أو منظّرين أو متفقّهين جُعلوا في سدّة القيمين على هذا الدّين، ترغيبًا أو ترهيبًا أو بهما معًا. ففيم يتمّ “للحكم المتغلّب” ذلك؟
3-1- في استخلاف الإنسان في الأرض: إن الله قد خلق آدم وجعله خليفة في الأرض، ﴿… إنّي جَاْعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيْفَةً…﴾ (البقرة: 30)، كما وعد المؤمنين وعاملي الصالحات باستخلافهم فيها ﴿وَعَدَ اللهُ الّذِيْنَ آَمَنُوا مِنْكُم وَعِمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنَّهم فِي الأَرْض﴾(النور:55) فالإنسان، في الإسلام، خليفة الله في الأرض؛ وليس له من استخلافه سوى ما استخلف فيه من أرض يسودها ويستعمرها، وحكم يقوم به، ومال ينفق منه، ورزق يعيش به، وملك يتصرّف به، وحياة يحياها(…)، وغير هذا وذاك، مما تستلزمه الحياة البشرية على الأرض، وفقًا لقواعد الشريعة الإسلامية، ائتمارًا بأوامرها، وانتهاء بنواهيها، وامتثالاً لأحكامها، وقيامًا بتكاليفها. أجل، في هذا أساس الاستخلاف وفيه القاعدة التي تحكمه… بيد أننا بصدد أهم وأخطر نوع من الاستخلاف، ألا وهو الاستخلاف في حكم الناس، جماعة كانوا أو شعبًا أو مجتمعًا أو أمّة، لأنه يناط به تدبير أمورهم، وتصريف شؤونهم، وأمرهم ونهيهم، والقيمومة عليهم، وإقامة العدل والمساواة بينهم، وإحقاق الحقوق لأصحابها، وإبطال الباطل، ورفع الظلم والعدوان؛ ولكنّ المستخلَف “حاكم متغلّب” ذو نزعة استبدادية؛ اغتصب السلطة وانفرد بها بالقوة التي رجّحت ميزان القوى لمصلحته، وقد افتقرت إلى كل شرعيّة، وخلت من كل قاعدة حقوقيّة، وهيمنت في السياسة أمرًا واقعًا بالغلبة والقهر والقمع، الأمر الذي أفضى إلى انتهاك فاضح لقاعدة الحكم تلك، وتقويض أساس الاستخلاف ذاك… وكأننا بهذا الحاكم، خليفة كان أو ملكًا أو أميرًا أو رئيسًا أو إمبراطورًا أو دكتاتورًا، يجد نفسه بولايته أمر الناس، تارة خليفة الله في الأرض، وتارة أخرى، خليفة رسول الله فيها، ويجمع بينهما، ويرجع إلى القرآن والسّنّة، بالشكل دون المضمون، يرجع إليهما بالشكل الذي يتأوله فيهما ويراه ملائمًا ومبرّرًا لشدّة قبضته ووطأته على الحكم المنفرد به. وكأننا به أيضًا، يقوم مقام المستخلِف وهو الله، والله أحد لا شريك له في وحدانيّته، فيرفض ويقمع أي مشاركة له في الحكم من أي طرف آخر، وأي معارضة له فيه، حرصًا على انفراده المطلق به.
والمفارقة الغريبة العجيبة في هذا كلّه هي أن الله يقبل معارضة إبليس له ويُنْظِرهُ إلى يوم الدينونة، بينما “الحاكم المتغلّب” لا يحتمل أي معارضة لحكمه، وكأنه استخلف الكمال في كل ما يقوم به، فلا يعتبر مثلاً، التغيير في شخصه، وحاجته الماسّة والضروريّة إلى أجهزة الأمن والحماية والهيمنة والقمع، شيئًا من قبيل النقص والنقض لتوهّمه الكمال في نفسه. أما في توهّمه، وهو ولي الأمر الأوحد، أنه خليفة لرسول الله الذي جمع السلطتين الدينية والزمنية في قيادته وسياسته، فله، إذًا، ما كان لرسول الله كما يراه هو، ويرغب فيه هو، ويهواه هو، وليس كما كان الرسول يرى ذلك، ويستشير فيه، ويعقله إذ لم يكن نادرًا ما كان يعمل فيه برأي الآخر. أما الآخر المقبول عند “الحاكم المتغلّب” فهو حصرًا الذي يُعمل عقله ويجتهد في إرضائه وتحقيق رغباته، وتسويغ ارتكاباته وتجميلها، وتلميع صورة الحكم عند الخاصّة والعامّة. فالحجّة الدامغة “والمقنعة” هي القوة ولا شيء آخر سوى “أنيابها” و”شدّة وطأتها” على النفوس والقلوب والعقول… ولعلّه من المفيد التذكير بمقولة الخليفة أبي جعفر المنصور للتأمّل فيها في هذا الإطار: “أيّها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه…” .



