مقالات

بين التكفير والتخوين!

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
يعيش كثيرون في منطقتنا بين عقلتين قاتلتين، تستبيحان دم المختلف عنهما: عقلية التكفير، وعقلية التخوين.
تخرجك الأولى من رحمة الله وجنانه، وتخرجك الأخرى من رحمة النظام الحاكم وأحضانه.
بالتالي، يصبح الحصار قدر كلّ من يحاول استخدام عقله، والتفكير خارج الصندوق، فيخيّره الواقع بين التوبة أو قطع الرأس.
ولا تخفف التوبة من وطأة الشر، فهي حياة مؤجلة، وموت مؤجل إلى أن تحسم البيولوجيا مصير التائب.
فالكفر أن تأتي الله من حيث لم يأته أهلك، والخيانة أن تأتي الوطن من حيث لم يأمن أهلك الدخول إليه من قبل.
وفي قلب هذا الواقع، نعيش قصصًا صغيرة، تطلعنا على كسر المألوف وعلى حذر العيون مما لم تعتد على رؤيته.
كنت أرى أمي تصنع الكبّة النيّة في الجرن الحجري، تظل لساعات طويلة تدق اللحم بالمدقة الخشبية، فتتعب يدها، وتكل قدرتها على أي شيء بعد ذلك.
كان في بيتنا ماكينة يدوية لفرم اللحم، لكنها كانت تخشى استخدامها، وإن لتنعيم اللحمة قبل دقّها، خوفًا من رد فعل الجارات، ومن موقف أبي بعد أن يذوق الكبّة.
ماتت أمّي قبل أبي، وصار هو يتناول الكبّة النيئة المشتراة من المطاعم، أو المصنوعة على “المولينيكس” في بيوت أبنائه وبناته، من دون أن يكل التحسّر على تلك التي كانت تعدّها أمّي بالجرن.
كان الأمر كلّه خوفًا من تغيير ما اعتدنا عليه.
فالعادة ليست أكثر من شعور بالأمان، وتجنب ما يهدّد الاستقرار.
ولا أمان ولا استقرار يوصلان المجتمعات إلى البلادة كالعادة، والخوف من كسر المألوف.

والحقوق والقضايا والمبادئ ليست ثابتة، بل متنقلة، متحركة، والناس كما قيل “على دين ملوكهم”. وما ملوك الناس، إلا وفق ما كانوا عليه، وعملًا بالقاعدة: “كما تكونوا يولى عليكم”.
لذا تحتاج صناعة حقائق جديدة إلى جرأة لا تقاوم، وإلى إصرار لا يهزم وإلى قادة لا يهابون الاقتحام, وإلى جيل يدفع بكل قواه ما كان عليه آباؤه من عادات تتحكم بالمستقبل لصالح الماضي.
ومن لا يجرؤ على كسر جرنه القديم؛ سيتناول كبة الغداء على مائدة العشاء، وقد تتأخر إلى وقت فطور الصباح، وقد لا تجهز بتاتًا.

* من رواية: “الكتابة ليست علفاً”، قيد الإنجاز
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى