“بيجو 504”.. حين يخسر الناس الأرض والأحلام.. للنشر بتاريخ 14 الجاري

كتبت الإعلامية مي عبد الله/ لبنان
لم أقرأ “بيجو 504” للكاتب عفيف دياب، بوصفها رواية عن سنوات مضت، بل قرأتها كأنها جردة حساب مفتوحة، لم يصل أصحابها إلى خاتمتها بعد. كأن عبدو ومريم وسعدى وراجي لا يتحدثون عن زمنهم وحده، بل يتركون لنا أسئلة ثقيلة، نعرف وجعها لأننا ما زلنا نعيشها، ولأن الجنوب الذي يسكن صفحات الرواية لا يزال يسكن قلوب أبنائه، بكل ما فيه من حب وخيبات ودم وحنين.بين نكسة عام 1967 واجتياح عام 1982، تأخذنا الرواية إلى قرى الجنوب، حيث كان حب فلسطين جزءاً من تكوين الناس، وحيث باع بعضهم ذهبهم ليشتروا بندقية، إيمانا منهم بأن التضحية قد تفتح طريقاً إلى الخلاص. لم يكونوا جميعا يبحثون عن مجد شخصي، بل آمنوا بقضية أحبّوها، وأرادوا أن يكون لهم دور في مواجهة ظلم تاريخي لم يستطيعوا السكوت عنه.
لكن الكاتب عفيف دياب يضعنا أمام السؤال الأصعب: ماذا يحدث حين تكون نيات الناس صادقة، بينما تنتهي بهم الطرق التي سلكوها إلى الخسارة؟ ماذا يبقى من النضال حين تُهدم البيوت، وتُقتلع العائلات من جذورها، وتُستنزف الأعمار، فيما تتقدم بدلات الجنرالات والمشاريع السياسية والحسابات الإقليمية على حساب الذين يدفعون أثمانها بأجسادهم؟
في الرواية، لا يعود الصراع مجرد خلاف بين البعثي عبدو وزوجته مريم الشيوعية، أو بين الأحزاب القومية والشيوعية والفلسطينية، بل يصبح صراعاً بين الإنسان وما آمن به، وبين الإخلاص لقضية والشك في الوسائل التي رُفعت باسمها!
“الكل يريد الحرب، إنه الجنون”.
كم تبدو هذه العبارة موجعة حتى اليوم! فالجنون يبدأ حين يصبح الجميع أسرى منطق الحرب، وحين يُطلب من الناس مواصلة التضحية من دون أن يعرفوا الى أين تقودهم وما هي نتائجها!
يقول عبدو تحت القصف الإسرائيلي: “هذه البلاد لم ترتح يوماً منذ العصر الجاهلي، لم نرث من أجدادنا سوى النكبات”، ويقول عادل في رسالته إلى أمه بعد أن اختار الرحيل: “بلادنا يا أمي ليست ربيعا، فصل واحد يلفها منذ تكورت الأرض وحبلت بالبشر، خريف يقتل أعمارنا وحبنا وإنسانيتنا، لم تعد البلاد لنا يا أمي”.
إنها أصوات أناس أنهكتهم المآسي، وتعبوا من انتظار ربيع لا يأتي. أحبوا أرضهم وآمنوا بقضاياهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام بيوت مهدمة، وأعمار مستنزفة، وعائلات اقتُلعت من جذورها، فيما لم تكن صدق النيات كافية لحمايتهم من الخسارة.
وتقول سعدى: “لقد تغير كل شيء يا أولادي، لم تعد الدار دارا ولم تعد للبيوت أرواح”.
أي خسارة أكبر من أن يعود الإنسان إلى بيته فلا يجده كما عرفه، حتى لو بقيت جدرانه؟ في الجنوب، البيت ليس حجارة فحسب، بل ذاكرة وأمان وأصوات أمهات وأشجار زيتون وحياة كاملة. وحين يُهدم، لا يخسر الناس سقفاً يأويهم فقط، بل يخسرون جزءاً من حياتهم وانتمائهم، ويجدون أنفسهم مضطرين إلى البدء من جديد، مرة بعد مرة.

من هنا، تتحول الرواية إلى جردة حساب لتجربة طويلة من النضال والخسارات. بعد سنوات من الحروب، بدأ كثيرون يراجعون تجربتهم الحزبية، ويسألون عن الثمن الذي دفعه لبنان والقضية الفلسطينية معاً. وإذا كان الهدف هو النضال من أجل فلسطين، أفلم يكن ينبغي أن تكون أرض المواجهة هناك، بدلا من أن يتحمل لبنان وأهله تبعات صراع استنزفهم؟ سؤال لا يلغي صدق الذين آمنوا بالقضية، لكنه يفتح بابا لمراجعة الوسائل والنتائج، ومن يقرر ساحة المعركة، ومن يدفع ثمنها من حياته وبيته ومستقبله.
“بيجو 504” ليست رواية عن الماضي وحده، بل مرآة لحاضر لا يزال الجنوب فيه يواجه الخوف على الأرض والبيوت ومستقبل الأبناء. وبين حرب وأخرى، يُطلب من أهله أن يصمدوا، ثم أن يعيدوا بناء ما تهدم، وكأن الأعمار والسنوات يمكن استعادتها كما تُستعاد الجدران.
لا يمكن تجاهل الاحتلال والاعتداءات والتهديد المستمر، ولا مطالبة أهل الجنوب بالتخلي عن حقهم في الأرض والأمان. لكن لا يمكن أيضا التعامل مع الحرب بوصفها قدرا أبديا، أو اعتبار كل نقاش حول تجنيب الناس حربا جديدة تنازلا عن الكرامة والحقوق. فالسلام ليس إنكارا للحقوق، كما أن الحرب ليست ضمانة لاستعادتها. والتحدي هو البحث عن طريق يحفظ السيادة والكرامة، ويمنح الناس فرصة حقيقية للحياة.
أما أسلوب الرواية، فهو من السهل الممتنع؛ سرد انسيابي وجذاب يشد القارئ من صفحة إلى أخرى من دون ملل. أحداث سمعنا عنها أو عشنا شيئا منها، لكن الراوي يعيد تقديمها في قالب جديد، يجعلنا نراها من زاوية مختلفة ونكتشف ما تختزنه من وجع وأسئلة لا تزال حاضرة.



