بين طائفية المجتمع وطائفية الدولة

خاص “المدارنت”
في خضمّ الانهيار اللبناني، يطلّ من جديد خطاب نقدي للنظام الطائفي، لا بهدف تجاوزه، بل بقصد إعادة تحديد مسؤولياته وحدودها، وصولًا إلى اعتباره أقلّ الشرور مقارنة ببدائل غامضة أو خطرة. وهو خطاب يستند غالبًا إلى مُسلّمة أساسية، مفادها أن الطائفية سبقت النظام، وأن هذا الأخير لم يسعَ لإنتاج مجتمع جديد، بل عكس الواقع الاجتماعي الراسخ؛ وأبقاه قائمًا على انقسامات الطوائف.
لا شك في وجاهة هذا التوصيف من حيث المنشأ التاريخي، إذ إن الطائفية، بوصفها نمطًا من الاجتماع الأهلي، سبقت الدولة الحديثة في لبنان. غير أن الإشكال يبدأ حين يتحوّل هذا الوصف إلى تبرير سياسي، أو حين يُستَخدم لتخفيض سقف النقد إلى حد القبول بنظام يجعل من الانقسام قاعدة حكم، ومن الخوف أداة إدارة.
فالفرق جوهري بين طائفية المجتمع بوصفها واقعًا تاريخيًا قابلًا للتحوّل، وبين طائفية الدولة بوصفها نظامًا قانونيًا ومؤسسيًا. الأولى يمكن أن تتآكل بفعل الزمن والتعليم والتحوّلات الاقتصادية والثقافية، أما الثانية فتعمل، بحكم تعريفها، على إعادة إنتاج الطائفية ومنحها شرعية دائمة. هنا لا تعود الدولة لاحقة للمجتمع، بل تصبح شريكًا فاعلًا في تثبيت انقسامه.
ويُقال أيضًا، إن هذا النظام، على علّاته، جنّب لبنان الوقوع في قبضة حكم عسكري أو ديكتاتوري، كما حصل في بلدان عربية أخرى. وهو قول صحيح جزئيًا، لكنه يغفل جانبًا أساسيًا، فالنظام الطائفي لم يمنع الاستبداد، بل جزّأه ووزّعه، مستبدلًا الدكتاتور الواحد بدكتاتوريات طائفية متجاورة، سرعان ما فُتحت إحداها على استبداد السلاح حين اختل ميزان القوة.
كما يُشار إلى غياب بديل شعبي جاهز، وإلى سلوك انتخابي يعكس رسوخ الاصطفاف الطائفي، بوصفهما دليلين على استحالة تجاوز النظام القائم. غير أن هذا الاستنتاج يخلط بين الوصف والتحليل من جهة، والوظيفة التاريخية للدولة من جهة أخرى. فالدولة الحديثة لم تُبنَ يومًا على صورة مجتمع ناضج سلفًا، بل كانت، في تجارب كثيرة، أداة لإعادة تشكيل الاجتماع السياسي، لا مجرد مرآة له.
المأزق الحقيقي اليوم، لا يكمن في سوء تطبيق النظام الطائفي، بل في عجزه البنيوي عن أداء وظائف الدولة الأساسية، السيادة، احتكار العنف، والمساواة بين المواطنين. ولا يعني ذلك التقليل من أثر العوامل الإقليمية والدولية في تعميق الأزمة، بل التشديد على أن هشاشة البنية الداخلية هي ما جعل هذا الأثر ممكنًا ومضاعفًا. وفي ظل هذا العجز، يصبح السؤال ملحًا: كيف يمكن لنظام طائفي ضعيف، مشرذم، ومعلّق على توازنات خارجية، أن يواجه تنظيمًا طائفيًا مسلّحًا، عابرًا للدولة، ومسنودًا بمشروع إقليمي؟ الجواب، مهما جرى الالتفاف عليه، هو أنه غير ممكن.
من هنا، فإن نقد النظام الطائفي؛ لا ينبغي أن يُفهَم بوصفه تبرئة للمجتمع، بل بوصفه تحميلًا له مسؤوليته التاريخية، فالمجتمع الذي يقبل بنظام يؤبّد انقسامه، أو يكتفي بإدارته تحت شعار الواقعية، يشارك في إعادة إنتاج أزمته، حتى لو كان ضحية لها في الوقت نفسه.
لا تُهزم الطائفية بإدارتها، ولا بتحويلها إلى «أقلّ الشرور»، بل فقط بإعادة طرح سؤال الدولة بوصفها دولة مواطنين، لا دولة جماعات. وهو مسار طويل وشاق، بلا أوهام ولا وصفات سحرية، لكنه المسار الوحيد الذي لا يحوّل الواقعية إلى اسم آخر للاستسلام.




