نـحــن وتــركـيـــا.. “1/ 3”..

خاص “المدارنت”..
بين العلمانية والإسلام..
نحن عرب لنا هويتنا القومية. تركيا لها هويتها القومية الخاصة بها. تركيا ليست عربية ولن تكون. ولا نحن أتراك ولن نكون. دولة مجاورة لبلادنا العربية وتوجد حقب تاريخية مشتركة. أين المشكلة إذن؟ هل من مشكلة أصلا بين تركيا وجيرانها العرب؟
حينما انتهت دولة “الخلافة ” العثمانية بإنتهاء الحرب العالمية الأولى؛ لم تكن ثمة مشكلات عميقة تواجه العرب بالأتراك، كان مطلب العرب الإستقلال عن السلطة العثمانية حين تحولت إلى سلطة قومية تركية في سنينها الأخيرة قبل الحرب، وحينما سقطت انتهى مبرر المطالبة بالاستقلال، فيما ترك إعدام كوكبة من الشهداء من المطالبين بالإستقلال العربي على يد العسكر التركي؛ ضيقا نفسيا وجرحا في العلاقات بين العرب والأتراك لكنه لم يتحول إلى عداوة.
وحينما قامت سلطة كمال اتاتورك سنة 1924، أفصح عن نزعة شوفينية تغريبية حاقدة على العرب بشكل سافر لا مبرر له، بلغت ذروتها في حرب على الثقافة العربية، أوصلته إلى فرض كتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية بدلا من الأحرف العربية، تعبيرا عن عداء سافر للعرب، ورغبة جامحة في قطع صلة الأتراك المسلمين بهم.
وتابع أتاتورك مسيرة إبعاد تركيا عن العرب، بفرض العلمانية ومحاربة الإسلام، حتى أنه منع الأذان في المساجد ومنع التعليم الديني، والكثير من مظاهر الحياة المسلمة ومضامينها المجتمعية، وإرتبط بأوروبا والغرب ليس ثقافيا فقط، بل وسياسيا ونفسيا أيضاً.
وعلى هذه الأسس، تعاملت تركيا بعداء ظاهر لكل محاولة عربية للتحرر والنهضة والتقدم، وما أن أقيمت دويلة “الإسرائيلي” حتى اعترفت بها تركيا وتعاونت معها ضد العرب، ثم برز هذا الإتجاه العدائي التركي إبان الحقبة الناصرية القومية التحررية، فكانت تركيا في صفّ أعداء العرب، تتحالف مع أمريكا والكيان الصهيوني، عبر إلتزامها بحلف الأطلسي (الناتو)؛ وتبادل المصالح والمنافع معهما.
وحينما تنازعت قبرص مع تركيا في خمسينات وستينات القرن العشرين، وقف جمال عبد الناصر ومعه كل أحرار العرب مع رئيس قبرص الأسقف مكاريوس، الحرّ الشريف وصديق العرب، ضد نظام تركيا التابع لأمريكا والصهيونية المعادي للعرب.
وخلال السنوات الخمسين التي تلت تأسيس الجمهورية التركية على يد كمال أتاتورك، بدعم وغطاء وتحريض أوروبي، كانت سياستها العامة تتميز بعدة ثوابت، أهمها:
1 – عداء للإسلام كثقافة وقيم مجتمع ودين الغالبية الساحقة من أبناء تركيا، ومحاربته داخل مجتمع الأتراك عبر نظام علماني، شديد الولاء والإرتباط بالتجربة الغربية الأوروبية؛ وقوانين متعسفة جائرة أدت إلى تغيير في وجه تركيا المسلمة؛ إلى حين.
2 – نظام عسكري، شديد الإنضباط والصرامة والتسلطة على كل مقدرات البلاد ومؤسساتها، برعاية الدستور التركي، الذي ينصّ على أن الجيش هو حامي نظام الجمهورية ونهجها العلماني، أي أنه يشرّع تسلّط الجيش على كل البلاد، بالنصّ الدستوري؛ تحت عنوان الحفاظ على علمانية الدولة والمجتمع، وحينما كان أي سياسي مسؤول يحاول الخروج قليلا عن هذا النص، يتصدى له الجيش ويردعه بكل حزم. كما حصل مع الرئيس عدنان مندريس مثلاً.
3 – العداء للعرب وللثقافة العربية. ترجم هذا بالتوافق دائما مع دولة المستعمر الصهيوني، وكل أعداء العرب وحضارتهم، بمن فيهم نظام إيران الشاه.
4 – الإنصياع التام للنظام العالمي الإستعماري الصهيو – أمريكي، فهي عضو فاعل في الحلف الأطلسي، وفيها قواعد عسكرية أمريكية ناشطة، إضافة إلى العلاقات الإقتصادية والسياسية المرتبطة به وبحلفائه المحليين والإقليميين.
– إحتلال الأرض
في سنة 1923؛ إقتطعت الدول الأوروبية الإستعمارية شريطا حدوديا واسعا من شمال سورية العربية الملاصق لتركيا، و “وهبته” الى النظام التركي الجديد، الذي كانت تعده لدور يناكف العرب ويحاصرهم، بل يعاديهم قدر ما يلزم ويستطيع.
وقد ثبتوا هذه “الهبة” الإستعمارية في معاهدة لوزان (24 تموز 1923 – سويسرا ). وهكذا دعموا صنيعهم الجديد أتاتورك، بحزام جغرافي واسع من أراضي سوريا العربية، ضمّ:
ديار بكر واورفة وعنتاب وأضنة ومرسين وطرسوس وحران ونصيبين وماردين وكلس ومرعش وجزيرة إبن عمر وقيليقية العربية السورية، وقد ألحقت جميعها بتركيا لقاء تخليها عن المطالبة بمصر والعراق وفلسطين وليبيا، أو المطالبة بأي مكاسب لها فيها؛ إستنادا إلى وجودها فيها كدولة “للخلافة”.
ثم أتبعتها فرنسا، بإلحاق لواء الإسكندرون العربي السوري أيضا؛ بتركيا، سنة 1939، وقد ألحقته فرنسا بتركيا إلحاقاً، من دون أن تكون هناك حرب أو معارك فيه أو عليه. ولا تزال كلّ هذه الأراضي السورية الواسعة تتبع دولة تركيا الحالية.
– التحول نحو الإسلام
منذ أواسط سبعينات القرن العشرين، بدات ملامح تحوّل نحو الإسلام، تظهر في الحياة السياسية التركية، وفي أواسط الثمانينات تشكل حزب إسلامي جديد، على الرغم من أن الدستور يمنع تأسيس أحزاب دينية. فكان حزب “الرفاه الإسلامي” برئاسة نجم الدين أربكان، والذي تمكن من إثبات وجوده في الساحة السياسية والثقافية التركية، ولما لم يستطع الجيش إحتواء أربكان، الذي يتّصف بالشخصية القوية الإستقلالية عقلاً وتفكيراً؛ أطاحوا به وأزاحوه، على الرغم من أنه حرك المشاعر الدينية، وكثيراً من المظاهر الدينية لدى قطاع واسع من الشعب التركي.
وبعد مدة قصيرة من حلّ “الرفاه”، ظهر حزب جديد تحت إسم “العدالة والتنمية”، وبدأ نجمه الشعبي يسطع، كان هذا في أواسط التسعينات، وبدا كأنه أقدر على الإستمرار وسط ظاهرتين لافتتين تماماً:
الأولى:
– سكوت الجيش تماماً عن تأسيس حزب ديني، وكانت الذريعة أنه حزب مسلم، وليس إسلامياً، بمعنى أنه لا ديني متوافق مع علمانية الدولة.
الثانية:
– رعاية الملياردير التركي – الأمريكي فتح الله غولن للحزب الجديد، ومساعدته مالياً وإعلامياً وسياسياً.
كان غولن، من الأثرياء الذين صنعوا ثروة طائلة في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان معروفاً بصلاته الطيبة مع الدوائر الرسمية الأمريكية، ومحسوبا عليها. وكانت له في تركيا إستثمارات إقتصادية كبيرة، ومجموعة من المدارس والمعاهد التعليمية والثقافية، وضعها في خدمة الحزب الجديد “العدالة والتنمية”.
حتى أن غولن شخصياً، كان يولي رعاية خاصّة للقيادي الجديد في الحزب رجب طيب أردوغان، وكان يراهن عليه، وعلى مستقبله، فيقدم له دعمه ورعايته.
وبدأت مسيرة جديدة تتجه بتركيا العلمانية نحو مظاهر الحياة الإسلامية، التي كانت سابقا من المحرمات، كان ذلك بقيادة حزب “العدالة والتنمية”، تحت رئاسة القيادي الحازم الطموح رجب أردوغان.
وكان لافتا في مسيرة هذا الحزب وزعيمه الشاب، عدا عن رعاية ودعم فتح الله غولن لهما – للحزب ورئيسه – عدد من الأمور الهامة:
الأول:
– عدم تعرّض الجيش لهما، وبالعكس فقد راح أردوغان بعد وصوله إلى رئاسة السلطة السياسية، يجري من التغييرات في المؤسسة العسكرية ما يدعم نفوذه وصلاحياته، دونما إعتراض من القيادات العسكرية المعروفة بعدائها الشديد لكل ما هو ديني، وتشددها في حماية دستور الدولة العلماني. وهو ما فعلته سابقاً حينما أزاحت وأعدمت الرئيس عدنان مندريس، ولاحقاً أزاحت نجم الدين أربكان.
فلماذا سكتت عن أردوغان، وصار هو من يمارس نفوذه عليها، فأقال كثيرين، وأزاحهم عن المؤسسة ذاتها؟!
الثاني:
– سعي حميم من أردوغان الى تطوير أوضاع تركيا العامة، وبناها التحتية،وإقتصادها وتنمية مواردها وتجميلها وتنظيمها، وقد نجح في هذا نجاحاً كبيراً، حيث أصبحت تركيا في عهده دولة ذات إقتصاد قويّ ونمو مضطرد، وتنظيم واضح للإمكانيات والموارد والمرافق العامة والحياتية، وهذا ما يُسجل له كإنجاز داخلي مهم.
الثالث:
– تغييرات بإتجاه إسلامي في حياة الأتراك وثقافتهم، فسمح ببناء المساجد وتأسيس جمعيات إسلامية وبالآذان المُعلن، وارتداء الحجاب، وتعليم المواد الإسلامية في المدارس، وسوى ذلك من أمور، أنعشت الروح الإسلامية للمجتمع التركي المسلم برمته أصلاً، وبقي الدستور علمانيا.
الرابع:
– سعي نشيط للدخول إلى أوروبا الموحدة، الأمر الذي دفعه الى إجراء كثير من التغييرات والقوانين والسياسات، التي تحقق له هذا الهدف، وهو ما لم يتحقق.
الخامس:
– ظهور تطلعات توسعية، تبدي حنينا الى الإمبراطورية العثمانية وإمتداداتها الجغرافية، لا سيما باتجاه الأرض العربية في المشرق ومصر والمغرب.
وراحت مؤشرات كثيرة تطل برأسها تبين هذه الرغبة، مترافقة بدور جديد لتركيا المنشودة، يتجاوز حدودها الجغرافية، إلى نطاق العالمين العربي والإسلامي خصوصاً.
كيف ترجمت تركيا الجديدة هذه الأمور ميدانيا؟
أو بالأحرى، كيف ترجمت سياسة تركيا الخارجية هذه التطلعات؟…
=======================



