مقالات

بين المبالغة الصحافية والواقع المحلي.. لبنان مُتلقي وليس صانعًا!

مُعتز فخر الدين/ لبنان

“المدارنت”
في المشهد الصحافي والسياسي اللبناني، كثيرًا ما يستخدم بعض الكتاب تعابير سياسية وإقليمية مبالغ فيها، مثل وصف أحداث محلية كأنها “نقاط تصعيد استراتيجية”؛ أو تقديم زعامات محلية؛ كأنها “محورية على المستوى الدولي”.
الهدف من هذه الصياغات؛ غالبًا هو إظهار قدرة الكاتب على فهم السياسة والعلاقات الدولية، لكنها في الواقع تشوّه فهم القارئ للواقع اللبناني؛ وتضخم الأحداث أكثر من اللازم.
يأتي هذا المقال لتقديم قراءة نقدية واعية للواقع المحلي، توضح الفرق بين التحليلات الصحافية المبالغ فيها؛ و”الديناميات” السياسية والاجتماعية الواقعية على الأرض، وتمكين القارئ من فهم أن لبنان؛ غالبًا مُتلقّي للتوازنات الإقليمية أكثر من كونه صانعًا لها.
بعض المقالات تناولت الانتخابات المقبلة في دائرة بعلبك/ الهرمل 2026، وكأنها اختبار استراتيجي إقليمي، متجاهلة أن الواقع المحلي — من ولاء الناخبين للثنائي الشيعي إلى التحولات المالية والاجتماعية — هو العامل الحاسم في النتائج.
في هذا الإطار، يستخدم بعض الصحافيين؛ لغة درامية تصوّر لبنان، وكأنه يتحكم في المسارات الإقليمية، بينما الواقع غالبًا يُظهر لبنان، مُتلقيًا لتوازنات القوى الإقليمية أكثر من كونه صانعًا لها.
تتكرر في وسائل الإعلام المقروءة والمكتوبة؛ أخطاء شائعة في معالجة الأحداث السياسية المحلية، حيث تُحوَّل وقائع محدودة إلى روايات استراتيجية كبيرة.
ويمكن للمتابع رصد أمثلة توضيحية عن تلك المبالغات:
1/ البيئة الشيعية
بعض الصحافيين، بالغ في وصف استقرار ولاء الناخبين للثنائي الشيعي، كأنه مؤشر على استقرار الهيمنة الإقليمية لـ”حزب الله”، متجاوزًا الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي أظهر تململًا شعبيًا واضحًا.

2/ البيئة المسيحية
تحركات القوى المسيحية المحلية وظفتها بعض المقالات، لتقديم رؤى عن التوازن السياسي الوطني، وكأنها تعكس مخططًا إقليميًا متكاملًا، رغم محدودية تأثيرها الفعلي.

3/ البيئة السنية
مثال (النائب) فيصل كرامي، في مأدبة غداء أقيمت في منزل فيصل كرامي بحضور مفتي (الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان) عدد من النواب السنّة، فسّر بعض الصحافيين اللقاء كخطوة سعودية، لتكريس زعامته للطائفة السنية، وذهب آخرون إلى القول إنه مرجّح أن يصبح رئيس وزراء مستقبلًا.
لكن المصادر الرسمية، وأقوال كرامي نفسه، تنفي أي طموح ليكون “صوت السعودية” في لبنان. هذا المثال يوضح كيف يمكن أن يتحول حدث محلي محدد إلى حكاية مبالغ فيها، تعكس ميل بعض الكتاب إلى تقديم استنتاجات سريعة وقاطعة من دون دليل موثوق.
بينما يميل بعض الكتاب إلى تحويل الأحداث المحلية إلى روايات إقليمية، الواقع على الأرض غالبًا مختلف. الانتخابات المقبلة في دائرة بعلبك/ الهرمل؛ تكشف أن الديناميات الداخلية — من الولاء التاريخي للثنائي الشيعي إلى التحولات المالية والاجتماعية بعد الأزمات الأخيرة — هي العامل الأساسي في رسم النتائج، وليس التوقعات الصحافية.
هذه الفجوة تفرض على القارئ التمييز بين:
• المؤشر الواقعي: سلوك الناخبين، قوة الأحزاب على الأرض، التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

• التحليل المبالغ فيه: توقعات حاسمة حول تحولات زعامات أو مواقف إقليمية، غالبًا قائمة على استنتاجات شخصية أكثر منها على معطيات موثوقة.
أمثلة: مثل اللقاء في منزل فيصل كرامي، أو وصف استقرار ولاء البيئات الشيعية والمسيحية؛ كأنها انعكاس لمعادلات إقليمية كاملة، تؤكد أن المبالغة والتحليل السريع من دون تحقق من المصادر باتت ظاهرة شائعة.
الدرس الأساسي للقارئ والباحث السياسي؛ هو تمييز الواقع المحلي المحدد عن الروايات الصحافية المبالغ فيها، وفهم أن لبنان، غالبًا مُتلقّي للتوازنات الإقليمية أكثر من كونه صانعًا لها.
قدرة اللبنانيين على فهم الواقع المحلي، والتمييز بين المبالغات الإعلامية والحقائق الميدانية، ستحدد مدى قدرتهم على رسم مستقبل سياسي واعٍ ومستقر في بلادهم.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى