مقالات

بطل من أمتي.. جعل جسده وقوداً لحريتنا!

بكر الحسيني/ سوريا

خاص “المدارنت”
في ذلك الصباح من 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010، لم يكن في سيدي بوزيد مشهد بطولي ولا نيّة لدخول التاريخ. كان هناك شاب محاصر بالفقر والاهانة، اسمه محمد البوعزيزي، يحمل في صدره ما تحمله ملايين الصدور العربية من شعورٍ ثقيل بالعجز والاضطهاد.
لم يكن يطلب أكثر من أن يُعامل كإنسان، وحين سُحبت منه أبسط حقوقه، لم يجد لغة يفهمها العالم أكثر من جسده ليحرقه.
ما فعله البوعزيزي، لم يكن فعل يأسٍ فردي، بل كان لحظة فضيحة أخلاقية لنظام حكم بأكمله. فجأة، رأى الناس أنفسهم فيه. رأوا البائع، والعاطل عن العمل، والطالب، والعامل، وكل مَن صَفعه النظام يوماً ثم طالبه بالصمت. لذلك لم تكن النار التي اشتعلت في جسده محصورة في مكانها، خرجت من الإطار التونسي الضيق، وسافرت بلا جوازات، عبر الشاشات والقلوب.
حين توفي في 4 كانون الثاني/يناير 2011، كان قد قال كل ما عجزت الخطب السياسية عن قوله. لم يضع برنامجاً حزبياً، ولم يرفع شعاراً، لكنه كسر المسلّمة الأخطر: أن الخوف قدر. بعده، لم تعد الشعوب كما كانت، حتى حين فشلت الثورات أو انكسرت، بقي شيء ما مكسوراً إلى الأبد في داخل الطغيان نفسه.
من تونس إلى مصر، ومن ليبيا إلى اليمن، وصولاً إلى سوريا، تغيّر المزاج العام. صار السؤال مطروحاً في كل بيت: لماذا نصمت؟ ولماذا نقبل؟ نحن السوريين نعرف جيداً معنى تلك اللحظة، لأننا دخلنا بعدها زمناً لا عودة فيه إلى ما قبله، مهما اشتدّ القمع وتكاثفت الخيبات.

شهيد الحرية محمد البوعزيزي

اليوم، وبعد كل هذا الدم والخذلان، يحاول ورثة الاستبداد العودة بأسماء جديدة، وبخطاب مغاير، شبيه بالحرباء المتلونة، وبادعاء الحرص على الوطن، الوطن الذي كان له توصيف آخر قبل عام 2011، الوطن الذي عرفناه على مدى 14 عاماً، لا يشبه الوطن الذين يتشدقون بالدفاع عنه اليوم. لكنهم يواجهون حقيقة بسيطة: أن الشعوب التي تذوقت طعم الحرية، لا يمكن إقناعها بأن القفص أمان.
وأن الأمة جاهزة لتقديم مليون محمد آخر في سبيل البقاء في الحرية التي وهبتنا إياها يا محمد.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى