نظرية حياد لبنان.. قراءات ناقصة ومرتكزات واهية.. “الجزء/ 1”..

“المدارنت”..
نظرية حياد لبنان كما يطرحها ويروّج لها كثيرون تقوم على مجموعة مرتكزات سياسية وتاريخية مبتسرة ومجرّدة من خلفياتها وسياقاتها ومآلاتها الصحيحة فتحوّلت إلى تراكيب أو تصوّرات ذهنية مستحضرة من حقائق نصّية لم تلق لها يوماً ترجمة واقعية، فضلاً عمّا يشوبها من مغالطات تاريخية غير مسندة ناتجة عن قراءات مبتسرة.
المرتكز الأوّل: دولة لبنان الكبير،
منذ إعلانها في العام 1920، أعلنت دولة محايدة.
بشأن هذا المرتكز نطرح السؤال الآتي: هل يجوز الكلام على حياد دولة ما في ظلّ الإنتداب؟! إنّ حياد الدول يظهر في سياساتها الخارجية، فهل كان للدولة اللبنانية سياسة خارجية مستقلّة منذ العام 1920 إلى العام 1943
في حال التسليم إفتراضاً بأنّ الكلام جائز وبأنّه كان للدولة سياسة خارجية مستقلة كيف نفسّر، على سبيل المثال لا الحصر، دعوة الرئيس آميل إدّه، زعيم الكتلة الوطنية، إلى توقيع معاهدة مع فرنسا في العام 1936 لوضع لبنان تحت حمايتها الدائمة؟ وكيف نفهم لقاءه وايزمن (أصبح لاحقاً أوّل رئيس للدولة اليهودية) يوم أعلن أمامه أنّه يتطلّع إلى اليوم الذي يستطيع فيه لبنان إقامة علاقات مع الدولة اليهودية في فلسطين عند نشوئها؟ هذا والثورة الفلسطينية الكبرى كانت قد اندلعت لمنع نشوئها في العام 1936.
هذا وفي العام 1937التقاه في باريس وكان أوّل المهنّئين بقرار لجنة بيل الملكية القاضي باقتراح تقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية.
كذلك نطرح السؤال نفسه لماذا التقى الرئيس بشارة الخوري، زعيم الكتلة الدستورية، في العام 1941القيادي اليهودي ساسون بناء على توصية من المطران عبدالله خوري، رئيس الوفد اللبناني الثالث إلى مفاوضات باريس في العام 1920، وممّا قاله لساسون: يوجد بيننا وبينكم حاجز يجب إزالته، وهذا الحاجز هو جبل عامل.. هناك ضرورة لتفريغ هذه المنطقة من السكان الشيعة الذين يشكلون خطراً على بلدنا… لقد تعاونوا مع عصابات المفتي (مفتي فلسطين أمين الحسيني) لتهريب السلاح والرجال.. يجب تفريغ جبل عامل من سكانه وتوطين الموارنة اللبنانيين المهاجرين.. وسيقف عندئذ اليهود والموارنة صفّاً واحداً أمام الزحف الإسلامي من الشرق.. (المرجع: الإتصالات السرّية العربية-الصهيونية 1918-1993، تأليف أمين مصطفى، 1994)
وقبل الرئيسين إدّه والخوري كان الرئيس رياض الصلح قد زار القدس والتقى بن غوريون..
ثانياً: ميثاق 1943 تكريس دولة حيادية
ميثاق 1943 قام على تنازلين متقابلين: تنازل عن الوحدة مع سوريا يقابله تنازل عن الحماية الأجنبية..
هل في هذين التنازلين ملامح دولة حيادية بالمفهوم القانوني أو حتّى السياسي؟
إنّهما يعنيان فقط سيادة وطن واستقلاله واعترافاً نهائياً بكيانه السياسي (الدولة) والجغرافي (الحدود)..
إنّها نتيجة تسوية بين تيارين أنتجت تيّاراً إستقلالياً سيادياً وطنياً منفتحاً على العالم إلى أقصى حدود الإنفتاح ومتفاهماً مع العرب إلى أقصى حدود التفاهم مانعاً قوى الإستعمار من اتّخاذ أراضيه مقرّاً أو معبراً للإعتداء على دولهم.
هذا التيّار ثبّت هويّة لبنان وكيان دولته ودوره وطبيعة علاقاته العربية والدولية من خلال البيان الوزاري الأوّل لحكومة الإستقلال.
هذا التيّار لم يولد من تفاهمات بين رجلين، رياض الصلح وبشارة الخوري، فلقد أسس له لقاء شخصيات وطنية عقد في منزل يوسف السودا (أحد منظّري القومية اللبنانية) أعلنوا ميثاقاً فيما بينهم ووقّعوه وسمّوه ” الميثاق الوطني اللبناني”.
جاء في مادته الأولى ما يلي: “إستقلال لبنان التام في حدوده الحاضرة وكيانه الجمهوري وحكمه الوطني.”
وجاء في مادته الثانية ما يلي: “تمكين الصلة بين الدول العربية المجاورة في اتّجاه حلف يضمن لكلّ منها في دائرة كيانه الخاص الإستقلال التام والإنعاش الإقتصادي والكرامة القومية..”
هذه الدعوة السيادية للذهاب في اتّجاه حلف بين الدول العربية من موقع إستقلالي جدّدها الدكتور شارل مالك وزير لبنان المفوّض في الأمم المتّحدة بتاريخ 1949 من خلال تقرير بعث به إلى الحكومة اللبنانية بعنوان: القضايا الأساسية الأخيرة، من أبرز نقاطه:
- ” حان وقت بزوغ حركة تحرّرية صحيحة وشاملة.. لبنان وسوريا بين جميع الدول العربية مدعوان لقيادة هذه الحركة..”
- ” القوى المسيحية على العموم، والكنيسة الكاثوليكية على الخصوص، حليفة للعرب في نضالهم ضدّ الصهيونية..”
- “إستقلال لبنان ضرورة تامة..”
نستخلص من كلّ هذا أن لا حياد في ميثاق 1943
بل ذهاب واضح في اتجاه العرب من موقع إستقلالي.
أمّا القول بأنّ ميثاق 1943 قام على مقولة “لا شرق ولا غرب” لتثبيت حيادية الدولة اللبنانية فنجد فيه حيادية نصّ لا واقع.. والحيادية هنا لا ترتقي إلى مفهوم الحياد الدولي بل هي أقرب إلى اتّخاذ مسافة متساوية بين طرفين (النأي بالنفس) فرضتها موجبات إستقلالية لإنجاح مسيرة بناء الدولة المستقلّة. دليلنا إلى ذلك ما يلي:
مقولة “لا شرق ولا غرب” إقترنت بمقولة “لبنان ذو وجه عربي”. هذا “الوجه العربي” فرض على الدولة اللبنانية التزامات عربية لا تقلّ عن التزامات أي دولة عربية أخرى عربية “الوجه والقلب واللسان”. من هذه الإلتزامات:
- ما نصّ عليه بروتوكول الإسكندرية وما رافقه من مداخلات على ألسنة أعضاء الوفود اللبنانية، ومن أغرب ما ارتكزت عليه نظرية حياد لبنان أنّه وقعت على مقولة “لبنان دولة مساندة وليس دولة مواجهة” في الأعمال الإعدادية لميثاق الجامعة العربية. ولنا عودة إليها تحت العنوان نفسه.
- ما نصّ عليه ميثاق جامعة الدول العربية 1945 ومعاهدة الدفاع المشترك 1950 وما رافق ذلك من مداخلات على ألسنة أعضاء الوفود اللبنانية.
- مشاركة قوّة من الجيش اللبناني في حرب التحرير سنة 1948 بقيادة الشهيد محمّد زغيب وتحرير المالكية من الصهاينة ولنا عودة إلى هذه المشاركة وموقف الرئيس بشارة الخوري منها..
من هنا نتبيّن منذ البداية أنّ الأرجحية في مقولة “لا شرق ولا غرب” كانت للشرق وتحديداً لعروبة لبنان. هذه الأرجحية تدرّجت لتمنح لبنان هويته العربية وانتماءه العربي في “وثيقة الوفاق الوطني” المعروفة ب “وثيقة الطائف” والمكرّسة في مقدّمة الدستور اللبناني لعام 1990، ونصّها واضح لجهة إقامة علاقات مميّزة بين لبنان وسوريا، علاقات تجسّدت في “معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق بين الجمهورية اللبنانية والجمهورية العربية السورية”، وفي “المجلس الأعلى اللبناني السوري.”
بين “لبنان ذو وجه عربي” و”لبنان عربي الهوية والإنتماء” مسيرة طويلة في الزمن السياسي اللبناني أحياناً تقدّم فيها الغرب على الشرق وأحياناً أخرى تقدّم فيها الشرق على الغرب في جدلية تبادلية خاضعة لموازين القوى الخارجية وارتداداتها على موازين القوى الداخلية.. والجدلية هذه عميقة الإرتباط بالخلاف الجوهري على الهوية بكلّ منطوياتها الثقافية والدينية والسلالية وبكلّ تطلّعاتها المعبّرة فعلاً عن تلك المنطويات، ما يعني أنّ ثمّة عطباً تكوينياً (هويّاتياً) يتحكّم بلبنان شرقاً وغرباً ويمنع أن تستأثر به أيّ فئة وأن تشدّه إلى اتّجاه نهائي.. من هنا عند كلّ أزمة يعود اللبنانيون إلى طرح السؤال: أيّ لبنان نريد؟
- لبنان المتّجه شرقاً
- خلال معركة الإستقلال برز إتّجاه لبناني عربي واضح يريد الإستقلال عن الفرنسيين بالتعاون مع سوريا والدول العربية (رياض الصلح)، في مواجهة إتّجاه لبناني آخر يريد الإستقلال بحماية وضمانة فرنسية (آميل إدّه)، قابلهما إتّجاه لبناني (بشارة الخوري) يريد الإستقلال باعتراف سوريا والدول العربية، وهذا ما ناله من مصطفى النحّاس باشا رئيس وزراء مصر وجميل مردم وزير خارجية سوريا في اجتماع عقد في القاهرة سنة 1942 أبدى خلاله بشارة الخوري استعداده للتعاون مع الدول العربية مشترطاً الإعتراف باستقلال لبنان ضمن حدوده المعلنة في العام 1920، وهذا ما عزّز الإتّجاه العربي الذي بلغ حدود مشاركة وفد لبناني في “مشاورات الوحدة العربية” في العام 1944برئاسة رياض الصلح رئيس الوزراء وعضوية سليم تقلا وزير الخارجية (لبنان في جامعة الدول العربية، الدكتور أحمد خليل محمودي، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، ص.57)
- سليم تقلا، ملقياً كلمة الوفد اللبناني في اللجنة التحضيرية لبروتوكول الإسكندرية، قال: “لم يكن لبنان يوماً، وهو إبن العربية البار، إلاّ الحافظ الأمين للرسالة الباهرة التي اضطلع بها العرب..” (المرجع نفسه، ص.57)
- عبد الحميد كرامي، رئيس الوزراء ورئيس الوفد اللبناني، ألقى كلمة في جلسة التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية في 22 آذار عام 1945، نقتطف منها نقاطاً دالّة على لبنان المتّجه صوب العروبة: حمل إلى المجتمعين “تحية لبنان العربي” (وليس تحية لبنان ذي الوجه العربي)، إستخدم مصطلح الأقطار غير مرّة (مفهوم الأقطار يعني أنّ أيّ دولة عربية هي جزء من كلّ)، إعتبر الجامعة صرحاً قومياً وإنشاءها خطوة نحو “الغاية السامية” (يقصد الوحدة العربية)، إستخدم مصطلح “الأمّة العربية” غير مرّة (مفهوم الأمّة تجاوز لحدود الدول القائمة وتخطّ واضح للهويات الفرعية)، واعتبر يوم إنشاء الجامعة “يوم البعث لهذه الأمّة العربية”، ورفع تحية لبنان إلى “سائر أبناء العروبة الأباة”(مفهوم أبناء العروبة يعني شمولية الإنتماء إليها وجعله فوق الإنتماءات الجزئية)، تحية لبنان “المقيم للعروبة في أمسه ويومه وغده، على الودّ والولاء..” (المرجع: لبنان في جامعة الدول العربية، ص.303-304)
- هنري فرعون، وزير خارجية لبنان، حدّد إنتماء لبنان في الجلسة الأولى للجنة الفرعية السياسية المنبثقة عن الجامعة باسخدامه مصطلح الأقطار العربية جاعلاّ بذلك الكيان اللبناني جزءاً من جغرافية الأقطار العربية (مفهوم جغرافي/سياسي)، ثمّ بقوله: “نحن أبناء هذا الشرق العربي”(مفهوم جغرافي/بشري سلالي هويّاتي)، ما يثبت أنّ مصطلحات توجّه لبنان صوب العروبة السياسية والقومية في إطارها الجغرافي لم تكن غائبة عن خطب ومداخلات رجالات تلك المرحلة المشاركين في الإجتماعات التحضيرية لميثاق جامعة الدول العربية.
- شارك لبنان في إجتماعات اللجنة السياسية واللجنة العسكرية ورؤساء الأركان تحضيراً لحرب تحرير فلسطين في العام 1948 وشكّل مفرزة من الجيش اللبناني بقيادة الشهيد محمّد زغيب إبن بعلبك، إنضوت تحت لواء جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي إبن طرابلس، دخلت فلسطين وخاضت معركة المالكية وحرّرتها من جنود الإحتلال من 15 أيار إلى 7 حزيران وسلّمتها لجيش الإنقاذ وقد استشهد ثمانية من عناصرها.
- في العام 1950 طرحت الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا مشروع حلف الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط. رفضت الحكومة اللبنانية المشروع التزاماً بالقرار الرافض له بالإجماع في جامعة الدول العربية. إلتزام القرار العربي دليل أنّ حياد البدايات هو حياد بين دولة عربية وأخرى أو بين مجموعة دول عربية ومجموعة أخرى وليس بين دولة عربية ودولة أجنبية أو بين دول عربية ودول أجنبية. فالإتّجاه شرقاً صوب العروبة هو الغالب.
- صدّق المجلس النيابي اللبناني على معاهدة الدفاع العربي المشترك في 24 كانون الأوّل سنة1952 بعد أن تبنّت لجنة الشؤون الخارجية تقرير لجنة الدفاع الوطني التي وافقت عليها بالإجماع لأنّها، كما جاء في تقريرها، “تعبير صريح عن إرادة (الشعب اللبناني) بالسير بدون تراجع أو تردّد أو تحفّظ في طريق التعاون الوثيق بين دول الجامعة في كافة النواحي السياسية والإقتصادية والعسكرية..” (مقرر لجنة الدفاع نائب الشوف كميل شمعون)
- الرئيس صائب سلام، وزير دولة في العام 1956، مثّل لبنان في اجتماع اللجنة السياسية المنبثقة من جامعة الدول العربية للبحث في العدوان الثلاثي على مصر في العام نفسه، إذ اعتبر المجتمعون أنّ أيّ اعتداء على سيادة أيّ دولة عربية هو اعتداء على سيادة الدول العربية جميعاً.. وأكّدوا أنّ أيّ حلّ يجب ألاّ يتعارض مع سيادة مصر والصالح القومي العربي..
- الرئيس كميل شمعون أعلن في اجتماع وطني عقد في السراي ضمّ زعماء البلاد أنّه قام بدعوة ملوك ورؤساء الدول العربية إلى اجتماع لاتّخاذ كلّ التدابير من ديبلوماسية وغيرها (العسكرية ضمناً؟) للوقوف بوجه العدوان.
- مجلس النواب شجب العدوان بالإجماع وطلب إلى الحكومة إتّخاذ التدابير التي تفرضها على لبنان واجبات الأخوّة وميثاق الجامعة ومعاهدة الدفاع.
- عقد مؤتمر الملوك والرؤساء العرب في بيروت يومي 13و14 تشرين الثاني من العام 1956، في افتتاح المؤتمر اعتبر الرئيس شمعون أنّ ” وجودنا وحرّيتنا وكرامتنا هي اليوم أمام امتحان… وقدّر لمصر موقفها البطولي في الدفاع عن “أراضيها وحقوقها بل عن أراضينا وحقوقنا جميعاً، عن حقوق العرب ومصالحهم في جميع ديارهم..”
جاء في البيان الختامي: “الإعتداء على مصر هو اعتداء على الأمّة العربية..”
- رفض الرئيس شمعون تطبيق مقررات المؤتمر المتعلّقة بقطع العلاقات الديبلوماسية مع فرنسا وبريطانيا فانقلب المشهد وتعمّق إتّجاه لبنان غرباً..
بالرغم من هذه المعطيات التي تثبت إتّجاه لبنان شرقاُ، ومّما سيرد لاحقاً من معطيات تثبت إتّجاهه غرباً، ما يزال البعض يعتقد أنّ مقولة “لا شرق ولا غرب” قاعدة سليمة لطرح حياد لبنان!!
- لبنان المتّجه غرباً
- بعد الحرب العالمية الثانية إنقسم العالم إلى معسكرين، المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الشرقي بقيادة الإتّحاد السوفياتي.
تمهيداً لسياسة الأحلاف وإيجاد نظام دفاعي عن الشرق الأوسط لمواجهة “المعسكر الشرقي” كتب شارل مالك في 5 آب 1949 داعياً إلى تشكيل “الحلف العربي” بديلاً من جامعة الدول العربية: “وما دامت فكرة الحلف هي المسيطرة على التفكير السياسي العالمي اليوم، فلا بأس أن تتمشّى الدول العربية في وحدتها المرجو تجديدها مع هذا التطوّر الدولي وأن تعطي وحدتها شكل الحلف.. لهذا فأنا أدعو إلى خلق حلف عسكري واقتصادي تتفاهم فيه الدول العربية فيما بينها..” ويشدّد على “أنّ عرقلة توحيد البلدان العربية لم تأت ولا تأتي من لبنان.” (شارل مالك والقضيّة الفلسطينية، منشورات بدران، بيروت 1973 ص.86، عن لبنان في جامعة الدول العربية، مرجع سابق)
دعوة شارل مالك للحلف العربي دعوة للوقوف في مواجهة “المعسكر الشرقي”. خلاصة تفكيره تبدّت في العام 1951 من موقعه وزيراً لبنان المفوّض في واشنطن، وهي الآتية: أمن الدول العربية مشروط بمساعدة الدول الغربية، ولكن على هذه الدول، بالمقابل، أن تنخرط في المشروع الغربي للدفاع عن منطقة الشرق الأوسط..
إزاء هذا المشروع إنقسم المجلس النيابي بين مؤيّد ورافض، ولكن في جلسة 27 كانون الثاني 1951 أقرّ المشروع بالأكثرية.. وهو مشروع سياسي/عسكري بعنوان اقتصادي: “النقطة الرابعة”.
- سياسة الرئيس كميل شمعون الموالية لحلف بغداد والمتعاملة مع تركيا والعراق أكّدها فؤاد عمون (وزير خارجية) في كتابه الذي هو بعنوان: سياسة لبنان الخارجية (دار النشر العربية، بيروت 1959، ص.62) كان لديه إتّجاه لتأييده من دون إعلان الإنضمام إليه رسمياً ما أدّى إلى بروز اتّجاه مناهض لهذا الإتّجاه وداع إلى تأييد الحلف المصري/السعودي/السوري. رئيس الحكومة سامي الصلح أنّ الحكومة لا تريد لا هذا ولا ذاك فوافق المجلس النيابي على سياسة الحكومة في 14 أيار 1955 في حين أنّ وزير خارجيته ألفرد نقاش كان يعبّر عن وجهة نظر الرئيس شمعون.
- بتاريخ 4 كانون الأوّل 1956 أعلن شارل مالك أمام لجنة الشؤون الخارجية في المجلس النيابي، جاء فيه: “لا بدّ أن ينضمّ بشكل ما إلى المعسكر الغربي لأنّ نظرية الحياد غير عملية ولا تقوم على أساس صحيح، وأنّ على لبنان أن يجد أفضل وسيلة للإرتباط بالولايات المتّحدة..” فالحياد بين المعسكرين أمر مستحيل، وهذا ما كان عنوان تلك المرحلة، وهذا ما أكّده الرئيس شمعون أمام مجلس الوزراء بقوله: “إنّ لبنان لم يجد مفرّاً من تحديد موقفه بعد أن تبيّن إستحالة المحافظة على الحياد بين المعسكرين الدوليين..” (حمدي الطاهري، مرجع سابق، عن “لبنان في جامعة االدول العربية”، ص.272)
- 16آذار 1957 تاريخ لتوقيع بيان أميركي/لبناني (السفير ريتشاردز عن الجانب الأميركي والدكتور شارل مالك عن الجانب اللبناني) يعلن فيه لبنان قبول مبدأ أيزنهاور القاضي بمساعدة أي دولة شرق أوسطية يتهدّدها الخطر الشيوعي. من بنود هذا البيان الفقرة التالية: “ترى الحكومتان أنّ الشيوعية الدولية تتنافى مع الإستقلال القومي..” وفيه إشارة إلى أنّ الولايات المتحدة تدافع عن لبنان في حال تعرّضه لعدوان شيوعي..
يقول ادمون رباط أعلن «الرئيس الأميركي ايزنهاور عن مشروع يقضي بتولّي الولايات المتحدة الأميركية تنسيق وسائل الدفاع الغربية في الشرق الأوسط، والتعاون مع الدول العربية للدفاع عن المنطقة ضد الخطر الأحمر، وأرسل الرئيس ايزنهاور موفداً عنه، هو المستر جايمز ريتشاردز، لمفاوضة الدول العربية حول هذا الشأن، فسارعت الحكومة اللبنانية إلى «تبني مشروع ايزنهاور، وكان ذلك دليلاً واضحاً على انحياز الحكم اللبناني إلى الغرب ومقاومته لتيار القومية العربية الذي كان جمال عبد الناصر قد أصبح زعيمه، الأمر الذي أثار حملة سورية ومصرية ضدّه، ما لبث المسلمون اللبنانيون ان تأثروا بها. وفي 6 آذار 1957 صدر بيان مشترك لبناني – أميركي وقّعه عن الجانب اللبناني وزير الخارجية آنئذ شارل مالك، يعلن انضمام لبنان إلى المشروع الأميركي، فكان ذلك إيذاناً ببلوغ لبنان نقطة اللارجوع في علاقاته مع مصر…». فكان من شأن ذلك أن يعتبر نسفاً لصيغة الميثاق الوطني التي توافق عليها اللبنانيون عام 1943.
من هذا كلّه نفهم أنّ بناء نظرية الحياد بالإستناد إلى معادلة “لا شرق لا غرب” السلبية يتهاوى عند اصطدامه بواقع تاريخي مخالف، كما رأينا، وواقع دستوري، وهذا هو الأهمّ، فالوقائع التاريخية لا تعيد نفسها على نحو ما كان، ومقدمة دستور 1990 أنهت تلك المعادلة بتثبيتها هوية لبنان وانتماءه العربيين وقضت على كلّ المضامين الحيادية التي حمّلت “لوجهه العربي” وتركته هوية ضائعة ما بين شرق وغرب.
بالإستناد إلى مجمل الكلام السابق نستخلص أنّ حياد البدايات (1920- 1957) لم يكن حياداً، مهما اجتهد البعض في تخريج صيغه وتفسير معانيه، وهو بدون شكّ يبقى مجالاً لنقاش أوسع مع من يهوى المعادلات الذهنية التي لا شاهد واقعياً لها..
ثالثاً: لبنان دولة مساندة لا دولة مواجهة
مقولة صحيحة لكنها من تاريخ آخر فقد وردت في إجتماع الرؤساء العرب في القاهرة بعد نكسة 1967 للبحث في سبل مواجهة إسرائيل ومساعدة دول الطوق، مصر والأردن وسوريا..
من باب السجال الإفتراضي، وبصرف النظر عن تاريخ منشئها، ما علاقة هذه المقولة بالحياد حتى ولوكان من تصنيف “الحيادات الناشطة”.. ألا تتضمن هذه المقولة معنى الإنخراط في المواجهة بشكل أو بآخر؟ إلاّ إذا كان القصد المساندة اللفظية أو المعنوية التي تدخل إلى المواجهة من باب التعاطف وليس من باب المؤازرة المادية التي تفرضها طبيعة المواجهة خصوصاً متى كانت عسكرية!! وهذه هي طبيعة المواجهة التي عناها إجتماع الرؤساء العرب في القاهرة والتي تتلاءم والسياق التاريخي لحروب تلك المرحلة.
ما يعزّز الرأي القائل بهذه المغالطة التاريخية مشاركة لبنان في اجتماعات اللجنة العسكرية ورؤساء الأركان إعداداً لحرب التحرير التي خاضها جيش الإنقاذ في العام 1948. يقول الرئيس بشارة الخوري:” .. أسفرت إتصالات رياض المتتابعة التي أجراها بالإتفاق معي في العواصم العربية عن تصميم العرب على القيام بعمل عسكري مشترك للذود عن فلسطين وكانوا ينتظرون إنهاء الإنتداب في الخامس عشر من نوّار ليزحفوا إليها..” (حقائق لبنانية، ج3 ص.101)
وفي “حقائق لبنانية” نقع على نداء بشارة الخوري إلى الجنود اللبنانيين المشاركين في حرب التحرير، جاء فيه: ” سيروا على بركات الله تدفعكم عقيدة راسخة بحقّ يسعون إلى هضمه وتريدون له إحقاقاً.. ولترافق موكبكم ومواكب رفقائكم من جنود الدول العربية البواسل ألوية النصر والظفر..” (ص.103)
وهذا ما يجعلنا نؤكّد في جانب آخر، غير السقطات التاريخية، أنّ حياد البدايات، كما تقول نظرية الحياد منذ العام 1920إلى العام 1969، ليس فيه معنى واحداً من معاني الحياد. هنا نضيف إلى لائحة إثبات هذه الحقيقة بوجهيها التاريخي والسياسي المشروع اللبناني الذي قدّمه الوفد اللبناني في الإجتماعات التحضيرية لمعاهدة الدفاع العربي المشترك، المادة الخامسة: “تقرّر الدول المتعاقدة أنّ كلّ اعتداء مسلّح على دولة منها أو أكثر من دولة، يعتبر إعتداء على هذه الدول جميعاً، فعليها بموجب الحقّ في الدفاع المشروع عن النفس الفردي والجماعي.. أن تقوم بنصرة الدولة أو الدول المعتدى عليها، وأن تتّخذ على الفور منفردة ومجتمعة، بجميع ما لديها من وسائل، بما في ذلك إستخدام القوّة المسلّحة لردّ الإعتتداء..” (تشرين الثاني 1949)
طبّق هذا الأمر أو لم يطبّق فلا تأثير في ذلك على أنّ الحكومة اللبنانية لم ترد في ذهنها آنذاك فكرة الحياد بل بخلاف ذلك لقد عبّرت بوضوح عن إرادة الإنخراط في الدفاع العربي المشترك..
- عميد سابق لكلية الآداب والعلوم الانسانية في الجامعة اللبنانية
========================



