مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”16″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
2-2-أ– في عهديّ أبي بكر وعمر:تكامليّة بشيء من الصراع المقفل والمعارضة المكبوتة: إن الصراع الذي انفجر تحت سقيفة بني ساعدة، والذي كان طرفاه الأنصار الذين كانوا قد استجابوا لدعوة الرسول وبايعوه ونصروه ومنعوه مما منعوا به أنفسهم وأهلهم، والمهاجرين الذين كانوا قد سبقوا غيرهم إلى الإسلام، وعانوا ما عانوه من أعداء الدعوة، ومن محنة الهجرة والغربة، ومن ضيق العيش، إن ذاك الصراع قد انتهى لصالح أبي بكر الصدّيق، خليفة لرسول الله. ولعلّ ما يعنينا منه في موضوعنا هو طبيعته حيث كان صراعًا سياسيًّا بامتياز حول من سيتولى الحكم ويمارس السلطة على المسلمين بعد وفاة النبيّ المصطفى؛ فلم يكن الدين مطروحًا فيه، ولم يكن الطرفان قد انقسما حول خلاف في فهمه أو الاجتهاد فيه؛ بل كان فيه السياسة المعبأة بالروح القبليّة التي لم يكن الدين الجديد قد أفلح بعد في نزعها من النفوس، وفي أخذ مكانها فيها. وكانت عودة القبليّة إلى ساحة الفعل تخفي في ثناياها القوّة التي ترجّح الموازين. لقد ظهر هذا كلّه جليًّا في ما تبادله الطرفان من كلام لا يخلو من بعض العنف والتهديد. فسعد بن عبادة زعيم الأنصار قد دعاهم إلى أن يمسكوا بالحكم بعد النبيّ، وفي الحد الأدنى، أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير. وفي كلام للحباب بن المنذر، وهو أنصاري، دعا فيه إلى ما ذهب إليه سعد بن عبادة، قائلاً: “يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم… وإن أبى القوم فمنا أمير ومنهم أمير”(2). وقد خرق بشير بن سعد وهو من الخزرج، إجماع الأنصار على زعامة سعد بن عبادة، فخطب لمصلحة المهاجرين حسدًا من زعامة الأخير، ومما قاله :”.. ثم إن محمّدًا رسول الله (ص) رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه وتولّي سلطانه، وإيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدًا، فاتّقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم”(3).ومن كلام لأبي بكر الصديق عن المهاجرين، وقد ظهرت فيه القبليّة جليّة، مؤداه: “المهاجرون هم أوّل من آمن بالله ورسوله (ص) وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده لا ينازعهم فيه إلاّ ظالم…”(4)… لقد خلص الدكتور محمد عابد الجابري إلى أن منطق “القبيلة” كان المرجعيّة التي أفضت إلى خلافة أبي بكر للنبيّ مستبعدًا كلًّا من العقيدة والغنيمة(5)… وينبغي لنا أن نسجّل أن سعد بن عبادة مات ولم يبايع أحدًا، فأمضى حياته بعد هزيمته أمام أبي بكر، معارضًا مكبوتًا في معارضته. ويمكننا أن نثبت في سياق المعارضة المكبوتة أيضًا تأخّر علي بن أبي طالب في البيعة لأبي بكر، وإن عاد وقطع مع التأخّر هو والذين كانوا معه فبايعوا وتعاونوا، ولم يسجّل على علي بن أبي طالب أي موقف سلبي تجاه أبي بكر بعد مبايعته إياه. ولقد ذكر في رواية أنه كان مع عليّ في تأخّره العباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمر، وسلمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر(6)…أضف إلى ذلك أنه ما إن استتبّ أمر الخلافة لأبي بكر حتى وجد نفسه في معمعة تسيير “الجيوش” إلى حيث المرتدون عن الإسلام، الذين اتّبعوا مدّعي النبوّة في مناطقهم وقبائلهم، والمرتدون عن إيتاء الزكاة أو عن طاعته كرهًا لقريش أو حسدًا منها. وكانت ظاهرة الارتداد عامّة في أنحاء كثيرة من شبه الجزيرة العربيّة، فلم يسلم منها سوى المدينة ومكّة والطائف. ونقرأ في التاريخ أن المسلمين قد انتصروا على المرتدّين وقهروهم وردّوهم إلى كنف الإسلام محمولين على الطاعة والولاء حملًا. ونقرأ أيضًا أن القبليّة كانت فاعلة في حروب الرّدّة؛ ولكن الدّين، ولأنه سبب في هذه الحروب، كان محرّكًا كبيرًا عند المسلمين عامّة، وبشكل خاص عند قريش التي شعرت أنها محور الدولة الإسلامية وقلبها. وبإخماد حركات التمرّد والقضاء على الارتداد، دانت من جديد أرجاء شبه الجزيرة العربية للسلطة المركزيّة في المدينة التي سرعان ما أخذت تتطلّع إلى مقارعة الفرس والروم. فحروب الرّدّة كانت تمرّدًا وصراعًا قد انتهيا وأقفلا في الظاهر والواقع المحسوس، بيد أن معارضة مكبوتة ما زالت عند الذين لم يصحّ إسلامهم وهم كثيرون، باعتبار أن الانتصار على الارتداد لم يذهب المعارضة من النفوس التي أطاعت ووالت وهي مغلوبة ومقهورة، وكأن المسألة “قلعة شوكة” كما يقال؛ ولعلّ شاهدنا على هذا هو أن أبا بكر لم يكن يأمن جانب المرتدين المغلوبين ولم يكن يستنفرهم في ما يسيّره من جيوش إلى ساحات الجهاد؛ ثم إن الطاعة والولاء المبنيين على القهر ليسا منهما في شيء، ولا يصيران حقيقيين إلّا بزوال الشعور بالقهر وملء ساحته بالقبول والرضا…
أما في عهد عمر بن الخطاب، فلم يكن أي صراع من قبيل صراع “السقيفة”، وحرب الرّدّة اللذين يمكن وصفهما بأنهما داخليّان، بينما يمكن وصف ما واجهه الخليفة الثاني من صراع أو حرب بأنه خارجي. ولكن هذا لا يعني أن عهد عمر قد خلا من المعارضة المكبوتة. لقد كان وصفه بالشّدّة والغلظة على أكثر من لسان صحابيّ كان ذا دلالة لجهة المعارضة، وإن كان بالعدل. ثم إننا نقرأ في روايات استخلافه من قبل أبي بكر أنه كان نتيجة لاستشارته كبار الصحابة أو الكثير منهم؛ ولكن هذه الروايات لم تذكر علي بن أبي طالب من بين الذين استشارهم بشأن عمر؛ ثم ماذا عن صغار الصحابة أو القليل منهم ممن لم يستشر في الأمر؟ فإذا اعتبرنا أن موافقتهم أو عدم معارضتهم شيء من قبيل تحصيل الحاصل، فنكون قد سطّحنا من الأمور ما لا يسطّح أو اختزلنا منها ما لا يختزل… ثم إننا نجد لدى عمر نفسه شيئًا من المعارضة المكبوتة تجاه أبي بكر، وإن أطاعه، بشأن خالد بن الوليد في مسألة مقتل مالك بن نويرة لامتناع الأخير عن دفع الزكاة، وفي مسألة زواج خالد من امرأة مالك، كما يروى، بعد أن سمع من أبي بكر أن خالدًا قد تأوّل فأخطأ. ثم ألم يفصح عزل عمر خالدًا في أول ما قام به في خلافته عن هذا الشيء من المعارضة التي رأت النور بعد وفاة الخليفة الأول؟! ولعلّنا لا نبالغ إذا ما قرأنا معارضة صريحة ولكنها كانت مكبوتة في ما روي عن طاعة خالد لأمر عزله من عمر، حين قال إنه لا يقاتل من أجل عمر بل من أجل ربّ عمر(7)! وهل يخلو اغتيال الخليفة الثاني من المعارضة؟! إذا كان صحيحًا أن الاستشهاد يعبّر عن أعلى مستوى من الولاء، فإن الاغتيال يعبّر عن أشد مستوى من عنف المعارضة، إلاّ أنها كانت مكبوتة وانفجرت حقدًا أو كرهًا وإفناء في حالة الفاروق.
أما العقل فقد أعمل في عهد أبي بكر وعمر، والى حدٍ كبير، في إطار الحديث الشريف “أنتم أدرى بشؤون دنياكم”، وعلى نحو ذكّر بكيفية إعماله في عهد النبوّة. لقد كان إعماله واضحًا جليًّا في ما لا نصّ فيه في القرآن أو السّنّة، في القضاء وفي غيره. إنّه كان ينطلق في أحيان كثيرة مما يراه وليّ الأمر في مصلحة المسلمين وصلاح أمرهم، ومما يمليه تغيّر الظروف والأحوال. ففي هذا الإطار، نذكر قسمة الغنائم بالتساوي بين الناس في المدينة بالنظر إلى قلّتها ترجيحًا؛ نذكر قسمتها وفقًا لمنازل الناس بالرجوع إلى القرابة من الرسول والسابقة في الإسلام بالنظر إلى وفرتها ترجيحًا أيضًا. أضف إلى ذلك أنه أوقف العمل “بـتأليف القلوب” وفيه نصّ قرآني، وباجتهاد من عمر أخذ به أبو بكر في عهده، وأن عمر قد اختار(8)، بشأن الأراضي المستولى عليها عنوة، الاجتهاد الذي أبقاها مع أصحابها والفلاحين فيها، واكتفى بالخراج لبيت المال، حرصًا على مصلحة المسلمين من الأجيال القادمة، فلم يقتد بما اتّخذه الرسول بشأن أراضي “خبير وفدك”.
وهكذا نصل مما عرضنا له إلى أن التكامل كان قائمًا عبر السلطة الحاكمة بين السياسة الساعية إلى النفوذ والمكانة والقوة، والدين الساعي إلى النفوس يريد لها الخير في الدنيا والآخرة، وقد لاقاهما العقل في حسن أعماله، على الرغم مما أشرنا إليه من صراع قد انتهى وأقفل، ومعارضة قد كبتت. فالاختلاف والصراع بشأن السلطة وإن أفضيا قبليًّا إلى تعزيز السلطة الحاكمة في قريش، فإنهما لم يلغيا التكامل بين السياسة والدين على الرغم من بروز السياسة في صراع سقيفة بني ساعدة، وبروز الدين في حروب الرّدّة، وفي البروزين هذين كان دور هام للقبليّة. لقد أسهم في هذا كلّه ما عرف من ورع الخليفتين وتقواهما وزهدهما. وليس أدلّ على ذلك مما ورّثه كل منهما بعد نهاية خلافته: ميراث أبي بكر كان عبدًا نوبيًا، وبعيرًا ناضحًا (يستقى عليه) أوصى بردّهما إلى بيت مال المسلمين؛ وميراث عمر كان ستة وثمانين ألف درهم دينًا عليه أوصى بإيفائه من أموال آل عمر، وإن لم تكفِ، فمن أموال آل عدي، وإن لم تكن، فمن أموال قريش(9).
2-2-ب- في عهديّ عثمان وعليّ: تململ وتمرّد وصراع مفتوح:
2-2-ب- (1)- في عهد عثمان بن عفّان: كانت الأمور مستتبة في بداياته التي ظلّلها امتداد عهد عمر فيها إلى حين. وكان ارتياح مشهود عند الذين ملّوا ولاية الخليفة الثاني لشدّته في العدل وضبط الأمور… والعدل، وإن لم يجرؤ أحد على التصدّي له علنًا وفي النور، فإنّه يثير نقمة المتضررين منه عليه وعلى القائم به، وفي السّرّ والظلام، لوقوفهما بالمرصاد لهم ولأطماعهم ومفاسدهم والأهواء. وربّما كان المعروف من العدل عند علي بن أبي طالب قد لعب دورًا ما لصالح خلافة عثمان بن عفان، ولغير صالح خلافته هو له… ولم يمضِ الكثير من العهد حتى ظهرت محاباة الخليفة وانحيازه لذوي قرباه من بني أميّة في الاستعانة بهم، وتقريبهم إليه، وتيسير أحوالهم بالأموال(10)، وتوليتهم المناصب وعزل آخرين بدريّين أكفاء(11)، على نحو لم يألف الناس شبيهًا له لا في عهديّ أبي بكر وعمر، ولا في عهد النبوّة قبلهما. لعلّ ما أخذ على الخليفة في ما ذكرنا، كان نتيجة لتأوّله واجتهاده في صلة الرحم التي أكّد عليها القرآن لجهة نصيب ذوي القربى من خمس الغنائم(12)، لقد توسّع كثيرًا في اجتهاده في مقولة “الأقربون أولى بالمعروف” بل أفرط في إسداء المعروف إليهم… إن مثل هذا التأوّل في صلة الرحم لاقى هوى في نفوس الأقارب، فاستغلّوا ورع الخليفة ولينه وتقواه على نحو ألّب الناس على حكمه، وأثار نقمتهم عليه، كما لاقى التأوّل نفسه هوى آخر في نفوس الناقمين على حكم الخليفة إذ وجدوا فيه ضالّتهم فتلقّفوها حجّة وبرهانًا على صحّة ما ذهبوا إليه من تسفيه حكمه، ومن أن الحكم يستقيم بغيره. ولعلّنا لا نجانب الحقيقة إذا ما قرأنا في التوسّع في الاجتهاد والتأوّل في صلة الرحم، الذي أفضى إلى إفادة فئة معيّنة من الناس تدور في فلك الحاكم دون الآخرين وعلى حسابهم في كثير من الأحيان، وبالرجوع إلى موازين العدل والنزاهة والاستقامة والتجرّد، إذا ما قرأنا فيه إساءة في استعمال السلطة ترتّب عليها فساد وظلم، واستغلال للدين باعتبار الحكم باسمه سواء أدعي الحاكم “خليفة المسلمين” أم “أمير المؤمنين”(13). وفي هذا تقدّم للسياسة على الدين في دنيا البشر… ولقد كان أول نذر النقمة على حكم عثمان لإيثاره أقاربه بالولاية سنة 25 هـ، السنة الثانية من عهده، عندما عزل سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة، وولاّها أخاه لأمّه الوليد بن عقبة بن أبي معيط. ثم أخذ التململ يكبر ويتّسع، والنقمة تتفاقم مع كل عزل وتعيين يقررهما لصالح ذوي القربى. لقد كان ضعيفًا إلى حدٍّ ما أمام أهواء هؤلاء الأقارب ومصالحهم، الأمر الذي شدّ من أزر المتربصين به سوءًا وشرًّا لمآرب سياسية تخلو من الدّين والإصلاح على الرغم من الادعاء بهما زورًا وبهتانًا، الأمر الذي زاد من تأجيج الفتنة، وتعبئة النفوس حولها. هذا الضعف وإن كان الخليفة لا يقصد إليه، ولا يرضى به، فقد حال دون تصحيح الأوضاع، ودون تصويب مسار الأمور، ودون مساءلة المصطادين في الماء العكر فضلاً عن المحاسبة والمعاقبة… لقد أحضر الخليفة أمراء الأجناد عنده يستشيرهم بشأن ما أحدث أمير الكوفة سعيد بن العاص في عزل كثير من الصحابة وتوظيف جماعة من بني أميّة في مكانهم، ما أثار جمهورًا من الكوفة عليه، إذ بعثوا إلى الخليفة من يناظره في ما فعل الأمير، فيغلظ عليه في القول والاحتجاج. وفي الاجتماع، أدلى الأمراء بآرائهم وهم: معاوية بن أبي سفيان أمير الشام، وعمرو بن العاص أمير مصر، وعبد الله بن سعد أبي سرح أمير المغرب، وسعيد ابن العاص أمير الكوفة، وعبد الله بن عامر أمير البصرة. فأخذ الخليفة بالآراء التي ذهبت إلى إبقاء كل من الأمراء على إمارته، وإلى “تأليف قلوب الثائرين والمتألّبين عليه بالمال، وبعثهم إلى الغزو والثغور”(14)… ولقد حدث في أعقاب ذلك أن ردّ عليّ بن أبي طالب نحوًا من ستمائة من المستنفرين من مصر ضد الحكم قبل وصولهم المدينة بطلب من الخليفة نفسه، ردّهم وأنّبهم وشتمهم وسفّه ما ذهبوا إليه من تعظيم له ومبالغة في أمره بتأثير من عبد الله بن سبأ رأس المتربصين بالمسلمين شرًا، فرجعوا خائبين وكان بينهم طائفة من أبناء الصحابة. ثم أخبر عليّ عثمان برجوعهم وأشار عليه أن يعلن للناس اعتذاره وتوبته عمّا بدر منه من أثرة للأقارب. فقبل وفعل. ولكن مروان بن الحكم سرعان ما أفسد عليه كل شيء، الأمر الذي أغضب عليًّا من الخليفة، وجعله يبلغه أنه غير عائد بعد ذلك لمعاتبته… وتسارع زوجه نائلة إلى نصحه باتّقاء الله وحده، واتّباع سنّة صاحبيه أبي بكر وعمر من قبله، وعدم إطاعة مروان، واستصلاح عليّ الذي أبى أن يعود إليه(15).أضف إلى ذلك أن الخليفة قد أعطى مروان المذكور خمس غنائم إفريقية من الخمس المخصص لذوي القربى، كما أعطى أباه الحكم بن العاص بن أمية، طريد رسول الله، مائة ألف. ثم إن والي الكوفة الوليد بن عتبة أخا عثمان لأمّه قد اقترض مبلغًا من بيت المال لم يسدّده؛ فشكاه عامل البيت عبد الله بن مسعود للخليفة الذي أجابه: “إنما أنت خازن لنا فلا تتعرّض للوليد في ما أخذ من مال”؛ فاستقال عبد الله بن مسعود احتجاجًا، فقطع الخليفة عنه عطاءه، علمًا بأنه “أقطع من السواد لبعض أصحابه”، وخصّص أعطيات لمن لم يشارك في الغزو؛ وعندما لاحظ عليه المنتقدون هذا التصرّف، أجاب: “مالي لا أفعل في الفضل ما أريد، فلم كنت إمامًا إذن”(16). ولقد بلغ الاحتقان بل النقمة والتمرّد مستوى مأساويًا جدًّا على أثر اقتراف مروان جريمة في حق الإسلام والمسلمين، بل في حق الخليفة نفسه الذي لم يكن منه إلاّ أن حماه دون أن يكون متوّرطًا في فعلته التي مؤدّاها(17): شكا أهل مصر الأمير عبد الله بن سعد بن سرح، أخا عثمان بالرضاعة، الذي رفض نصح الخليفة وتهديده له… قبل الخليفة عزله باقتراح من كبار الصحابة كعليّ وطلحة وعائشة، وولّى مكانه محمد بن أبي بكر الذي توّجه إلى مصر ومعه عدد من الأنصار والمهاجرين لتنفيذ أمر الخليفة. وبعد مسيرة ثلاثة أيام من المدينة، ضبط وفد محمد بن أبي بكر كتابًا مع غلام الخليفة، الراكب على بعيره، موجّهًا لعامله في مصر. فضّ الكتاب وإذا فيه: “إذا أتاك محمد وفلان وفلان. فاحتل في قتلهم وأبطل كتابه وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إليّ يتظلّم منك”. فرجع هؤلاء بالكتاب والغلام والبعير إلى المدينة التي لم يبقَ فيها أحد إلاّ علم بالأمر وحنق على عثمان… وبعد التحقق من الأمر، تبيّن أن الخليفة لم يعلم شيئًا بشأن الكتاب، وأن المسألة كلّها من تدبير مروان ابن الحكم الذي كتب الكتاب وختمه بخاتم الخليفة، والذي كان عند الخليفة. فسأل عليّ وبعض كبار البدريين الخليفة أن يدفع إليهم مروان فأبى… فشاع الخبر في المدينة فهجم الناقمون على عثمان وحاصروه وقتلوه… هذا ولم يكن للخليفة عثمان زهد الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعليّ؛ لقد كان ميراثه، عندما قتله، ثلاثين مليونًا وخمسمائة ألف درهم، ومائة وخمسين ألف دينار، وألف بعير، وصدقات بمائة ألف دينار، وضياعًا بمائة ألف دينار، وخيلاً كثيرًا وإبلا، وسبع دور بالمدينة(18).
وهكذا نرى أن النقمة والتمرّد والصراع ضد حكم الخليفة الثالث قد اطّردت واطّرد بالتزامن معها وبها تقدّم السياسة على الدّين، فكانت الفتنة الكبرى التي كان عبد الله بن سبأ قد وجد فيها التربة صالحة ومهيئة لزرع الأحقاد والشرور للفرقة بين المسلمين، ولكنه لا يتحمّل وحده أوزار هذه الفتنة بدليل أنها لم تتوقّف بعد ردّ الجماعة الثائرة وسبّها وإهانتها وفضح أمرها بالنسبة إلى تذّرعها بالدفاع عن أهل البيت ممثلين بالإمام علي؛ لا هي رجعت إلى جادّة الصواب ولا الخليفة تمكّن من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح السليم؛ فكان أن انتهى الأمر بمصرع الخليفة ليبدأ بعد ذلك الصراع مكشوفًا مفتوحًا بأشكال وألوان مختلفة ليستمرّ حتّى اليوم، وقد يستمر إلى قيام الساعة بعد أن مذهبته عقول استلبتها المفاهيم التي أفرزها الفهم البشري المتعدّد المتنوّع على أنحاء متناقضة متضاربة… أما الآن فلننظر كيف صارت الأمور في عهد الخليفة الرابع.
2-2-ب-(2)- في عهد عليّ بن أبي طالب: في عهد الخليفة الرابع، كانت السلطة الحاكمة في صراع مع خصومة معادية لم تترك لصاحبها شيئًا من الهدوء والاستقرار يعتدّ به، فاستمرّ الصراع مكشوفًا مفتوحًا في عهده. قد بويع عليّ والقوم منقسمون، بل المسلمون في فرقة كرّستها الفتنة. فمعاوية وبنو أميّة لم يبايعوا بذريعة المطالبة بمعاقبة قتلة عثمان، كما لم يبايع بعض الصحابة، و”تجمع المصادر على أن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وآخرين تأخّروا مدة عن بيعة علي”(19). لقد كثر المتذّرعون بتلك الذريعة وبالموقف المترتب عليها الذي ظاهره مطالبة بالعدالة وتوقيع العقاب على هؤلاء القتلة، وباطنه سعي حثيث للسلطة؛ ونحن ننحاز لهذا التحليل لأن القضاء من مسؤولية وصلاحية الحاكم والحكم الشّرعيين ليس إلاّ… لقد طغى على الصراع الطابع السياسي من جانب خصومة العهد، بل برزت السياسة على ساحته وتوسّلت القوّة للاستيلاء على السلطة أو لاغتصابها. ولم يكن الدين هو الذي يحرّكها كما هي الحال عند الخليفة الذي كان يقدّم الدين على كل شيء سواه، وكانت القوة عنده وسيلة لاستقامة السياسة وانضوائها تحت راية العدل الذي أتى به الدين الحنيف… فهذه موقعة “الجمل” التي كانت بذريعة “المطالبة بمعاقبة قتلة عثمان”، علمًا أنه كان الكثير من الروايات يشير إلى رؤوس طرف الخصومة للعهد على أنهم كانوا ممن حرّض على حكم عثمان؛ فلم تكن، على أية حال، جهادًا في سبيل الله: فمن طرف الخصومة، كانت عائشة، أم المؤمنين، وكان طلحة والزبير وهما من المبشّرين بالجنّة، ومن طريق الخلافة كان عليّ وهو من هو، فضلاً عن أنه من المبشرّين بالجنّة أيضًا. فهل كان الصراع ليكسب الإسلام أحد الطرفين فيه؟ ألم يكن صراعًا على السلطة؟!… وهذه حرب “صفين” بين الشرعية يمثّلها الخليفة علي بن أبي طالب، وبين التمرّد عليها يمثله معاوية بن أبي سفيان. وكان المسلمون كثرًا وراء كل من الطرفين، وانتصر لكل منهما بعض الصحابة، واعتزل بعضهم نائين بأنفسهم عن القتال بين المسلمين. ففي صفين أيضًا كان الصراع سياسيًا على نحو طبيعته في موقعة الجمل بفارقين: الأول هو أن معاوية لم يكن من المبشرّين بالجنّة، والثاني كان الصراع من عظم استقطاب المسلمين بمكان… وأوشك ميزان القوى على ترجيح كفّة الشرعية. فكانت خدعة رفع المصاحف على الرماح من قِبل جماعة معاوية… وكان التحكيم… ولم ينتهِ مكر عمرو بن العاص، ممثل معاوية، في هذا التحكيم إلى غايته في جعل معاوية في الخلافة على نحو شرعي، وفي عزل علي على النحو نفسه، بعد نقضه الاتفاق مع ممثل الأخير أبي موسى الأشعري على عزل الاثنين وترك أمر الخلافة للمسلمين يرون أمرهم فيها، علمًا بأن الروح القبليّة الناشطة كانت قد فرضت قبول أبي موسى الأشعري لأنه يمنيّ على عليّ الذي كان يريد أن يمثله ابن عباس؛ وقولة الأشعث بن قيس شهيرة في هذا الصدد وهو من أنصار عليّ: “والله لأن يحكما ببعض ما نكره وأحدهما من اليمن، أحبّ إلينا من أن يكون بعض ما نحب في حكمهما وهما مضريان”(20). واستمرّ الخلاف والصراع بين المسلمين. وكان خروج الخوارج من جيش الخليفة قد زاد الأمور تعقيدًا، وأضعف الشرعيّة وإن كان قد كفّر كلًّا من طرفي التحكيم… ولما فشلت كل محاولات الحوار لإصلاح ذات البين، وردّهم إلى جادة الصواب، لجأ الخليفة إلى حربهم والقضاء عليهم في معركة “النهروان”. “ثم إن الأمور تنغّصت على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه، واضطرب جيشه، وخالفه كثير من أهل العراق”… “فقد خذلوه وتخلّو عنه”(21)… أضف إلى ذلك أن الخليفة الرابع، كان زاهدًا في الدنيا، وكان يريد لحكمه العدل وإحقاق الحق، وأن تسلك الأموال مسالكها الشرعيّة دون مداهنة أو مواربة أو محاباة أو تراخٍ؛ فسارع إلى عزل عمّال عثمان الذين كانوا مثار نقمة الناقمين والمتمرّدين على حكمه، وإلى استرجاع ما كان قد قطعه لأقاربه؛ وشدّد الخناق على عماله من أقاربه وغيرهم في شأن الخراج. فلم يقبل نصائح ابن عباس والمغيرة بن شعبة له بالتريّث في العزل، وبوجه خاص، في عزل معاوية، حتى تتوافر له الظروف للتمكّن من الأمر، بل أكّد على الإسراع في الإصلاح وتصحيح الأمور، قائلاً في إحدى خطبه: “… إلاّ أن كل قطيعة قطعها عثمان، ومال أعطاه من مال الله، فهو مردود على المسلمين في بيت مالهم”(22). وكان حظ الخليفة من الأموال ما يناله من العطاء، وكان يوزّعه على الفقراء(23). وقبل أن يتمكّن من إنهاء الصراع أو الحرب بينه وبين معاوية، كان كمين “الخارجي” عبد الرحمن بن ملجم له قد أفضى إلى اغتياله سنة 40 هـ لتنتهي به رحلة الجهاد المغتال الذي لم يستطع وضع حدّ لحالة التمرّد الذي قاده معاوية ضد شرعيّة الخليفة المغدور، لاستفحال أهواء السياسة باستقطابها المزدوج البارع للقبليّة والمال، ومرونة وبراعة توظيفهما في تعبئة الناس والتفافهم حول معاوية، على حساب تراجع بل انحسار فضائل الدين في العدل والحق والتقوى، الأمر الذي جعل العقل منقسمًا منفصلاً بانقسام الناس بشأن الصراع منذ مقتل عثمان الذي تأوّل واجتهد في صلة الرحم ولم يقبل نصائح جليلة ومن صحابة كبار كانوا يتوسطون بينه وبين الناقمين على حكمه، فضلاً عن نصائح زوجه نائلة؛ ومن جانب علي، فقد رفض كل النصائح بالتريّث في ما هو محقّ فيه من الإصلاح وجعل الأمور في وضعها الصحيح على هدى القرآن والسّنّة؛ ولم تكن عقول الذين اعتزلوا الصراع بين علي ومعاوية، متاحًا لها الوصول إلى معالجة ممكنة لما آل إليه حال المسلمين والإسلام في غياب آليات إسلامية كافية لوضع حدّ لمثل هذا الصراع المكشوف المفتوح والموصوف بين المسلمين؛ فانتهى عهد عثمان وعلي ببروز واضح لدنيوّية السياسة على ساحة الفعل على حساب انحسار الدين وتراجعه عنها. هذه الدنيويّة كانت قد بدأت مع ما ذهب إليه عثمان في تأوّله واجتهاده في صلة الرحم على نحو ما ذكرنا، واطّردت تعاظمًا حتى اغتيال الخليفة الرابع حيث سرعان ما أخذ الصراع منحى آخر بعد انتهاء العهد الراشدي. فكيف كان هذا المنحى؟ بل كيف كانت السلطة الحاكمة في ظل ما آل إليه فعل كلّ من السياسة والدين والعقل؟
2-3–السلطة الحاكمة والسياسة والدين والعقل في أزمنة الأموييّن والعبّاسيين والعثمانيين:
“السّياسة تستتبع الدّين في مركزّيته”
في أعقاب اغتيال الخليفة الرابع عليّ بن أبي طالب، بايع أصحابه ومناصروه ابنه الحسن خليفة للمسلمين، واستمرّ معاوية بن أبي سفيان متمرّدًا على شرعية خلافة الحسن كما كان قد فعل بالنّسبة إلى شرعية خلافة أبيه من قبل. وظلّت الفتنة تحفر عميقًا في فرقة المسلمين وانقسامهم في غياب الآليات السياسيّة لوأدها، فضلاً عن معالجة تداعياتها. فإلامَ آلت الأمور؟
2-3-أ- في زمن الأمويّين: (41-132هـ / 661 – 750م)
كيف وصلت الخلافة إليهم؟ وما أصابها من تغيير؟
2-3-أ- (1) : ميزان القوى يرفع معاوية خليفة للمسلمين:
لقد علم الحسن منذ البداية بالقوة التي كان عليها معاوية بعد التحكيم وبما كانت تصير إليه من التعاظم بعد اغتيال أبيه؛ كما علم، في الوقت نفسه، بما كان يعصف بقلوب ونفوس الكثيرين من الناس من التردّد والتخاذل والتقاعس والقعود عن الجهاد التفافًا على الطاعة، ما جعل عليًّا يشير إليهم في خطبة له بقوله :” … ولكن لا رأي لمن لا يطاع”؛ علمًا بأنه كان عليهم أن يستجيبوا لنداء الخليفة ويمتثلوا لأوامره ونواهيه وهم يعلمون علم اليقين من هو، وما هو عليه من الزهد والعلم والعدل والحق والتقوى والنزاهة والاستقامة، كما يعلمون علم اليقين أيضًا ما كان عليه الخصم من التمرّد والبغي والعصيان والتذّرع بقميص عثمان، ومما لا يرقى به إلى مستوى التزام الخليفة بتلك القيم والفضائل في شيء… ولعلّنا بالحسن كان يدرك إلى ذلك أن الحرب ضد معاوية ما كانت لتعدو كونها انتحارًا يذهب ضحيّته جماعته المخلصون دون أن يتمكّن من وضع حدّ للفتنة، ودون أن يبلغ بالمسلمين دار السلام والطمأنينة والأمان في وحدتهم واستقرارهم وسلامتهم تحت راية الشرعية والحق والعدل. أضف إلى ذلك أن الحسن كان يعرف أيضًا براعة معاوية في توظيف المال في معركته السياسية مع أبيه، وإغداق الوعود على كل من يجد في نصرته وولائه له شدًا من أزر وسببًا من قوة… انطلاقًا من هذه القراءة الواقعيّة للوضع المتفجّر منذ مصرع عثمان والذي تقاتل فيه المسلمون قتالاً عبثيًا لا يقرّه القرآن ولا السّنّة، إنما فرضته دنيوية السياسة الساعية للسلطة والنفوذ، وبعيدًا عن تأويلات وتعليقات هؤلاء وأولئك من الخصوم المتصارعين أو الأنصار المتحزّبين لهذا الطرف أو ذاك، رأى الحسن ميزان القوى ليس لمصلحته في شيء، وأنه في الغالب لمصلحة معاوية، الأمر الذي جعله يصالح معاوية على الخلافة ويتنازل له عنها وفقًا لشروط أهم ما فيها أن تعود الخلافة من بعد معاوية إلى الحسن أو إلى الحسين في حال غياب الأول. لكن معاوية طبق من الشروط ما رآه في مصلحته وفي تثبيت الملك له ولبني أميّة من بعده… وهكذا فقد رفع ميزان القوى معاوية خليفة للمسلمين، واستتب له الأمر بشرعية انتزعها بالقوة والغلبة في واقع الأمر الذي قرّره ميزان القوى… وتوحّد المسلمون من جديد، وحقن الكثير من دمائهم بفضل المصالحة – التنازل. ولكن الخلافة الإسلامية في انتقالها إلى بني أميّة من خلال معاوية والتي امتدت قرابة التسعين سنة، لم تعد الخلافة التي عرفناها في العهد الراشدي في عهديّ أبي بكر وعمر أو في عهديّ عثمان وعليّ… إذًا، هي في تغيّر كبير. فما أصابها منه؟
2-3-أ-(2) –متغيّرات تصيب الخلافة الإسلامية في الزمن الأموي: لعلّ أول ما يطالعنا من المتغيّرات التي نقرأها في الخلافة الأموية هو تربّع دنيويّة السياسة على عرشها وهيمنتها على ما سواها من دين وعقل ناقد حرّ وغيرهما؛ لقد تقدّمت السياسة على كل شيء، وجُعل في أساس تقدمها هذا القوة والغلبة اللتان وفّرتا الشرعيّة وفرضتاها بالقهر والتعسّف لصالح الخلافة الأمويّة؛ إن أقل ما يقال في مثل هذه الشرعيّة إنها مغتصبة، وأقل ما يقال في الخلافة القائمة عليها إنها خلافة الأمر الواقع فضلاً عن اغتصابها وإباحتها لبني أميّة دون العالمين. لقد نجح بنو أمية في تكريس مبدأ القوة ومرجعيّتها لحكمهم بفضل تعزيز مكانة قريش وقوتها عمومًا، ومكانة بني أميّة وقوّتهم في قريش خصوصًا. أضف إلى ذلك أن معاوية قد أفلح في استعمال سلطان المال في دفع سياسته وإنجاحها؛ فقد استعمل المال في إفساد أهل العراق على عليّ، ولجأ يزيد من بعده إلى الوسيلة نفسها “لحمل أهل العراق على خذلان الحسين” في كربلاء، وسار الخلفاء الأمويون على هذا المنوال لكسب الولاء لهم و “إسكات خصومهم وشلّ معارضتهم”(24). أما الدين فقد استتبعته سياسة بني أميّة، فجعلته يدور في فلكها مبرّرًا “للحاكم المتغلّب” كل ما يقوم به، بل كلّ ما يستبّد به أو يجور ويظلم فيه بحجّة أنه حدث بإرادة الله وقضائه وقدره، وبعلمه السابق والمكتوب في اللوح المحفوظ، وأنّه لو شاء الله غير ذلك لما كان ذلك ولكان غيره وفقًا لمشيئة الله تعالى؛ إن دور مثل هذا الدين في هذه الأيديولوجيا الجبرية الخالصة لكافٍ لتبرير القوة والغلبة وكل ما يترتّب عليهما، بل كل حكم بني أميّة وتغطيته وتشريعه في حقّه وباطله، وفي خيره وحسناته ومزاياه، وفي شرّه وسيئاته ورزاياه وحتى في أسوأ المساوئ، علمًا بأنهم استفادوا أيضًا من نشر عقيدة “الإرجاء”، ما جعلهم خارج دوائر المساءلة أو المحاسبة أو المعاقبة؛ لأن الأمور الحادثة لم تحدث إلاّ بقضاء الله وقدره، وجزاء الإنسان، ثوابًا وعقابًا، وأوّلاً وأخيرًا، هو يوم الدينونة. فالحكم يصبح حقًّا إلهيًا للحاكم عندما يحكم بإرادة الله… وتصبح تسمية الخليفة “خليفة الله” بدءًا بخلافة عبد الملك بن مروان، تسمية معبّرة عن استظلال الخليفة بالله لتبرير ما يرتكبه باسم الله، حتى لا نقول عن تماهيه فيه. ومن المتغيّرات أيضًا في ظلّ انتزاع الخلافة بالقوة والغلبة، ما أصاب الشورى في ما يتوقّع من أهلها من آراء ووجهات نظر، فيستبعد من أهلها كل من يرتأي رأيًا معارضًا أومخالفًا أو منتقدًا أو حتى متحفظًا، ويُبقى على من يوالي ويؤيد ويمدح ويجتهد في ما يستجيب لرغبة “الحاكم المتغلّب”، وتصبح الشورى بمثابة الاستشارة التي تفضي إلى تيسير تحقيق رغبته، وتسهيل إنجاز ما تذهب إليه إرادته، وتبرير وتغطية مصالحه والأهواء، ووصف ما يقدّمه للناس وما ينجزه لهم من مشاريع وخدمات، وهي أساسًا من حقوقهم، بالمكرمة والمأثرة اللتين تستدعيان من هؤلاء الشكر والحمد والثناء والدعاء له بالخير وطول العمر. أما البيعة فهي تحصيل حاصل، طوعًا أو كرهًا؛ وبذلك تكون قد خلت من أي قيمة سياسية باستثناء الإذعان والخضوع والامتثال والتسليم “بإرادة ربّ العالمين”… هذا وقد أتاحت الخلافة الأموية وأباحت حرية الرأي والكلام والتعبير للناس شرط أن لا تتحوّل إلى فعل ينال أو قد ينال من سياسة الحكم شيئًا: للمرء أن يرى كل الآراء التي تمدح الحكم، وله أن يقول كل الكلام الذي يحلو له شرط أن يحلّي الحكم، وله أيضًا أن يعبّر على نحو ما يشعر ويحس ويريد، ولكن، تعبيرًا عن تأييد النظام الحاكم، والثناء عليه، والشكر والحمد له؛ وللمرء أيضًا أن تغض سياسة الخلافة عنه الطرف، ولو بحذر، إذا ما رأى أن يعتزل بآرائه دون أن ينظر فيها أو يسمعها أحد؛ أما أن يعارض أو يخالف أو ينتقد أو حتى يتحفّظ فلا. فمعاوية ما كان ليحتمل اختلاف أبي ذرّ الغفاري في تفسير آية “كنز الذهب” معه، وهو والٍ إذ أرسل إلى الخليفة عثمان كتابًا بشأنه، فكان مصيره وبقية حياته معزولاً في الربذة كما هو معروف وشائع. فالمبدأ الذي مارسه معاوية وسار عليه خلفاء بني أميّة عمومًا هو: “قولوا ما شئتم ولن أتدخل إلا حينما أرى أن كلامكم يتحوّل إلى عمل”، ومعاوية هو القائل: “إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا”(25). ولعلّنا نكتفي في نهاية هذه الفقرة بذكر المتغيّر الكبير والخطير بشأن ما صارت إليه الخلافة في العهد الأموي ألا وهو: صيرورة الخلافة بين ليلة وضحاها بمثابة الممتلكات والمقتنيات التي تعود للشخص نتيجة جهده واجتهاده وعمله وكدّه وكسبه الحلال والتي يصير الباقي منها بعد وفاته إرثًا يرثه أولاده؛ أجل لقد صارت الخلافة إرثًا أو ميراثًا، وكان أول وارثيها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
وهكذا وبعيدًا عن محاكمة الحكم الأموي ومعايرته ومقايسته وتقويمه لجهة ما أنجزه وحقّقه من فتوحات قد عظّمت امتداد الدولة الإسلامية في المعمورة وزادت من وسعها، وعزّزت من مكانتها ومنعتها في العالم، بعيدًا عن ذلك وعن غيره مما لا يقع في دائرة الاهتمام في الموضوع الذي نقصد إليه، ألا وهو علاقة السلطة الحاكمة بالسياسة والدّين والعقل في السياق الاستلابي، فإن تتّبع علاقة هذه السلطة بهذا المثلث قد أفضى بنا إلى تمكّن السياسة من ساحة الفعل، وهيمنتها عليها، وجورها فيها لكونها برزت فيها اغتصابًا وغلابا، وإلى استتباع الدين وجعله من آلياتها و”بإرادة الله وقضائه وقدره”، وإلى قمع العقل الناقد الحر السياسي المعارض، لتقبله وتشجع عليه في تبرير استتباعها الدين، وفي إعماله في ما يرضي سياسة الحكم، ويبارك فيه، ويشد من أزره، أو لتسكت عنه إن هو ارتضى الاعتزال لصاحبه الذي لا يريد سوى السلامة وهي نعمة بل “غنيمة” في زمن “الحكم المتغلّب”… فماذا عن السلطة الحاكمة و”الثلاثي” في زمنيّ الخلافة العباسية والخلافة العثمانية؟



