تـركـيــا وإيــران..
د. عـبـد النـاصـر سـكـريـة

خاص “المدارنت”... منذ تحوّلها المفاجىء نحو الاسلام في اواخر السبعينات، راحت الدولة التركية تعمل في بلورة عصبية مذهبية “سنية”، ولا تزال. وتسعى الى أن تكون محور نشاطات “اهل السنة”، ومركز جذب لهم. بكل فعالياتهم وانشطتهم، وحتى احتوائهم وجوديا كبشر.. للوصول الى الهدف: أن تكون تركيا دولة “السنة” في العالم.
كذلك فعلت وتفعل ايران، منذ قيام سلطة الخميني الدينية في اواخر السبعينيات ايضا، فمدت جسورا متنوعة مع كل “شيعة” العالم، وحرصت على استحضار عصبية مذهبية انقسامية شعوبية، ولا تزال تسعى الى تحويل “الشيعة” العرب الى اقلية منعزلة عن هويتها وانتمائها العربي، لتكون جسر عبور لمشروع ايران الفارسي الحاقد على العرب والمعادي لهم. إيران تعمل على ان تكون دولة “الشيعة ” في العالم، تماما مثلما هي “إسرائيل”، دولة اليهود في العالم. يتشاركون جميعا بعدائهم للعروبة وللاسلام التوحيدي الجامع..
يريدون الغاء اي ثقل عربي في الاسلام، واقتسامه بينهم مذهبيا، مما يفقده دوره التوحيدي كشعلة حضارية انتجت نموذجا حضاريا متميزا عبر التاريخ، ومنع قيامته مجددا، في وقت يترنح فيه النظام العالمي الراهن، بفعل العولمة الامبريالية المفترسة.
اللافت في الامر، ليس فقط تشاركهم جميعا في العداء للعروبة والتوحيد الديني، انما في التوقيت والتكامل الميداني العملاني، الذي يصبّ في النتيجة في الغاء وجود الامة العربية، وانتزاع أيّ فعالية لايّ قوة عربية.
كما والتكامل مع حروب النظام الرأسمالي الربوي الامريكي ـ الصهيوني، على الامة العربية واهلها وتاريخها ومقومات وجودها المختلفة. الوقائع تشير الى ان هذا التكامل ليس من قبيل المصادفة، فالتناغم بين هذه الاطراف جميعا لم يعد خافيا، ومنه ما كان معلنا ورسميا، واكثرهم يحاولون إخفاءه والتستر عليه بشعارات رنانة متنوعة، وما التهجير والتدمير والتغيير السكاني الديموغرافي للمدن العربية التاريخية، الا واحدة من تلك الاجراءات الهادفة الى القضم والفصم والضم.
يساعدهم في ذلك، ضعف وهشاشة النظام العربي، واستغراقه في التيه والخنوع والضياع، بل اكثر من هذا، إن بعض ذلك النظام، يسهّل تلك التحولات، ويساهم في تمريرها وتمويلها وتمكينها من النجاح.
وبحكم الضرورات العملانية والمصلحية والحياتية؛ يلتحق كثيرون من “السنة” بدولتهم المرادة لهم؛ تركيا، فينقلون اليها اعمالهم وانشطتهم، وحتى سكنهم وتمركزهم واستقرارهم فيها، كذلك يلتحق كثير من “الشيعة” بالمشروع الايراني، ويقيمون مع ايران صلات مصلحية وحياتية متنوعة، وإن لم ينتقلوا الى السكن فيها كما هي الحال في تركيا، لا يعني هذا ان تركيا وايران تتشابهان في عداوتهما للعرب. فالتخريب الايراني في بلادنا فاق كل الحدود، وإن كانتا تتشاركان في الاستقطاب المذهبي لمكونات مجتمعنا العربي.
الى اي مدى ينجحون؟ يتوقف الامر على صلابة الوعي الشعبي العربي، وقواه السياسية والثقافية والاجتماعية، مع ان المشروع اياه قد قطع اشواطا مهمة في تحقيق مراميه الخبيثة، حيث تستمر حروب الابادة على الوجود الشعبي العربي في كل مكان، ويستمر التغيير الديموغرافي والتحريض المذهبي، إلا ان الانتفاضات الشعبية القائمة والمتوقعة قد تعرقله، وتعيد بعضا من الفعالية للجسم العربي المنهك والمتهالك، وترد بعض الخطر عن امتنا المهزومة والمأزومة حتى الآن.. الله غالب.



