مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”45″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

ملحق المحور الثاني: في إعادة النظر أو الوضع السّوي

بعد أن أنهينا رحلة إعادة النظر في ما كان قد أدّى، بنظرنا، إلى ما هو عليه الإسلام وأهله بحيث يكون في الوضع السّوي، ينبغي لنا أن نقف قليلًا عند ما أفضت إليه من نتائج وما طرحته من تحدّيات أمام خليفة الله في الأرض، المتمثّل في هذا المقام، بأهل الإيمان بالإسلام. لعلّهم يقبلونها جميعًا في إطار ما يليق بهم كسادة لعالم الشهادة، وما يجدر بهم لأهليتهم المتفرّدة والمتفوّقة والمتميزة من سواها، وما يستحقونه من خير ورقيّ وتقدّم لتمييزهم وامتيازهم من ربّ العالمين.

أضف إلى ذلك أن هذه النتائج التي جاءت ردًّا على كل ما كان قد تسبّب بنتائج المحور الأول بعد إعادة وضعه في موضعه السليم وفقًا لسويّة الأمور، قد عقدنا عليها تبديد ظلمات ذلك المحور، وذهاب ما تفاقم فيه من  أميّة وفقر وقهر واستلاب واستبداد وتأخرّ، فيما لو أحسنوا تدبّرها، واستنهضوا أهليّتهم ووضعوها على السكة الصحيحة التي تبلغ بهم تعزيز خلافتهم وتحصين سيادتهم، وتوسيع مدى حريّتهم وكرامتهم، وترشيد حكمهم، وتفعيل إسهامهم في التمدّن والتحضّر العالميين… ترى، أيغيّرون ما بأنفسهم؟ – لعلّهم يفعلون…

والآن إلى ما نقف عنده مما قدّمنا له:

  • بشأن الفصل الخامس: الإنسان هو السّيد في عالم الشهادة
    • في النتائج الرئيسة:

1-1-أ- الإنسان هو السيد في عالم الشهادة: ان الإنسان بالمعايير والمقاييس التي يقبلها العقل، هو السّيد في عالم الشهادة: دينيًا، لكونه الخليفة في الأرض بتكليف من ربّ العالمين، ووضعيًّا لحيازته على أهليّة يتفرّد ويتميّز ويتفوّق بها على سائر الأجناس الأخرى.

1-1-ب – الاستبداد دخيل على الإسلام: ان الاستبداد المنفرد بالسياسة والحكم والسلطة هو وبما يفرزه من ظلم وطغيان وإفساد، دخيل على الإسلام الذي يأمر بأن يكون الحكم بالحق والعدل، وينهى عن اتّباع الهوى والظلم والاعتداء. وحتى تتمّ تعريته، يجب كشفه دينيًا بوضوح لا لبس فيه، كما يجب تعطيل كل ما قد يتذّرع به من الدين لاستغلال هذا الدين في تغطية شروره، ما يوجب وضع الأمور الدينية المعنيّة بالتذّرع هذا، من قبيل “الاستخلاف والطاعة وتأليف القلوب، والمبايعة مقابل الجنّة، والقضاء والقدر والفهم البشري المتألّه للإسلام”، في موضع يحول دون استتباع الدين وتواطؤه مع الاستبداد السياسي منعًا لتغطيته وتبريره.

1-2- في التحدّيات: 1-2-أ- أيفعل أهل الإسلام وهم السّادة في خلافتهم؟ أيبادرون في تفعيل أهليّتهم في إطار خلافتهم وهم السّادة، حاكمين ومحكومين، يشاركون ويسائلون ويحاسبون ولا يخافون في العدل والحق لومة لائم؟

1-2-ب- أَيُعْمِلُون العقل الحرّ؟ أيذهب أهل الإسلام إلى إعمال العقل الحرّ متسلّحين بالعلوم والمعارف والخبرات المباحة والمتاحة لجعل ما يتذّرع به من الدين للاستغلال السلبي في التسلّط والاستبداد خارجهما، فيحررون الدين من الأهواء والأضاليل والانحرافات، فيتنزّه ويستقيم في سلوكهم ونشاطهم وعملهم وفعلهم، استجابةً لدعوة رب العالمين خليفته، وحضّه على إعمال عقله في ما يراه لائقًا وجديرًا به سيّدًا حرًّا مسؤولًا؟

  • بشأن الفصل السادس: الحريّة عنوان سيادة الإنسان:

2-1- في النتائج الرئيسة: 2-1-أ- الحريّة شرط السّيادة: ان حريّة الإنسان، مثلها كمثل السيادة، تترتّب له على أمر التكليف الربّاني باستخلافه في الأرض، وعلى أهليّته الفريدة والمتميزة والمتفوّقة؛ إنها شرط لا بدّ منه للسيادة، ومن دونها لا سيادة ولا خلافة أيضًا.

2-1-ب- في مدى حرّية الإنسان: إنها نسبيّة تغطّي سائر نشاطه الذي يسوده ويحدث بمعرفته وإرادته وقدرته ومسؤوليّته، وتكون في التمكّن من الاختيار في المباح والمتاح، والقدرة عليه، وتبقى فضيلة أو قيمة عليا ما لم يرذلها الإفراط فيها فتتحوّل معه إلى الظلم والطغيان والعدوان، أو التفريط بها فتتحوّل معه إلى التبعية والتأمّع والعبودية. ولعلّ أهم ما فيها أنه لا بدّ منها في سوية الأمور حتى يصح التكليف والابتلاء والجزاء، دينيًا ووضعيًا، وبها يكون الإنسان علّة أفعاله.

2-1-جـ- الحريّة والقدر: لا تكون الحرية مطلقة، ولا يمكن لها أن تكون مطلقة لأن القائم بها أو القائمة به، عنينا الإنسان، عاجز عن كل ما يوصف بالمطلق، وعن كل ما يتجاوز وسعه وأهليّته، لكونه نسبيًّا ومحدودًا وتاريخيًا في كلّه وبعضه. والحريّة والقدر لا ينفي أحدهما الآخر: فالقدر مداه عظمة الخالق المطلق في علمه وإرادته وقدرته وألوهيّته(…) دينيًا، وما يعجز عنه الإنسان وضعيًّا؛ والحريّة مداها في ما استخلف فيه دينيًا، وفي ما تمكّنه منه أهليّته وضعيًّا.

  • في التحدّيات:

2-2-أ- أيذهب أهل الإسلام إلى تفعيل سيادتهم وحريّتهم؟ أيستجيبون لأمر تكليف الله الإنسان بخلافته في الأرض بالمستوى المتناسب مع عظم ما استخلفوا فيه وهم سادة وأحرار يناصبون الظلم والطغيان والعدوان والاستبداد واتباع الهوى، ويأبون الاستغلال والاستلاب والتبعيّة والتأمّع والعبودية، ليسود الحق والعدل؟

2-2-ب – أما سئموا مما هم فيه؟ أيستمرون بما هم فيه من أميّة وفقر وقهر وتأخّر وظلمات من كل الأنواع، متذّرعين بمشيئة ربّ العالمين وقضائه وقدره، متهرّبين من تحمّل مسؤولياتهم عن أفعالهم التي لم تكن لتحدث لو لم يكونوا علّتها، ولهم فيها ما كسبوا، وعليهم فيها ما اكتسبوا؟- لعلّهم ينتفضون.

  • بشأن الفصل السابع: الابتلاء مقياس لسيادة الإنسان:

3-1- في النتائج الرئيسة: 3-1-أ- الابتلاء والتكليف: ان الابتلاء معلول للتكليف وغايته ونتيجته على الرغم من أن الغايات كلّها تنتهي، دينيًّا، في عالم الغيب. والتكليف والابتلاء يندرجان في سيادة الإنسان وحرّيّته المسؤولة. والابتلاء في هذا السياق تجربة الإنسان الكبرى، يدوم بدوامه، وينتهي بانتهائه.

3-1-ب- الابتلاء مدرسة الحياة: إنه مدرسة الحياة للعموم، ومعلّم جيّد لمن استقامت سويّته، إنه ينبوع الثقافة البشرية، يدعو إلى العلم والخبرة، ويحضّ على إعمال العقل، ويحثّ على البلاء الحسن والإبداع.

3-1-جـ- الابتلاء موقف اختباري فريد من نوعه: إنه شموليّ بما لا يُقارن، تتجلّى فيه العملية التربوية الكبرى تعليمًا وتعلّمًا، ويتيح للإنسان سبل وفرص تكريس ما يملكه من مصيره أو ما كان منه في سيادته وحريّته، ويوفّر المساحة الكافية لفاعليّته الحرّة المسؤولة، وتتبلور فيه فرادة مواجهته، ويجمع فيه عظم الاختبار وخطورة البلاء.

3-1-د – الابتلاء موضعه السليم فاعليّة الإنسان وإرادته: إنه من الوجوب والضرورة بمكان أن يسعى أهل الإيمان بالإسلام، منظرين وأتباعًا، لإخراج الابتلاء (الاختبار) والبلاء (الصنع، العمل) من دائرة القضاء والقدر، ووضعهما في موضعهما السليم، عنينا، في دائرة فاعليّة الإنسان وإرادته الحرتين والمسؤولتين، ليكون له الجزاء العادل، ثوابًا على بلائه الحسن، وعقابًا على بلائه السيئ، الأمر الذي يستلزم أن يغيّر هؤلاء ثلاثة مواقف مما بأنفسهم في هذا المقام:

التحوّل بتأليه الفهم المتألّه للإسلام إلى بشْرَنَته وترابيّته ودنيويّته، والتحوّل بالتوجّس والسلبية من الثقافة البشرية إلى عقلنة الموقف منها بحيث يفيدون في تثميرها ومن ثمارها، والعودة بهويات مذاهبهم وتنظيراتهم إلى أن تتماهى في هوية ووحدة الإسلام المحمّدي الذي كان قد تلقّاه ومارسه وبلّغه نبيّ الرحمة محمّد زمن نبوّته… وبذلك، ترتسم الأسس المتينة لمصنع الحياة الذي يديره الإنسان، خليفة الله في الأرض.

3-2- في التحدّي: الابتلاء يتحدّى: هل يقبل أهل الإسلام تحدّي الابتلاء فيقدمون على دنيا الاختبار في الحياة وقد جعل الله تكليف الناس بخلافته في الأرض بقدر وسعهم وأهليّتهم، فيخوضون الامتحان إثباتًا وترسيخًا وتكريسًا لسيادتهم التي تفرّدوا ونعموا بها دون الخلائق الأخرى كلّها، أم يرفضونه وقد استغرقوا في الاستكانة والقهر والاستلاب، وعطّلوا أهليّتهم وشلّوا فاعليتهم ووسعهم بذريعة القضاء والقدر واتّهام الآخر بالتآمر عليهم وجعلهم في ظلمات ما هم فيه؟

  • بشأن الفصل الثامن: العقل والنقل في ميزان الإنسان:

4-1- في النتائج الرئيسة: 4-1-أ- القرآن يرفض الاستبداد ويضع العقل والنقل في موضعيهما السليمين: ان القرآن بما يركّز عليه من أن يكون الحكم بالحق والعدل بعيدًا عن الهوى والظلم والعدوان، يشكّل إطارًا يوجب رفض الاستبداد ويتيح وضع العقل والنقل في موضعيهما السليمين: فالنقل (الدين) جاء لخدمة الإنسان تعبيرًا عن رعاية وعناية الله بخليفته، وسبيله الوحيد إلى الإنسان هو العقل الذي يجعله معروفًا ومقبولًا له، ولكن، بشريًّا وترابيًا ودنيويًا أيضًا؛ أما العقل فهو سبيل الإنسان الوحيد إلى كل ما يعنيه سلبًا وإيجابًا، في معرفته وفهمه، وفي الإسهام الكبير في ممارسته، لكونه ملاذ الإنسان في حياته كلّها.

4-1-ب- العقل يعقل الدين و”يؤْرْضِنُه”: إن الناس يذهبون في عقل العقل النقل وأرضنته مذهبين متخالفين في ما هو سائد وشائع في الثقافة المنتشرة في ربوع الإسلام وأهله:

4-1-ب- (1)- المذهب السماوي: ان هذا المذهب هو المذهب السائد والشائع والمهيمن والغالب والفاعل في واقع الأمر، حيث يرى كل من منظّريه المتخالفين مذاهب وفرقًا وأحزابًا وجماعات وتيارات واتجاهات وحركات، أنّ ما يتلقاه ويفهمه ويحكم به ويمارسه من الإسلام في مذهبه هو الإسلام الصحيح السليم الحقيقي الكامل الشامل دون غيره، باعتبار أنه هو ما أراده الله في كتابه المبين، وما أراده نبيّه المصطفى في سنّته  الرشيدة…

ولعلّه من الوضوح بمكان أن هذا المذهب ينطوي على ما أسميناه “الفهم البشري المختلف المتنوّع المتألّه للإسلام”، ويرخي بثقله على الإسلام وأهله بلائحة من الشرور نذكر منها ستة، هي: مماهاة هوية الإسلام وفقدان وحدته في هويات المذاهب ووحداتها، وشرذمة أهل الإسلام وتشتت شملهم، وتكبيل إعمال العقل الناقد الحرّ، واختزال الإسلام أو تقزيمه في فئة واحدة من الناس وفقًا لمفهوم “الفرقة الناجية”، وتقويض حريّات الرأي والمعتقد والاختلاف، ورفض الآخر المختلف وتهديده.

4-1-ب- (2)- المذهب الأرضي: أما هذا المذهب فهو المغلوب على أمره والذي يكاد لا يخرج من دائرة “التسفيه والقمع والتكفير” لانخراط منظّريه في سوية الأمور في تلقي الدين وفهمه وممارسته، وفي جعله في خدمة الناس لا يستعلي على بشريتهم وترابيتهم ودنيويّتهم، ويبشّرهم بلائحة من الخيور ينعمون بها في حياتهم، وتحفّزهم إلى النهوض بها هي: استرجاع هويّة الإسلام المحمّدي ووحدته، وفتح السبل لتعاون أهل الإسلام وتكاملهم وتكاتفهم في أطر من البرّ والتقوى والحق والعدل، وإطلاق إعمال العقل في كل ما يعني الإنسان استجابة لدعوة ربّ العالمين إلى إعماله حتى في خلقه، وتيسير توجّه الإسلام المحمدي الأصلي إلى طرق أبواب الناس كافة، وإحياء حريات الرأي والتعبير والمعتقد والاختلاف، وإعادة الاعتبار إلى الآخر المختلف وقبوله مساويًا ومكافئًا في الحقوق والواجبات.

4-1-جـ- بين العقل والنقل: إننا، في ما بين العقل والعقل، نسجّل النتيجة التالية: في واقع الأمر، ليس النقل هو ما يكبّل إعمال العقل الناقد الحرّ، بل هو العقل المستبدّ المتألّه الذي يفعل ذلك… والعقل هو من طبيعة الإنسان، أما  الدين فممّا يكتسبه هذا الإنسان بهذا العقل.

4-2-في التحدّي : العقل المستبدّ يكبّل العقل الناقد الحرّ: ترى، هل يقدم أهل الإسلام على الوقوف أمام مرآة أنفسهم، فينظرون فيها وقد حملتهم إليها شجاعتهم الأدبية، فيبصرون الحقيقة الدامغة المتوافقة تمامًا مع واقع حالهم، ألا وهي أن إعمال العقل المستبدّ هو الذي ينفرد صاحبه بالحكم والسلطة والسياسة، فيعلن شعارات وقيمًا عليا من قبيل العدل والحق والقضاء العادل والسلطة العادلة والعدالة الاجتماعية والحرّية المسؤولة، ويحكم بنقائضها من قبيل الظلم والباطل والمحاباة واتباع الهوى والظلم الاجتماعي والاستتباعية؛ وهو الذي ينفرد بصحة تنظيره في الإسلام وله، وبتأليهه إياه بالتصريح أو التلميح أو المواربة في بعض الأحيان، ولكن، بالزور والبهتان والاعتداء على السماء في كل الأحوال؟ ألا يعترفون أو يقرّون بأن إعمال العقل المستبد هنا وهناك، في الدين والسياسة، هو الذي يقمع إعمال العقل الناقد الحرّ، ويسفهه ويكبّله ويحدّه، وليس الدين (النقل) كما هو سائد وشائع تضليلًا وتقنيعًا بإرادة الله في القرآن، وبإرادة نبيّه في السّنّة، فضلًا عن رضوخ هذا الدين للاستبداد السياسي والتواطؤ معه بشكل أو بآخر؟…

وبتساؤل أبسط ولكنه أدلّ ألا وهو: أيعمل أهل الإسلام على تحريره من الاستبداد والتأليه، وعلى تعريتهما ومواجهتهما بالحكم بالحق والعدل، وبتفعيل أهليتهم وهم خلائف الله في الأرض، وهم سادة وأحرار؟

  • بشأن الفصل التاسع: تغيّر عالم الشهادة وتاريخيّة الرسالات السماوية:
    • في النتائج الرئيسة:

5-1-أ- ان عالم الشهادة بمن وما فيه هو أكبر متغيّر وأكبر عمليّة تغيير خلقًا وتشكّلًا ووجودًا، وهو في حركة وتغيّر دائمين.

5-1-ب- ان الإنسان هو الأهم والأجدر بين المخلوقات في الأرض، وهو  المتغيّر الأفعل لما يتمتع به من وسع وأهلية يفتقر إليهما غيره، من غير أن يكون في دائرته ونشاطه شيء من “الكماليّة أو الشمولية أو المطلقية”، بل ليس في دائرته سوى النسبية والمحدودية والتاريخيّة في التعبّد لله، واستعمار الأرض، وحكم الناس.

5-1-جـ- في الإسلام: إنه يخضع لحريّة الإنسان قبولًا وممارسة، ويتمتع باليسر والمرونة، والتدرّج ومراعاة الظروف، والنسبيّة والمحدودية… أضف إلى ذلك أنه يتصف بالتغيّرية والتاريخيّة: فالسنن تتبدل وتتحول خلافًا لظاهر “النص” في خلق الجنس البشري، وفي عقاب الكفرة والظلمة والكذبة، وفي الصيام والصلاة، وفي من يتبع ومن لا يتبع الهدى، وفي الضرورة… أضف إلى هذا أن الفهم البشري للرسالات السماوية يغيّر من طبيعتها فتصبح بشرية وترابية ودنيوية.

أما بشأن التاريخيّة، فالإسلام قرآنًا وسنّة، مرتبط بناس شبه الجزيرة العربية وبزمانهم ومكانهم، وبأحوالهم وظروفهم وأوضاعهم: إن السّنّة في ما قالته وفعلته وقرّرته زمن النبوّة قد عكست كل ما يمت بصلة إلى بيئة بعثها برسالة الإسلام؛ أما القرآن، فقد أرّخ للكتب السماوية والرسل والأنبياء، كما أرّخ للإسلام في شبه الجزيرة العربية، وعكس أوضاع أهلها ومن كان له بهم صلة ذات أثر. فلنتذكّر قصة “الإفك” وزواج الرسول من “زينب بنت جحش”، ولنتأمّل في سورتيّ “المسد والإخلاص” على سبيل المثال.

5-1-د- أما في القول بأن الإسلام (القرآن أساسًا، والسنّة استتباعًا) لاتاريخي أي صالح لكل زمان ومكان، والخوف من تاريخيته، فإننا نسجّل النتيجة التالية: ان القول بلاتاريخية أو بصلاحيته لكل زمان ومكان، يفضي إلى ثلاث سلبيات يعيشها الإسلام وأهله هي” الجمود والتناقض والمفارقة”، فضلًا عن وقوعها في دائرة “لا معقوليات” العقل البشري لأن اللاتاريخي الأزلي والأبدي الوحيد هو ربّ العالمين، ولأنه لو كان الإسلام مطلقًا، لما ارتبط بالناس وبأزمنتهم وأمكنتهم وظروفهم وأحوالهم وأوضاعهم وهم جميعًا نسبيون محدودون. وهل يستوعب النسبيّ المطلق؟!

5-2- في التحدّي: تاريخية الإسلام والتطوّر حقيقتان لا يلغيهما الإنكار.. إذا كان إنكار الشيء لا يلغيه، وإذا كان الخوف منه بذرائع مضللة لا يقوم عليها دليل يقبله عاقل، فيكون الاستمرار فيهما ضربًا من التهرّب من مواجهة الحقائق التي كان للإنسان عقل ليهتدي بها إلى سواء سبيله إلى تحقيق جدارته بالسيادة على الأرض. هل إنكار تاريخيّة الإسلام توقف حركة التاريخ فيعيد نفسه؟! هل من شيء يبقى نفسه في الزمان والمكان حتى يكونها دائمًا فيهما؟!…

أما التطوّر الذي يُخشى من نسخه لكتاب الله المبين، فهو قائم ولم ينسخه؛ ولكنه يعبّر عن تفوّق خليفة الله في الأرض بأهليته التي يواكب التطوّر بها بإبداعاته التي تعزز سيادته، وتوسّع مدى حريّته، وتُدعّم فاعليّته، وترتقي بتمدّنه ورقيّه… فأين نحن من زمن النبوّة؟! بل أين العالم كلّه من زمن اكتمال الإسلام دينًا وانقطاع الوحي، بانتقال المصطفى إلى الرفيق الأعلى؟! أين أهل الإسلام من أكثر من أربعة عشر قرنًا خلت، في الدين والسياسة والحكم والاجتماع والاقتصاد والدفاع والتربية والتعليم والاتصال والتواصل والعلوم والمعارف والخبرات والفنون والمواصلات والوسائل والتقنيات والحاجات والغايات والتطلّعات، وما إلى هذا وذاك؟!

أين الإسلام المحمّدي من إسلامنا اليوم، الذي أوشكت مذاهبه وفِرقه وأحزابه وحركاته واتجاهاته وتياراته وجماعاته، أن تكون قد تحوّلت إلى ملل إن لم تكن قد صارتها، إذ عددت ذاك الإسلام ونوّعته وغرّبته بعد أن صادرته وأضاعته وقطعت معه؟! ترى، ألا يستفزّ كل هذا التطوّر الهائل أهليّة خليفة الله، وأهل الإسلام من خلائفه في الأرض، لينهي غربته عن هذا التطوّر، ويرى حركته والتعامل معه في إطار ما حضّه الله عليه من إعمال للعقل فيهما، فيعمل جاهدًا على مواكبتهما والاستجابة لهما وقد استدرك ما فاته، والتحق بركب التقدّم، وأسهم في التمدّن وإن متأخرًّا؟! أين الإثم أو العيب أو الشرّ في القول بحقيقة قائمة هي تاريخية الإسلام إذا كان ذلك كلّه في استبدادنا بالحكم والسلطة والسياسة، وفي استبدادنا بتأليه فهمنا البشري للإسلام هذا حيث يفضي هذا الاستبداد وذاك إلى قمع إعمال العقل الناقد الحر، وتكبيله وتسفيهه في غير الاتّباع والمديح والتبرير، وإن قبل منكفئًا ومعتزلًا ومعتكفًا أي مشلول الفاعليّة، فضلًا عن إغراقه في الاستلاب؟!

*****

وبعد، فإن استقراء واقع الأمر الذي يغرق فيه الإسلام وأهله في ظلماتهما التي أضحت بل صارت تراثهما الذي يتقن استغلاله الاستبداد السياسي فيغطّي به ظلمه وطغيانه وفساده، والذي يكرّسه كل من منظّري الإسلام بتأليه فهمه له رادًّا تلك الظلمات إلى “الآخر المختلف”، وتآمره عليه وعلى أهله، إن هذا الاستقراء أفضى بنا إلى ما يلي:

  • إن “السماء” بريئة مما أفسدته “الأرض” باستعلائها على ترابيّتها ودنيويتها، وبزعمها أنها هي السماء وقد قسّمتها وشرذمتها وجعلتها تتماهى في شراذمها هي (الأرض) التي جعلها منظرّو السماء على ما هي عليه منها، إذ شوّهوا السماء معتدين عليها من غير وجه حق، وأفسدوا الأرض بمصادرتهم لطبيعتها وتوهّمهم إبدالها بطبيعة مغايرة لها تمامًا، عنينا بها “طبيعة السماء”؛ فلا السماء بقيت سماء، ولا الأرض بقيت أرضًا باتّباعهم أهواءهم، أو لا السماء صارت أرضًا، ولا الأرض سماء، كما توهّموا أن الحقيقة كلّها في ما ذهبوا إليه، لامتناع كل منهما عن صيرورتها الأخرى، وفقًا لسويّة الأمور التي تقضي بأن الشيء يبقى نفسه ما دام قائمًا بطبيعته.
  • إن وجوب ما ينبغي أن يكون الإنسان عليه تحت مظلّة السماء، يقتضي أن يقوم بمهام خلافة الله في الأرض، وهو سيّدها، وحرّ ومسؤول تجاه خالقه، وفي استعمارها واستثمارها دون الإفساد فيها، وفي حكم نفسه وسياستها بالحق والعدل بعيدًا من الهوى والظلم والاعتداء.
  • ان الإنسان لهو في ابتلاء دائم يستفزّ أهليّته أملًا في أن يأتي بلاؤه حسنًا يقيس مدى إفلاحه ومدى إخفاقه في ما يصنعه من حياة، أو مدى سيادته وحريّته المسؤولة تحت مظلّة إعمال العقل الذي يهدي ويضلّ لكونه ملاذه في ما يرى ويريد ويفعل، ولكون الإنسان محضوضًا على اكتشاف الحقيقة به، واكتساب المعرفة، وريادة الحكمة، وتميّز الخير من الشرّ، والحق من الباطل، والعدل من الظلم، وما إلى ذلك، في الحياة الدنيا التي تسود فيها حقائق قائمة، وتحكمها في كلّها وبعضها من قبيل التغيّريّة والتطوّرية والتاريخيّة التي لا يفلت منها شيء فيها…

ولكن، أين أهل الإسلام من هذا الإنسان الواجب نشاطه على النحو المذكور تحت مظلّة السماء مؤتّمًا بالعقل الناقد الحر؟! أين الإسلام القائم بمظلة السماء منهم وقد ذهب إعمال عقلهم المستبدّ به كل مذهب؟! أويحتاجون إلى بضعة عشر قرنًا أخرى حتى يفيقوا من سباتهم، فيستنهضوا أهليّتهم، فيثبتوا جدارتهم بخلافة الأرض وقد سبقهم إليها الآخر المختلف الأكثر اتّهامًا بالتآمر عليهم زاعمين أنه سبب الظلمات التي يغرقون فيها فضلًا عن تباعدهم من الدين القويم في ممارسة الحياة؟!…

إذا اقتضت مصلحة هذا الآخر المختلف أن يكون أهل الإسلام متأخرين ضعفاء مغلوبين على أمرهم، تابعين يتخبّطون في الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والتعليم والتنمية، وقد فهموا أو مارسوا الحكم استبدادًا على الأرض يطيح بالحريّة المسؤولة، والعقل الناقد الحر، وسيادة الإنسان حاكمًا ومحكومًا، كما فهموا ومارسوا رسالة السماء استبدادًا بها من حيث التنظير المتألّه، ما يطيح بهويّتها ووحدتها، وما يكرّس شرذمتهم وذهاب ريحهم، فهل هذا الآخر “المختلف المتآمر” هو الذي زرع هذا الاستبداد المزدوج في النفوس ليحصد استغلالهم واستثمارهم واستلابهم، أم هو هوى النفس الأمّارة بالسوء الذي لاقى فيها هوى النرجسّية، فتعاضدا ليتمكّنا من صاحبها ومن ذوي أمثالها، وما أكثرهم؟! وعمّ يعبّر الاستبداد بالحكم في ظلمه وطغيانه وفساده، إن لم يكن عن هوى السلطة في النفس؟! وهل من شيء أسوأ من إمرته؟! وعمّ يعبّر الاستبداد بفهم الدين في تأليهه وأدلجته والتفرّد بصحته وحقيقته وسلامته، إن لم يكن عن هوى النرجسيّة الذي لا يرى سواه في مرآة نفسه؟!..

لله درّك، أيها الاستبداد، ما أطول عمرك في نفوس المتنفذّين من أهل الإسلام! لقد انحنيت أمام قوس العدل وقوة الحق المشعّين من الإسلام، أو كمنت في ظل هيمنة الإسلام واستقامة أهله، أو اتّقيت الجهر والعلن حيث عجزت عنهما زمن حكم الرسول وبعض العهد الراشدي؛ ثم أخذت تتململ وتطلّ برأسك من حين لآخر، قبل ومع مصرع الخليفة الثالث عثمان بن عفان، حتى ذرّ قرنك صلبًا مع مصادرة الخلافة والحكم المتغلّب، لتستمر قائمًا في النفوس التي ترعاك وترعاها.

ترى إلى متى تدوم وقد تلبّست الحق والعدل وكل القيم العليا، وفعلك هو هو الظلم والطغيان والإفساد في الحكم، والتفرّد والتأليه والأدلجة في الدين؟! لقد جعلت أهل الإسلام وكأنهم يؤكّدون قول الملائكة عن خليفة الله في الأرض أنه يفسد فيها ويسفك الدماء، ويتجاهلون حكمة الله وعلمه بما لا يعلمون من جدارة وأهليّة الإنسان الذي قضى باستخلافه في الأرض، كما أخبرت بذلك الآية:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة : 30.)…

إن الجواب عن وضع حدّ للاستبداد المزدوج يقبع في أن يهتدي أهل الإسلام، منظّرين وأتباعًا، بإعمال عقلهم الناقد الحرّ إلى السبل المفضية إلى تقويض الأسس – الذرائع التي يتوسّلها العقل المستبد الهوي سياسيًّا ودينيًا، وأن يتبنوا ذلك بإرادتهم الحرة المسؤولة، فيشيّدوا على الأنقاض “الظالمة والمظلمة” صروحًا للعدل والحق والإشعاع في الدين والسياسة. أجل، إن الكرة في ملعبهم دون غيرهم. إذ كيف لنا أن ننتظر “المنّ والسلوى” من “السماء”وقد جعلتهما منوطين بحرّية الإنسان،إذا لم يقدم على تغيير ما بنفسه؟! أيقدمون؟! لعلّهم يفعلون…

لو أراد الله  للناس حياة ملائكيّة لجعل أباهم آدم ملاكًا أو أبقاه في الجنّة، ولما جعله من تراب، ولما كلّفه بخلافة الأرض. إن الإنسان هو المسؤول عمّا هو فيه في عالم الشهادة في كل تلاوين الحياة البشريّة الدنيوية في خيرها وشرّها، وحسنها وسوئها، وجمالها وقبحها، وصلاحها وفسادها، وعدلها وظلمها، ونعيمها وشقائها، وتقدّمها وتأخّرها، وتمدّنها وتوحّشها…الخ.

ولكن، إذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فما ذنب “السماء” لتستمر في تحمّل أوزار الناس وقد عبثوا بها بأهوائهم الاستبدادية التسلّطية والنرجسية في السياسة والدين على نحو ما أكثرنا الكلام عليه؟! أيرضيها الصبر على ما صارت إليه وقد مذهبتها “الأرض” وفرّقتها وماهتها في هويات التنظيرات والنرجسيات المتألّهة، فلم تجد نفسها في أي منها على الرغم من مفهوم “الفرقة الناجية”، كما أنها لم تجد نفسها أيضًا خارجًا عنها، أي في ما تلقّاه النبيّ المصطفى وفهمه وسنّه بسنّته تحت مظلّتها؟! وهل من بقية من صبر بعد، أم أن شرور واقع الأمر ومساوئه وظلماته قد استنفدت وتجاوزت كل طاقات الصبر وما دلّ عليه من جلد وأناة وإطاقة وهدوء وما إلى ذلك؟ هل من نهوض ممكن من بعد السبات المديد؟ وهل تستمرّ الأصالة والحداثة في ضياع وغربة عن الإسلام وأهله؟

لعلّنا نوفّق في معالجة هذه التساؤلات في إطار  “الوضع السّوي للإسلام وأهله” في المحور الأخير من البحث.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى