مقالات

الصيادي يعلق على مقال ابراهيم علّوش “الآراميون عرب قدماء”

كتب د. مخلص الصيادي/الشارقة

//المدارنت//… الانتماء القومي، في جوهره، نظرة إلى نتائج حركة تاريخية بكل ما يحيط بها من مكونات ثقافية، ودينية، واجتماعية، وقيمية، ووشائج، ومصالح مادية. وذلك كله لأجل بناء مستقبل على أقوى قواعد البناء رسوخا، وأكثرها قدرة على تحمل أعباء هذا البناء، وما يستدعيه من تضحيات، ومعارك، واستثمارات، فكرية ومادية، وحركية.

فالقضية في البناء القومي لا تنبع مما كنا، وإنما مما نريد أن نكون. لكن البحث في تاريخية مكونات الأمة مفيد في تبيان رسوخ عوامل وحدة الأمة، وفي تملك الأسلحة اللازمة في التصدي الفكري والثقافي لأعداء هذه الوحدة، الذين كثيرا ما يلجأون إلى تزوير التاريخ اعتمادا، على حقيقة أن الناس، أو جمهور المتلقين على عمومهم، ليسوا ممن يملك باعا في هذا الجانب، وبالتالي فإنهم بذلك يحاولون أن يولدوا لدى هذا الجمهور شكوكا بصلابة هذه الأمة، وصلابة تكوينها التاريخي.

وسند هؤلاء دائما قطع وقائع التاريخ وظواهره عن سياقها الحقيقي الذي يظهر علاقاتها بما سبق، وتأثيراتها بما لحق.

ويتم التحريف في ذلك على المستويات الثلاثة الرئيسة المكونة لمفهوم الأمة:

 * على مستوى الوجود القبلي والسكاني فمثلاً، يوردون أن سكان هذه المنطقة في زمن ما كانوا آشوريين، أو كنعانيين، أو أمازيغ، أو أكراد ، أو آشوريين، دون أن يبينوا الصلة بين هؤلاء بعضهم ببعض، وصلتهم بما سبقهم من أقوام، وصلتهم بما لحق بهم، وعلاقة التسميات هذه بعضها ببعض.

 * وعلى مستوى اللغة يطمسون متعمدين الوشائج اللغوية بين لغات هؤلاء الأقوام، فيقولون لغة آرامية، أو كنعانية، أو آشورية، أو قبطية، أو أمازيغية، وكأن كل لغة من هذه اللغات منفصلة عن اللغة الأخرى، بنية وتاريخا، وليسوا فروعا من أصل واحد، أو ينابيع صبت في مجرى واحد بات يعرف باللغة العربية.

 * وعلى مستوى الدين والعقائد يتحدثون عن أسبقية اليهودية والمسيحية في هذه المنطقة أو تلك على الإسلام، وعن وجود عقائد توحيدية كانت متوفرة عند تلك الأقوام أو بعضها قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بمئات السنين، وهدفهم من ذلك القول بأن الإسلام طارئ على هذه المنطقة وشعوبها، وأن تقبل هذه الشعوب للاسلام إنما كان بفعل السيف وإرهابه، أي بفعل الفتح بالقوة.

وقد وصل الأمر عند بعض “هؤلاء الأعداء”، أن رفعوا شعار التخلص من “اللغة العربية، ومن الإسلام” سبيلاً للتحرر ، ولاستعادة ما يدعونه “شخصيتهم القومية الأصيلة”.

طبعا ليس من مصلحة قوى تفتيت الأمة أن تنظر إلى مسألة الدين من منظور حقيقي: علمي تاريخي، جاء عليه وثبته القرآن الكريم، بل هو في كتاب الله، أساس من أسس الدعوة إلى الله، إذ بني القرآن كله، ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم، على أن دعوة التوحيد، دعوة واحدة ، هي دعوة الإسلام منذ البداية، وهي دعوة كل الأنبياء، وأن ما أصاب هذه الدعوة من خلل إنما كان بفعل الأجيال المتعاقبة الذين طال عليهم الدهر، فبدلوا وغيروا. وأن الأنبياء كلهم يلتقون بنسب عقدي واحد وفي الحديث الشريف (… الأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى، ودينهم واحد)، فهم “أولاد علات” لا يفرق أحدهم عن الآخر بالعقيدة، بسبب أن مصدرها واحد، وإنما يفترقون بالتشريعات التي اختصت بأقوام تختلف أزمانهم وظروفهم، والدعوة إلى تفتيت الأمة، وإخراجها من لغتها ودينها، وتمزيق تاريخها، ورفع مثل هذه الرايات ليست دعوة جديدة، وإنما هي قديمة، قدمت إلينا في العصر الحديث مع الاستعمار الفرنسي، ومستشرقوه في الجزائر، الذين أقاموا لرايتهم هذه “المؤسسات والمعاهد الفكرية الداعمة”، وما زالوا يرفعون هذه الراية، وإنا لنجد نظيرا لمثل هذا التحرك في الوقت الراهن في خلق ما بات يعرف بـ”مسألتي البربر، والأكراد” وهو تحرك مدعوم من ذات القوى، ومن الحركة الصهيونية والكيان الاسرائيلي، كما نجد ونحن ندقق في المسألة السورية، فتات لكثير من مثل هذه الدعوات.

المقال الذي بين أيدينا يشتغل على المستوى اللغوي من هذه المستويات، وقيمته الرئيسة، أنه يقدم علما صحيحا حقيقيا ومبسطا للقارئ، يساعده في مواجهة رياح التفتيت التي تعصف بالأمة في هذه المرحلة غير المسبوقة في تاريخها.

مقالة إبراهيم علّوش*/ الآراميون عرب قدماء

كانت سوريا قبل الفتح الإسلامي آرامية، لكن الآراميين والعرب لم يكونوا قوميتين متجاورتين، لكن مستقلتين، مثل الصينيين واليابانيين مثلاً، أو مثل الألمان والفرنسيين. على العكس تماماً، مثّل الآراميون مرحلة من مراحل العروبة، وإحدى تجلياتها، وكان التداخل بين الآراميين والعرب شديداً، داخل سوريا الطبيعية وخارجها، على مختلف الصعد، تداخل أغصان شجرة واحدة، لا أغصان شجرتين متجاورتين.

يقول المؤرخ فيليب حتي (وهو ليس عروبياً) في كتابه تاريخ “سوريا ولبنان وفلسطين” أن الآراميين، قبل أن يُسَموا بهذا الاسم، أتوا من شمال بادية الجزيرة العربية، في الألف الثاني قبل الميلاد، وأنهم كان من البدو، وأنهم كانوا الموجة الثالثة الآتية من الجزيرة العربية لبلاد الشام، بعد العموريين (الآموريين)، وبعد الكنعانيين (الذين يشكل الفينيقون فرعاً منهم).

والعبرة هنا أن الآراميين، قبل أن يستقروا في بلاد الشام والفرات الأوسط (محافظات النجف وكربلاء والديوانية وبابل والمثنى في العراق اليوم)، لم يأتوا من الجزيرة العربية فحسب، كأسلافهم من الأموريين والكنعانيين، بل كانوا بدواً رحلاً.

ويقول المؤرخ محمد عزة دروزة (مختارات قومية لمحمد عزت دروزة، 1988)، إن الموجات والجماعات التي طرأت على بلاد الشام من ناحية باديتها، أو من طريق العراق، إنما جاءت في الأصل من الجزيرة العربية، حيث نزح بعضها من جنوبها إلى شواطئها الشرقية على بحر الهند فالخليج العربي فالعراق فبلاد الشام أو إلى بلاد الشام مباشرة عن طريق البادية.

لم تكن اللغة الآرامية سوى لهجة شمالية غربية من بين مجموعة لهجات تمخضت عنها اللغة العربية الفصحى المعاصرة، وكانت الآشورية ـ البابلية لهجة شرقية، تقابلها لهجة جنوبية في جنوب الجزيرة العربية، ولقد أثبت ولنغنستون مؤلف كتاب تاريخ اللغات السامية جدولاً فيه جملة كبيرة من المفردات الأشورية البابلية والآرامية التي كان يتكلم بها سكان العراق والشام، في ظل دولها الآرامية والأشورية والكلدانية والعمورية، مع ما يقابلها من المفردات العربية، التي كان يتكلم بها أهل جنوب جزيرة العرب قبل العروبة الصريحة، ثم ما يقابلها كذلك من المفردات العربية الفصحى، ننقل فيما يلي مختصراً عنه، كدليلٍ حي على اتحاد الأرومة بين أهل جزيرة العرب القدماء، على اختلاف أروماتهم (والجدول بأكمله مثبت في كتاب “أسس العروبة القديمة” لإبراهيم علوش في الصفحات 72-74)، وننقل هنا ما ورد عن الحرف “ألف”:

عربي فصيح/ أشوري بابلي/ آرامي/ لغة جنوب الجزيرة العربية القديمة

أب أبو أبا أب ـ ابن بنو برا ابن ـ أخ أخو أحا أخو ـ أخذ إخوز أحد أخذ ـ أحد أدو حد أحد ـ أذن أزنو أودنا أزن ـ اثنتان شنا تريْن سنيث ـ أرض أرضو أرعا أرقا أرض ـ أربع أربعو أربع أربع ـ اسم شومو شما سم ـ أم أمو أما أم ـ أمة أمتو أمتا أمة ـ إنسان نشو ناشا أنش.

 ولنأخذ ما ورد تحت الحرف “عين”:

عربي فصيح/ آشوري بابلي/ آرامي/ عربي جنوبي ـ عظم عصمتو عطما عضم ـ عقرب عقربو عقربا عقرب ـ عمود إمدو عمودا عمد ـ عنب انبو عنبتا عنب ـ عين أنو عينا عين.

ويستطيع كثيرٌ منا في بلاد الشام والعراق أن يرى من الأمثلة أعلاه مدى دخول بعض ما جاء في الجداول أعلاه في الكلام العامي، بالشكل المثبت حرفياً بالجدول أو المحوّر بحرف، ومدى انتشار أسماء أماكن (عمودا، عنبتا، عقربا) وعائلات (عينا، شما) من اللهجتين الأشورية البابلية، والآرامية، حتى اليوم.

اللغة السريانية هي لغة آرامية مطورة، فالآرامية هي بمثابة أم السريانية، وقد اكتسبت هذا الاسم رسمياً في القرن الرابع الميلادي مع انتشار المسيحية، وهي لا تزال اللغة التي تجمع السريان والكلدان والآشوريين اليوم، مع بعض الاختلاف بين السريانية الغربية (غرب الفرات) والسريانية الشرقية (شرق الفرات)، ووجود لهجات ضمن كل فئة.

قضية الأصل اللغوي القديم لا تزال موضع بحث وخلاف واجتهاد، فهناك من يتحدث عن أصل لغوي واحد (لغة واحدة سامية عربية قديمة، وهناك من يتحدث عن عائلة لغات سامية/عربية مشتركة). ابن حزم الأندلسي (في كتاب “الإحكام في أصول الأحكام”) مثلاً يقول أن أصل العربية والعبرية والسريانية واحد، أي لغة واحدة بالأصل تبدلت بتبدل مساكن أهلها.

اللغتان الآرامية والعربية كانت تكتبان في البداية بأبجدية واحدة هي الأبجدية الآرامية القديمة، كما أن تقارب الآرامية القديمة والعربية القديمة يكاد يفوق التقارب بين أي لغتين في “عائلة اللغات السامية/العربية”.

اللغة العبرية القديمة (التي اندثرت) هي إحدى اللهجات الكنعانية، وبعد السبي البابلي، فقد اليهود لغتهم، التي كتبت بها التوراة، وتبنوا الآرامية الشرقية، حتى أعادت إحياءها الحركة الصهيونية على شكل عبرية حديثة، تختلف جزئياً عن العبرية القديمة.

الحديث عن فروق “قومية” بين العرب والآراميين، كما يزعم البعض، سوف يدفع أيضاً للحديث عن فروق مماثلة بين الآراميين من جهة، وبين العموريين (الأموريين) أو الكنعانيين (العرب أيضاً) الذين استوطنوا بلاد الشام من قبلهم، الذين حل الآموريون محلهم في الأقسام الداخلية من بلاد الشام، وعن “ضرورة تحرر الكنعانيين من الآراميين”! ومن ثم سوف يدفع مثل هذا الحديث عن الفروق “القومية” إلى التفريق بين الكنعانيين، من جهة، وبين أحد فروعهم وهو الفينيقيين، من جهة أخرى، وهو ما يشكل أرضية “التميز اللبناني” على ما زعموا، إلخ… وكلها موجات عربية متلاحقة لم تجد صعوبة بالتفاهم والاندماج مع بعضها البعض.

*(كاتب أردني من أصول فلسطينية)

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى