مقالات

بعد سقوط دمشق.. قراءة في هندسة السيطرة “الإسرائيلية”

معتز فخر الدين/ لبنان

‎خاص “المدارنت”
‎
سقوط دمشق، ليس مجرد حدث سياسي، بل انعكاس لصراع أعمق حول السيطرة على الجغرافيا والوعي في المشرق العربي.

ما يجري اليوم في الجنوب السوري، وفي شمال شرق الفرات والجزيرة، لا يمكن قراءته كأحداث متفرقة، بل كجزء من عملية إعادة تشكيل إقليمي تُدار من خارج الجغرافيا السورية. وهي عملية وجدت طريقها عبر هشاشة الدولة وضعف الداخل، هشاشة تراكمت على مدى عقود من غياب الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات، ومن انعدام العدالة الاجتماعية وتغييب التداول السلمي للسلطة.
مواجهة هذه التحولات لا تكون بالسلاح وحده، بل بإعادة بناء الوعي الوطني والدولة الجامعة التي تتجاوز الانقسامات وتتصالح مع مواطنيها، مع التنبيه للنظام الجديد من تكرار أخطاء سلفه.

سقوط النظام: انعكاس للصراع الجيوسياسي

ليس سقوط النظام السوري حدثاً عابراً في تاريخ المنطقة، بل هو أحد أكثر المنعطفات كشفاً لجوهر الصراع في المشرق العربي: من يملك الجغرافيا؟ ومن يعيد تعريفها؟

في الظاهر، بدا المشهد احتفالياً: العواصم الغربية تتحدث عن “نهاية الاستبداد وتوقف المأساة”، بعض العرب عن “استعادة الدولة والدور”، والإسرائيلي عن “فرصة للسلام بشروطه”.
لكنّ خلف هذه الشعارات كانت الخرائط تُرسم بدم بارد، على مقاس مشروع لم يتوقف منذ قيام الكيان الصهيوني: مشروع تفكيك المشرق وتحويله إلى فضاءات رخوة تُدار بالتحكم عن بعد.

إسرائيل: من الهيمنة الكولونيالية إلى التطبيع الاستراتيجي

فإسرائيل لم تخرج من طورها الكولونيالي قط، بل أعادت إنتاجه عبر أدوات أكثر دهاءً: من “حسن الجوار الإنساني” إلى مشاريع “الاستقرار الأمني” (الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح). التطبيع لم يعد مساراً سياسياً، بل تحوّل إلى استراتيجية هيمنة ناعمة، تلبس لغة التعاون بينما تمارس منطق التقسيم.

الجنوب السوري: الدروز كحدود بشرية جديدة

ما يجري في الجنوب السوري ليس حادثاً موضعياً.
فالدروز الذين يُستدرجون اليوم إلى مشهد “التمكين الذاتي” بفعل التدخل الإسرائيلي، يُراد لهم أن يكونوا “حدوداً بشرية” جديدة، كما حُوِّلت بعض القوى في جنوب لبنان، في مرحلة ما، من أداة توازن إلى وسيلة سيطرة. فالمشروع الإسرائيلي لا يرى في الجماعات سوى خرائط متحركة تُستثمر لتثبيت الهيمنة، لا لتأسيس شراكة.

السياق الدولي والهشاشة الموضوعية

لكن الأخطر ليس في السلوك الإسرائيلي فحسب، بل في السياق الدولي الذي شرعن هذا النمط من السيطرة.
فحين تُدار خرائط سوريا بين غرف واشنطن وتل أبيب وأنقرة وغيرها من عواصم القرار، يغيب المشرق عن ذاته، ويتحول من فاعل إلى مفعول، من وطن إلى “ملف”، ومن مجتمع إلى “بيئة أمنية”.
وهنا تبلغ المأساة ذروتها: حين تُترك المرحلة الانتقالية لمخططات الخارج، دون أن تتوفر فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة الجامعة وما بعدها من مشروع وطني متماسك.

تفكيك الجغرافيا: بداية لتفكيك الأمة

إنّ تفكيك الجغرافيا السورية – من درعا والقنيطرة والسويداء في الجنوب، إلى شمال شرق الفرات والجزيرة السورية – ليس سوى مقدمة لتفكيك المعنى العربي نفسه.
فحين تُستغل هشاشة الدولة وتحولها إلى أقاليم حكم ذاتي متعددة، يُسحب من تحت المشرق آخر خيط جامع كان يحميه من الانقسام ويحمل فكرة الأمة.


حينها، تصبح كل جماعة مشروع دولة مصغّرة، وكل حدود مشروع هدنة، وكل ذاكرة عبئاً على الواقع الجديد.

مواجهة الهيمنة بالوعي الوطني

المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بفضح النيات الإسرائيلية، بل إعادة تعريف الموقف العربي نفسه.
فمواجهة “إسرائيل الجديدة” لا تكون بالصواريخ فقط، بل بالوعي الجديد الذي يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية الجامعة — الدولة التي لا تُدار من الخارج، ولا تُختزل في طائفة، ولا تُحوَّل إلى سوق أمنية للمصالح الأجنبية والمحاور.
كما يُذكّر هذا الواقع النظام الجديد بأن تحصين الداخل وبناء دولة مؤسسات عادلة ومستقرة، هو الشرط الأساسي لمنع تكرار تجارب الماضي وحماية السيادة الوطنية.
الخاتمة: درس دمشق للمشرق

لقد سقطت دمشق لا كمدينة فقط، بل كرمزٍ لفكرة الدولة التي وُلدت من رحم العروبة والاستقلال. وما تهاوى ليس النظام فحسب، بل واقع يُفرض على المشرق خارج سيادته، ويحدّ من قدرته على تخيّل نفسه كأمة واحدة تتجاوز الطوائف والحدود.
فالهزيمة ليست عسكرية بالضرورة، بل معرفية وأخلاقية: حين يُفرض على المشرق واقع خارجي يُقيّد حريته ويحدّ من قدرة شعوبه على إعادة بناء وحدتها.

ومن دمشق المهدّمة، كما من غزة المحاصرة وبيروت المنهكة، يخرج السؤال ذاته:
هل ما زال في المشرق من يؤمن بأن الدولة الواحدة المتصالحة مع مواطنيها هي الردّ الحقيقي على كل مشاريع التفكيك؟

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى