تسليم السلاح في لبنان.. وجه آخر من وجوه الفلسفة السياسية!
“المدارنت”
من محددات الفلسفة السياسية، أن تنحت خطابا يدور حول أدب الملوك ونصيحتهم، ليتحول إلى حسن تدبير صلة الحاكم بالمحكوم، بضمان رفاه الرعايا.
هذا تقريباً ما أتى لنا به ابن المقفع، مفتتحا تيارا يضرب جذوره في دراسة كيفية أقلمة الثوابت الفكرية، والتوجهات الأيديولوجية لحضارة ما، مع توفير الحريات الفردية والعامة، على ضوء تنوير الحاكم لإبعاده عن «طبائع الاستبداد» كما قال الكواكبي.
لكن زماننا الحاضر يعج بالمصطلحات الجديدة والمتجددة، التي تستحق أن تدخل في نطاق الأدوات المنهجية الذاهبة في اتجاه بعث تفكير سياسي جديد. «تسليم السلاح» من هذه المصطلحات، ليس فقط لأنه يعود بنا إلى خصوصيات الحرب الأهلية في لبنان، فيستدعي تركيزا نظريا حول ماهية المكون الميليشياوي وأبعاده وعلاقته بالممارسة السياسية، لكن أيضا لأنه يستوجب امتلاكا لمفاتيح فهم، وعدة تفكيكية للغوص في منطق المقاومة وتجلياته.
في مقابلة أجرتها معي قناة «البحر المتوسط» المغربية قبل أيام، سئلت من بين ما سئلت في هذا الشأن عن «ماذا نعرف عن رأي المواطن اللبناني في هذا الموضوع»؟ أعجبني السؤال، خاصة أنه يوجه لي أنا، باعتباري محللا سياسيا غربيا غير لبناني، لا يسعى أبدا إلى التحدث محل اللبنانيين، لكن بإمكانه في المقابل تصور طموح واضح لشعب إلى الاستقرار الاقتصادي، وبالتالي الاستقرار السياسي.
هنا، تبادر إلى ذهني شعار جديد وجميل حملته سنة 1969 في تاريخ الجمهورية الفرنسية، بقدوم جاك شابان ديلماس رئيس وزراء جورج بومبيدو آنذاك، كان هذا الشعار يحمل اسم «المجتمع الجديد» وكأن الحدث المحوري في تطورات الواقع اللبناني أعادني إلى هذا المخاض، وإن برهانات أخرى، مخاض قوة سياسية وازنة، بل وازنة جدا ذات خلفية تاريخية حصرية باتت شبيهة بالشرنقة الآيلة إلى التحول إلى مكون سياسي جديد في خدمة مجتمعها بطريقة جديدة مبتكرة مقبلة.
صحيح، أن التحول لن يتم بين ليلة وضحاها، وثمة عوامل موضوعية وذاتية تقف سدا منيعا في وجه سرعته. عوامل موضوعية أولا: فالجيش الإسرائيلي لا يزال موجودا في الجنوب الإسرائيلي، ويستمر في قصف مواقع تابعة لـ«حزب الله» وضرب كوادرهم.
على هذه الخلفية، كان رد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم متوقعا: اشتراط محادثات تسليم السلاح بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وقف الضربات على تجهيزات الحزب واستهداف مسؤوليه، تحرير الأسرى والمباشرة في إعادة الإعمار. وثمة عوامل موضوعية أيضا، كما يرى دايفد وود، المحلل في «أنترناشيونال كريسيس جروب» عندما يتحدث عن «الضغط الذي يمكن أن يمارسه «حزب الله» بسحب الوزراء الشيعة من الحكومة».

هل عدنا إلى السياسة، وهل كانت مشاركة حزب الله وحركة أمل في اجتماع الحكومة الخاص بتسليم السلاح، مجرد «مشاركة صورية» كما سألتني القناة المغربية أيضا؟
في الواقع، لم نغادر السياسة، ولم يكن واردا أن نغادر السياسة، لكن عامل الوقت أصبح جزءا من الجواب، أكثر من أي وقت مضى، وهذه هي المفارقة، مفارقة أن ندخل في منطق التحول السياسي غير المسبوق المطلوب أن يتم سريعاً، ولكن أيضا غير القابل للحصول، إن لم يفسح لمعركة لي ذراع، التي لا سبيل إلى الإفلات من مجالها لتفضي إلى حل.
بكل تأكيد يتجه الشرق الأوسط إلى شرق أوسط جديد، لكن التكامل السياسي المطلوب في لبنان، والذي يترجمه البعض بإلغاء الطائفية وتكريس المواطنة، لا يمكن أن يتم، من دون الإصلاح السياسي والجيوسياسي أيضاً، إصلاح لا تحدده المفاهيم والاتفاقيات فقط، بل الواقع أيضا. والسؤال الذي يبقى مطروحا، سؤال هذا الواقع بالذات.



