مقالات

“بيتي مِشْ فِدَا حَدَا”*..

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
عبارة صرخت بها أم لبنانية بوجع الموت أثناء الطلق.. ثكلى ببيتٍ، حثت ترابه فوق رأسها؛ كأنها تدفن ابنها البكر.. تتأمل بيتها الذي كان قبل دقائق متماسكًا..
وتصرخ: بيتي مش فدا حدا..

هي تعرف وعميقًا ما معنى بيت، كانت تكنسه، وتنظفه، وتشطفه، وتفتح شبابيكه على الأمل.
تعرف شعور المساء، حين تجتمع العائلة حول المائدة.. وتدرك أحاسيس الاستيقاظ بعد منتصف الليل؛ لترتب الأغطية فوق أطفالها النوّم..
وتعيش قسوة النهار، حين يخلو البيت من قاطنيه.
إنها أمّ، تحفظ عن ظهر قلب أين تضع ملابس أطفالها الداخلية، وألعابهم، والأوراق التي استأمنت عليها، وتبغ زوجها الذي يعود منهكًا من العمل.

تمد يدها من دون أن تنظر إلى خزائن المطبخ وجواريره، لتلقط بهارات الطبخ، أو ملعقة الطهو الخشبية.
هي أم سكنت خلايا أنفها روائح الغرف، تعلم بلا وعيها متى عليها أن تسقي ورود الشرفة، وتمسح الغبار عن صور الأحبة فوق الجدران.

“بيتي مش فدا حدا”.. بهذا فتحت صدرها على الريح، لتبعثر كل ما كان يقتل ذكرياتها الحلوة. كانت مبحوحة وهي تصرخ، فقد تقطّعت حبالها الصوتية مع تقطع حبال الغسيل عن شرفات بيتها الركام. يتفجر في بكائها يأس من بداية مستحيلة. يحار السامع إن كانت ترثي بيتها أم ترثي الوطن.

هي صرخة تسقط عنّا كل انتماءاتنا المزيّفة، وتفتح حقائبنا الفارغة إلا من تفاصيل النزوح.
وتعرينا من التبجّح فوق المنابر كلّما أقمنا انتصارًا، جلبنا حطامه من أعمار الفقراء.
فالحرب لا تهدم الدول، بل تهدم بيوت الأمهات.

* “بيتي مِشْ فِدَا حَدَا” (بَيتي ليسَ فِداءً لأحَد).
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى