الــحــكـــومـــة والــفـــراغ..!

خاص “المدارنت”..
يُعاني لبنان الآن من مجموعة مشكلات وقضايا حساسة تراكمت، وتكدّست مقترحات الحلول لهذه المشكلات فوق بعضها البعض، لتحجُب الرؤيا الواضحة عن عيون المواطنين.
نعم، فالهمّ المعيشي اليومي يُشغل بال المواطن، الذي يسعى أوّلاً الى تأمين القوت لعائلته. وبسبب تركيزه على هذه الحاجة الأساسية، المرتبطة بثوابت فيزيولوجية وبيولوجية للبقاء على قيد الحياة، ترى المواطن العادي (لا نقصد بالعادي تمييزًا بل تعميمًا لمفهوم المواطنة)، يلجأ إلى مشاهدة التلفاز للترويح عن النفس. ولا يشاهد التلفاز ليتابع يوميّات الوطن وأحداثه اليومية من خلال نشرة أخبار.
فالمشكلة تبدأ من نشرة الأخبار هذه، فالبرامج التي يشاهدها على شاشة هذه القناة أو تلك ليتابع الأخبار (هذا لو حصل)، ليس من خياره الشخصي كفرد مواطن يضمن له الدستور حريّة المُعتقد.. فقد أُعتقل المُعتقد الفردي من قبل مجتمع محلّي، حصر انتماءه في أضيق دوائر الإنتماء (الفرد-العائلة- المذهب-الطائفة-الحزب)، من قبل الهوية المجتمعيّة المحليّة حيث يقطن ويعيش يومياته. والمفارقة العجيبة.
أن ترى نقاشًا بين أصدقاء يعيشون في نفس الحيّ أو المنطقة، يتناولون فيه آخر المُجريات في الصراع المُسلّح بين أرمينيا وأذربيجان! مع من الحقّ؟ وما سبب الحرب المُستعرة؟ و… الخ؟! ولا يدري هؤلاء الأصدقاء أنّي عندما ذهبت إلى الجنوب لزيارة العائلة، بأن الطبقة الفقيرة الكادحة في الجنوب، لم تلتزم “بالحجر والتباعد الإجتماعي” المُقترح من الحكومة المستقيلة، حلاًّ لمواجهة الكورونا؟ وفي الوقت عينه، حين ذهبت من أجل إحضار ابنتي من سكنها الجامعي في منطقة الفنار المَتنية، في سيارة تاكسي خاصة (كي نبتعد عن وسائل النقل العام)، فوجئت بكثافة الناس التي تعمل وتتسوّق، وكأن شيئًا لا يريد أن يكون.
إنّ ما يجمع المنطقتين هو الفقر المُدقع، فهؤلاء الناس يسترزقون من عملهم اليومي. ليس منهم من هو موظّفًا وراء مكتبه، ينعم ببرودة مُكيّفه. ولا يقبض أي منهم من سفارات أجنبية. ثمّ يأتيك أحدهم ويسألك: هذه المنطقة “لمين تابعة”؟ وحريٌّ بي أن أكظم غضبي وإنفعالي ورغبتي في قذفه بالشتائم، لكنّ جوابي العقلاني يكون: “تابعة للجوعانين”.
ومع يقيني بأن فلسفتي لم تنل إعجابه، لكنّها بالطبع ستخلق مساحة داخلية من التفكير بينه وبين نفسه، بهذه الإجابة الواقعيّة. فليس الفقر مُجرّد حديث تُجريه ليتهمك الأخرون بأنك شيوعي. لا، إن الفقر هو الشوارع المُتّسخة بفعل تقصير الدولة وعدم قيامها بواجب التنظيف، وبفعل تقصير المواطنين بعدم الحفاظ على النظافة، الغائبة أصلاً.
إن مفهوم المواطنة هو مجموعة من المفاهيم التي تُكرّس مُجتمعةً هذا المفهوم. فلا يُمكنك أن تكون مواطنًا كاملاً، وأنت يوميًّا ترمي السيكارة بعد تدخينها من شباك السيارة. فقد “وقفت عليك عزيزي”، وعلى كل فرد يستهتر بأبسط سلوك يؤذي الوطن.
وليس الفراغ مُستحدثًا في لبنان. فالدولة المئوية، بُنيت على أنقاض استعمارٍ فرض وجودَه إيهام اللبنانيين بأنهم عاجزون عن إيجاد حلول لمشكلاتهم.
وكما يقول المثل: “كلّ ما دقّ الكوز بالجرّة”، نستدعي فرنسا وأميركا وإيران والسعودية.. ولا يهمّني يا صديقي السائل، لمن تتبع هذه المنطقة، فالجوع الكافر، أنسى الناس أنتماءاتهم الضيّقة، وحصر هويّاتهم القاتلة بهويّة واحدة تجمعهم، ومن الممكن أن تقتلهم، إذا لم يُدركوا بأن الفقر والجوع يجمعانهم، أكثر من فرضيّات تتناسل إنقسامهم، كتوقّعهم من سيكون رئيس الحكومة الجديد؟ كائنًا من كان، ليس مُنقذًا ومُخلّصًا رئيس الحكومة الجديد.
ليس عندي أي معلومة من هو المُقترح. وما يعنيني، هو الخواء السياسي الذي تمارسه سُلطة صمّاء بكماء. حيث لم تكترث للناس الذين نزلوا إلى الشارع في 17 تشرين الأول، ولم تكترث لعدم تجاوب الناس مع جائحة خطيرة قد تقضي على الكثير. بل شغل بالها الآن مسائل أخرى، لتُثبت وجودها في عقول الناس وقلوبهم ومعداتهم الفارغة، الثنائي الشيعي ووزارة المالية، تشكيل الحكومة يكون برضى نادي الرؤساء الفاشلين، أقصد السابقين، ومن يعطي الضوء الأخضر للحكومة، جبران باسيل أو نبيه برّي أو ميشال عون.. وأخيرًا، يقول أبا ذرّ الغفّاري: “عجبتُ ممّن لا يجد القوت في بيته ولا يخرجُ على الناس شاهرًا سيفه”.



