مقالات

بيروت وبغداد.. أرض الرسالة..

د. مكرم رباح/ لبنان
تتعدد أوجه الشبه بين لبنان والعراق، لا سيما في ماضي هذين البلدين وحاضرهما. يرسمان الصورة المتشائمة نفسها، كون التحديات التي تواجه هذين الكيانين – كل بلد بحسب حجمه طبعاً – عظيمة إن لم تكن مستحيلة. يبلغ دَين العراق، إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط ولثروات أخرى، حوالى 144 مليار دولار، في حين يفوق دَين لبنان، بصغر حجمه وسخافة اقتصاده، الـ 94 مليار دولار.
حُكم نظام “البعث” وصدام حسين للعراق لأكثر من أربعة عقود، حوّل أحد أعظم البلدان العربية إلى سجن كبير، مسخّراً ثرواته في خدمة أشرار عائلة صدام التي انتهجت القتل والإجرام. أما لبنان، ورغم تغنّيه بالديموقراطية والحرية، فإن تاريخه الحديث هو عبارة عن سنوات سوداء – تخللتها سنوات ذهبية – أظلَمها حكم طغمة مالية وسياسية تمتهن الارتهان الخارجي، ليس في سبيل مشروع إيديولوجي أو سياسي بل نتيجة هوَس السلطة ومرضها بملء جيوبها بالمال، ولو أتى ذلك على حساب ملء القبور بجثث الأبرياء.
مستقبل كلٍّ من البلدين حالك، لكن العراق بكل مشكلاته لا يزال يتمتع بواقع أفضل بكثير من واقع لبنان وشعبه الذي لم يستوعب بعد أن سقوطه الاقتصادي والسياسي لن يكون مرحلياً على غرار المرات السابقة، وأن نموذجه الحضاري المزعوم لم يعد لديه مكان في شرقٍ وعالم جديدين.
الأزمتان السياسية والاقتصادية العراقية واللبنانية متلازمتان بسبب تحول كل من البلدين إلى ساحة للتدخل الخارجي وربما قواعد متقدمة لـ”الحرس الثوري” الإيراني الذي تمكن عبر “حزب الله” وحشوده الشعبية من اختطاف الدولة في لبنان وتحدي سيادة الثانية في العراق. في كلا البلدين، ترتفع أصوات عدة تؤكد أن المدخل إلى الحل هو إجراء انتخابات نيابية مبكرة تشكّل، بحسب منطقهم، خطوة أولى باتجاه نهضة سياسية واقتصادية تعيد البلاد إلى سابق عهدها. الانتخابات النيابية المبكرة قد تكون فكرة إيجابية على الأقل في العراق حيث تُضعف الميليشيات التابعة لإيران وتحاصرها، وتدفع بالقوى الوسطية والسيادية كتيار مصطفى الكاظمي وأحزاب أخرى إلى مواجهة أكثر كفاءة مع تيار الـ “لا دولة”. وهذه الانتخابات المزمع إجراؤها في حزيران (يونيو) المقبل ستكون حازمة ليس فقط على صعيد الميليشيات الإيرانية بل أيضاً في إعطاء ثورة تشرين العراقية وشبابها بعضاً من المطالب التي ناشدوا بها والتي تعهدت حكومة الكاظمي تلبيتها قبل أن يتم إخلاء ساحات التظاهر، ولو موقتاً.
أما في لبنان، فإن الدعوات لإجراء انتخابات مبكرة، والتي غالباً ما تأتي من جانب الثورة وبعض الساسة، لن تقدّم ولن تؤخّر كونها تَعتبر أن المعركة مرتبطة فقط بالفساد، في حين تبقى قضية تحييد السلاح الإيراني من المواجهة خطوة جبانة أو ربما حمقاء كونها تنبع من اعتقاد بأن الخصم سيعترف بالهزيمة الديموقراطية إن حصلت، وهو أمر لا يمت إلى الواقع بصلة.
المواجهة الحقيقية لاستعادة المنطقة من براثن القوى الظلامية لم تعد على ضفاف المتوسط، بل انتقلت إلى بلاد ما بين الرافدين، والزيارة المرتقبة للبابا فرنسيس في آذار (مارس) المقبل إلى العراق، مهد الأديان والحضارات، ستكون صفعة للشعب اللبناني لتُذكّره بأن لبنان “وطن الرسالة” كما سمّاه البابا يوحنّا بولس الثاني أصبح اليوم مجرد صندوق بريد وقاعدة متقدمة لـ”حشد شعبي” مشكلته لم تعد مجرد مشكلة إقليمية كما يدّعون.
العراق ولبنان يواجهان العدو نفسه، وهذا العدو ليس مجرد عدو خارجي متمثلاً بإيران وأخواتها، بل عدو داخلي أكثر شراسة وخطورة في نفوس مواطنيه، ولا ينفكّ يروّج لأسطورة حضارته “العريقة” الكافية لهزيمة التحديات. لكنّ الفارق الأساسي يكمن في أن العراق يعترف بوجود هذا العدو ويواجهه بشجاعة، في حين أن لبنان وشعبه لا يزالان ينتظران الخلاص الربّاني الآتي من أمثال البابا الذي قرر هذه المرة أن يزور العراق دون أرض اللبن والعسل، لبنان. قد يكون هذا المتغير هو الرسالة الوحيدة التي يقرأها الشعب اللبناني ويتّعظ بها.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى